محمود الرحبي -

توطئة

الحديث عن الغريب يقترن دائما كرديف للعجيب، فغالبا ما يأتي الغريب مضافا إلى العجيب، فنقول العجيب والغريب. ولكن بالتمعن في كنه وروح هذين المصطلحين سنجد أن لكل منهما طبيعته وخصوصيته وسياقاته التي يتفرد بها. فالعجيب يطلق عادة على ما هو مألوف وحميمي وتراثي وفلوكلوري من قصص وحكايات ومواقف.

أي أن العجيب غالبا ما يحمل مرجعية عامية، مرجعية تقترن بالشفوي والشعبي في معظم الأحوال، كما تعبر عنها مفردة حدوتة أو الحدوتة بالتاء وليس بالثاء، والحدوتة مصدرها (الحديث) أو ما نبع عن الشفاه والرواية المنطوقة.

والغريب هو ما يوحي بداهة بعدم الواقعية و(الاستغراب) في المكان والزمان، كأن تقول جسما غريبا مختلفا عن السياق الطبيعي والمألوف للحياة، وللتبسيط فإن الغريب يمكنه أن يلج إلى الخوارق والفانتاستك، أي في سياق لايمكن استكناه معناه بدون قرائن ورسائل انسانية مضمرة، سنجد في الأدب العالمي مثل قصة التحول لكافكا المتأثرة بقصة الأنف لجوجل، وغيرها من سرديات استحضرت العجيب وغير العادي وغير المتكلم كبطل روائي، في التراث العربي يمكن استحضار ما سمي بأدب الأنسنة، كما في قصص كليلة ودمنة، حين يتحدث الحيوان بلسان عربي فصيح نيابة عن البشر وأفعالهم.

حديث القط سبايس

في هذا السياق تحدث القط سبايس نيابة عن البشر في رواية «قطط إنستجرام» (دار العين- القاهرة) للكاتبة الكويتية باسمة العنزي. القط «سبايس» يظهر كقناع، تستخدمه صاحبته دون أن تعرف باسمها في الرواية، إنما من خلال ما يطلقه القط من عبارات انستجرامية تأتي في سياق انتقادي لمنعطفات وأفعال تحدث في الشأن الاجتماعي العام. أي أن هذا القط من خلال حديثه على منصة إنستجرام أراد أن يظهر ويبين ما يفترض أنه مخفي ومحجوب من أفعال تندرج غالبا في سياق الفساد المالي الذي يكون بطله في الرواية منصور لافي. شخصية متخيلة بدأ حياته بائعا للسيارات المستعملة ثم مرابي يقوم بقرض المحتاجين مقابل فوائد مضاعفة، ومن لم يتمكن منهم من السداد، يكون مصيره السجن، حيث تتم من وراء المعتقل مساومة أهل الضحية. أحد هؤلاء الضحايا «حامد» أخو صاحبة القط سبايس، الذي أدخل السجن بقضية الشيكات. هناك أيضا أحلام امرأة أربعينية من الطبقة الوسطى، تعتصم بماضيها المزدهر بيد أنها تعاني- في زمن الرواية- من ضغوطات مالية ستحيل بينها وبين حياتها (الكريمة والسخية) حين تدعو في مجلسها صديقاتها بصورة مستمرة للأكل وتبادل الأحاديث، وكان من ضمن جلاسها الفتاة العشرينية الغامضة، صاحبة القط سبايس، وهي شابة عاطلة عن العمل بعد الأزمة الاقتصادية، تدير صفحة تحت اسم (القطط السمان fat cats) بما يحمل هذا الاسم من رمزية تدلل على الجشع المالي.

تتناول الرواية بطريقة درامية مشوقة أحداثا معاصرة آنية تدور في عالم التجار ورجال الأعمال وجشعهم المبالغ فيه من أجل تراكم الثروات. وصراع الضحايا (يمثلهم في الرواية حامد أخو صاحبة القط سبايس) الذي يبدأ بدراسة القانون من السجن، ومن هناك يتعرف على طرق محاربة الفساد وبالتالي محاربة منصور لافي الذي يمثل طبقة التجار المرابين. فيبدأ بمراسلة مجلس النواب من أجل استصدار قانون لحماية الشباب من هذا الوباء. ولكي تعطي الرواية لأحداثها إيهاما بالواقع، نجدها تتضمن أسماء واقعية مثل الشخصية الوطنية المعروفة أحمد الربعي وزير التربية الكويتي الراحل وقد كان في زمن الرواية عضوا في مجلس النواب، وأيضا الصحفي الراحل محمد السنعوسي وزير الإعلام الكويتي السابق الذي كان في زمن الرواية أيضا عضوا في مجلس النواب، وبسببهما تم استصدار قانون يحمي الضحايا كان من نتائجه خروج حامد من السجن.

حاول التاجر منصور لافي بطرقه الملتوية أن يصل إلى صاحبة سبايس، حيث قام فريقه بإغرائها بالمال من أجل أن تدير له حملة انتخابات للترشح لمجلس النواب، ولكنها ترفض الإغراء وتستمر في محاربتها للفساد رغم انكشاف شخصيتها. وكان من نتيجة ذلك أن رأت قطها الأثير ميتا في الحديقة.

أبعاد ما بعد النهاية

في هذه الأثناء يبدو أن الرواية قد انتهت، ولكن ليس قبل أن تفتح الكاتبة أفق انتظار وتشويق للقارئ، وهو زواج المرأة الأربعينية أحلام بمنصور لافي، حين يلتقيان صدفة في مصعد شركته، لتنبعث من هذا اللقاء ذكريات غابرة حين كان منصور يعيش في المنطقة نفسها التي كانت تعيش فيها الشابة مع أسرتها، بعد ذلك يجتهد منصور لافي في البحث عن هاتفها والتواصل الطويل معها إلى أن يتزوجها فتنتهي الرواية عند هذا الحد، فاتحة السؤال على مصراعيه عن مصير هذا الزواج غير المتكافئ بين سيدة عصرية راقية وتاجر مليء سجله الاجتماعي بالمساحات السوداء.

مجهود بحثي وصبر

يتلمس القارئ أيضا في الرواية جهدا واضحا في تتبع أحداث كثيرة وقعت حقيقة في أزمنة مختلفة بالكويت، ناهيك عن القاموس الزاخر المتعلق بحياة القطط وطباعها وطبيعة تقلباتها. فلم تضع الكاتبة قطها (الغريب) بطلا شكليا لروايتها الشيقة، قبل أن تدرسه جيدا ومن مختلف الجوانب الظاهرة والخفية.

محمود الرحبي روائي عماني

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی الروایة کان من

إقرأ أيضاً:

«أنا وياسر عرفات».. شهادة صحفية تعيد قراءة سيرة الزعيم الفلسطيني الراحل

صدر في مصر كتاب جديد بعنوان «أنا وياسر عرفات» للكاتب الصحفي المصري أسامة شرشر، يقدم شهادة تجمع بين الذاكرة الصحفية والتوثيق السياسي حول حياة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، المعروف بلقب «أبو عمار»، ومسيرته التي ارتبطت لعقود طويلة بتاريخ القضية الفلسطينية والنضال العربي.

ويأتي صدور الكتاب في مرحلة حساسة تمر بها القضية الفلسطينية، في ظل تحديات سياسية وإنسانية متصاعدة، ليعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ فلسطين الحديث، من خلال رواية تعتمد على شهادات وذكريات مباشرة للكاتب مع الزعيم الفلسطيني الراحل.

ويستند الكتاب إلى سلسلة من اللقاءات والحوارات التي أجراها أسامة شرشر مع ياسر عرفات خلال سنوات من التواصل بينهما، ما يمنح القارئ فرصة للتعرف على جوانب مختلفة من شخصية أبو عمار بعيدًا عن السرد التاريخي التقليدي، ومن خلال رؤية صحفي عايش جزءًا من تجربته السياسية والإنسانية.

ولا يكتفي الكتاب بعرض المحطات العامة في حياة ياسر عرفات، بل يتتبع مراحل متعددة من مسيرته، بداية من تشكل وعيه الوطني والسياسي، مرورًا بفترات الكفاح الفلسطيني والتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، وصولًا إلى المرحلة التي شهدت مفاوضات السلام والتحديات السياسية المعقدة التي أحاطت بدوره.

ويخصص «أنا وياسر عرفات» مساحة واسعة للحديث عن العلاقة بين الزعيم الفلسطيني ومصر، إذ يؤكد مؤلف الكتاب أن القاهرة شكلت محطة محورية في حياة أبو عمار، وأسهمت خلال مراحل مبكرة من حياته في تشكيل رؤيته الوطنية والسياسية وعلاقته بالقضية الفلسطينية.

ويرى أسامة شرشر أن الدور المصري كان حاضرًا بشكل أساسي في مسيرة ياسر عرفات، نظرًا للمكانة التي احتلتها مصر تاريخيًا في دعم القضية الفلسطينية، وكونها إحدى أبرز الدول العربية التي لعبت أدوارًا سياسية في مراحل الصراع المختلفة ومسارات التفاوض.

ويقدم الكتاب قراءة تجمع بين السيرة الشخصية والتاريخ السياسي، حيث يتناول جوانب من شخصية أبو عمار، وطريقة تعامله مع الأحداث الكبرى، ورؤيته للتطورات التي أثرت على مسار القضية الفلسطينية والمنطقة العربية.

كما يناقش الكتاب عددًا من القرارات والمنعطفات السياسية المرتبطة بمسيرة ياسر عرفات، محاولًا وضعها في سياقها التاريخي والإقليمي والدولي، بعيدًا عن تقديم تجربة الزعيم الفلسطيني من زاوية واحدة أو اختزالها في رواية منفردة.

ويظهر ياسر عرفات في صفحات الكتاب باعتباره شخصية سياسية تركت أثرًا واسعًا في تاريخ القرن العشرين، إذ ارتبط اسمه بمراحل طويلة من النضال الفلسطيني، وبأحداث سياسية شكلت مسار الصراع العربي الإسرائيلي لعقود.

ويأتي إصدار «أنا وياسر عرفات» ضمن محاولات توثيق الذاكرة السياسية العربية عبر شهادات شخصيات صحفية وإعلامية اقتربت من القادة وصناع القرار، حيث لا يقدم الكتاب مجرد سيرة شخصية لأبو عمار، بل يسعى إلى قراءة مرحلة كاملة من تاريخ فلسطين والمنطقة من خلال علاقة صحفي مصري بأحد أبرز رموز القضية الفلسطينية.

ويطرح الكتاب تساؤلات حول كيفية قراءة تجربة ياسر عرفات بعد سنوات من رحيله، خصوصًا في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية والعالم العربي، مقدمًا شهادات وذكريات تسلط الضوء على شخصية أبو عمار وإرثه السياسي والنضالي.

هذا ويعد ياسر عرفات، الذي توفي عام 2004، من أبرز القادة الفلسطينيين في العصر الحديث، إذ قاد منظمة التحرير الفلسطينية لسنوات طويلة، وكان حاضرًا في العديد من المحطات السياسية والعسكرية التي شكلت تاريخ القضية الفلسطينية.

كما لعبت مصر دورًا محوريًا في مختلف مراحل القضية الفلسطينية، سواء عبر الدعم السياسي أو المشاركة في مسارات التفاوض والسلام.

مقالات مشابهة

  • الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
  • شوقي غريب: رحيل مصطفى شوبير وإمام عاشور سيؤثر على الأهلي.. وزيزو أمام فرصة لاستعادة مستواه
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • حكيم يحتفل بذكرى ثورة 23 يوليو : مستقبل مصر يُبنى بسواعد أبنائها
  • ميسرة بكور: إيران تقف وراء التصعيد المرتبط بالحوثيين وفق قراءة تطورات المنطق
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • تطوير النظام الإحصائي في الإمارات.. كيف تعزز البيانات الجديدة دقة قراءة الاقتصاد؟
  • «أنا وياسر عرفات».. شهادة صحفية تعيد قراءة سيرة الزعيم الفلسطيني الراحل
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية