د. ثروت إمبابي يكتب: نحو الاكتفاء الذاتي من القمح باستخدام التكنولوجيا الحديثة
تاريخ النشر: 4th, August 2025 GMT
في عالم يموج بالأزمات المناخية والاقتصادية والصراعات الجيوسياسية، لم تعد قضية الاكتفاء الذاتي من القمح مجرد ملف زراعي، بل تحولت إلى قضية أمن قومي ترتبط بشكل مباشر باستقرار الدول واستقلال قرارها. ومصر، التي كانت لعقود طويلة ضمن أكبر مستوردي القمح عالميًا، بدأت الآن تتحرك بثبات نحو تحقيق اكتفاء ذاتي تدريجي، مستندة في ذلك إلى أدوات التكنولوجيا الحديثة، وإعادة هيكلة منظومة الزراعة والتخزين والإنتاج وفق أسس علمية وعملية مستدامة.
لقد شهدت السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في حجم المساحات المنزرعة بالقمح، حيث بلغ إجمالي ما تمت زراعته في موسم 2024/2025 حوالي 3.6 مليون فدان، بزيادة واضحة عن الأعوام السابقة، وذلك بفضل السياسات التوسعية التي تبنتها الدولة في الأراضي الجديدة، خاصة في مشروع مستقبل مصر والدلتا الجديدة. هذه الجهود أثمرت عن تحقيق توريد محلي بلغ نحو 3.9 مليون طن، وهو ما يمثل أكثر من 55% من حجم الاستهلاك المحلي السنوي، وهي خطوة مهمة على طريق تقليل الاعتماد على الخارج.
لكن هذا التقدم لم يكن ممكنًا لولا توظيف أدوات التكنولوجيا الزراعية بشكل ممنهج. فقد ساعدت التقاوي المحسّنة وراثيًا، المقاومة للأمراض والمتحملة للجفاف، في زيادة الإنتاجية، كما ساهمت تقنيات الزراعة الذكية، مثل الاستشعار عن بعد والطائرات بدون طيار، في مراقبة نمو المحصول والتدخل السريع في حالات الخطر، فضلًا عن التحول إلى نظم الري الحديثة التي حسّنت كفاءة استخدام المياه، وهو ما يمثل عاملًا حاسمًا في نجاح زراعة القمح في بيئات مناخية ومائية صعبة.
ومع نمو الإنتاج، أدركت الدولة أن الحصاد وحده لا يكفي، وأن إدارة ما بعد الحصاد تُعد جزءًا أساسيًا في معادلة الاكتفاء الذاتي. ولهذا، تم تطوير منظومة التخزين بالكامل، حيث تم إنشاء صوامع معدنية حديثة مجهزة بأنظمة تبريد وتحكم في الرطوبة، مما خفّض نسبة الفاقد إلى أقل من 5%، مقارنة بنسب كانت تصل إلى 15% أو أكثر في السابق. كما ساعدت الرقمنة في تتبع عمليات التوريد والتخزين، وضمان الشفافية وتيسير وصول الدعم للمزارعين المستحقين، ما زاد من معدل المشاركة في منظومة التوريد الرسمية.
هذا التكامل بين التوسع الأفقي في الزراعة والتطور الرأسي في الإدارة والتخزين، رافقه دعم سياسي واقتصادي واضح، تمثل في رفع سعر توريد القمح المحلي بما يضمن هامش ربح مشجع للفلاح، وتكثيف الإرشاد الزراعي لنقل نتائج الأبحاث من المعامل إلى الحقول. كما أن الوعي المجتمعي بدور القمح في تحقيق الأمن الغذائي بدأ يتنامى، خاصة في ظل أزمات الغذاء العالمية التي أكدت أن من لا يزرع لا يملك قراره.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن المؤشرات الحالية تبشّر بإمكانية الوصول إلى اكتفاء ذاتي شبه كامل من القمح بحلول عام 2030، إذا ما تم الحفاظ على نفس وتيرة التوسع والإنتاج، حيث من المتوقع أن تتجاوز المساحات المنزرعة 4.5 مليون فدان، وأن يصل إجمالي الإنتاج المحلي إلى أكثر من 7 ملايين طن سنويًا، بما يغطي ما بين 80 إلى 90% من الاحتياج المحلي. ولتحقيق هذه الرؤية الطموحة، يجب أن تستمر الدولة في دعم مسارات الابتكار البحثي، وذلك من خلال تأسيس منصات بحثية تطبيقية تربط بين الجامعات والمراكز البحثية ووزارة الزراعة، وتركز على استنباط أصناف أكثر تحملاً للمناخ المتطرف والملوحة.
كما يُوصى بإطلاق برنامج وطني للتجارب الحقلية الموسعة بمشاركة المزارعين، لاختبار واعتماد أحدث تقنيات الزراعة الذكية، إلى جانب إنشاء بنك معلومات وطني للقمح، يشمل بيانات دقيقة عن الإنتاج والتخزين والأسعار، يُستخدم لدعم القرار الزراعي. ومن المهم أيضًا إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي والنماذج المناخية في التنبؤ بالإنتاج وتوجيه السياسات الزراعية، فضلًا عن تشجيع البحوث الاقتصادية التي تحلل سلوك المزارع وتوجهاته تجاه التوريد والتوسع.
إن طريق الاكتفاء الذاتي من القمح ليس سهلًا، لكنه ليس مستحيلًا. فالمعادلة أصبحت واضحة: الاستثمار في البحث والتقنية والبنية التحتية يقود إلى إنتاج آمن، والإنتاج الآمن يقود إلى سيادة غذائية واقتصاد مستقر. ومصر، بتاريخها الزراعي الطويل وإرادتها السياسية الراهنة، تملك من الإمكانيات ما يؤهلها لقيادة المنطقة في تحقيق هذا النموذج، الذي لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة حتمية في عالم لا يرحم من لا يملك غذاءه.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الصراعات الجيوسياسية الاكتفاء الذاتي من القمح التكنولوجيا الحديثة الاکتفاء الذاتی من القمح
إقرأ أيضاً:
«الزراعة» تصدر أكثر من 800 ترخيص تشغيل لأنشطة الإنتاج الحيواني والداجني
أعلنت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي ممثلة في قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة عن إصدار نحو807 ترخيص تشغيل ما بين تجديد وأول مرة لكافة أنشطة ومشروعات الثروة الحيوانية والعلفية والداجنة ومراكز تجميع الألبان، خلال شهر نوفمبر الجاري.
يأتي ذلك وفقا لتقرير تلقاه علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي من الدكتور طارق سليمان رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة حول أبرز أنشطة القطاع خلال شهر نوفمبر الحالى.
وقال رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة، إن ذلك يأتي في ضوء توجيهات علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، والمهندس مصطفى الصياد نائب وزير الزراعة بتذليل كافة العقبات مع الالتزام بالضوابط والمعايير، ضمن جهود الدولة لتيسير إجراءات تراخيص تشغيل أنشطة ومشروعات الثروة الحيوانية والداجنة والعلفية مع الالتزام بكافة معايير الأمن والأمان الحيوي، وتسهيل تسجيل مخاليط الأعلاف طبقا للضوابط والمعايير القياسية، مع تقديم كافة أوجه الدعم للوصول لأفضل معدلات أداء، والعمل على تشجيع التصدير وزيادة الصادرات.
وأكد «سليمان» إنه تم خلال نوفمبر الجاري، إصدار نحو (807 ترخيص تشغيل) ما بين تجديد وأول مرة لكافة أنشطة ومشروعات الثروة الحيوانية والعلفية والداجنة ومراكز تجميع الألبان، من بينهم 156 تصريح مزاولة نشاط تربية ماشية للمربي الصغير مع الإلتزام بكافة ضوابط واشتراطات الأمن والأمان الحيوي داخل وحول تلك الأنشطة والمشروعات.
وأشار إلى أنه تم الموافقة أيضا على تسجيل 579 تسجيلة لمخاليط الأعلاف وإضافاتها ومركزاتها منهم عدد 326 تسجيلة محلية، و 253 تسجيلة مستوردة، وفقاً للمعايير والضوابط العلمية والمواصفات القياسية، ذلك بالإضافة الى إصدار 48 موافقات فنية لإقامة مشروعات ثروة داجنة جديدة طبقاً لمعايير وإشتراطات البعد الوقائي والأمان الحيوي في الظهير الصحراوي.
وأضاف رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة، أنه تم أيضا تقديم الدعم الفني وإجراء وعمل تجارب التجانس، بمشاركة المركز الإقليمي للأغذية والأعلاف ومديريات الزراعة المختصة على عدد 24 مصنع أعلاف بعدد 42 وحدة خط إنتاج أعلاف «دواجن - مواشي - أسماك» تمهيداً لإصدار تراخيص تشغيل إنتاج أعلاف مطابقة للمواصفات القياسية تحقق أعلى معدلات أداء سواء للدواجن أو للمواشي أو للأسماك بعدد من محافظات الجمهورية المختلفه، لافتا إلى أنه تم الإشراف أيضا على إعدام شحنة بكمية 3000 لتر إضافات أعلاف مرفوضة وغير مطابقة للمواصفات القياسية المستوردة على أساسها وذلك من خلال لجان ممثلة لكافة الجهات المختصة ومنع تداولها في السوق المحلي.
وشدد على استمرار التنسيق مع كافة الجهات الرقابية المختصة والمعنية وشن حملات تفتيش مكثفة ومفاجئة على مصانع ومخازن الأعلاف وخاماتها على مستوى جميع محافظات الجمهورية للكشف عن أي عمليات تخزين أو حجب للسلع بهدف زيادة الأسعار، وكذلك الاستوثاق من طرح أعلاف بالسوق المحلي طبقاً للتسجيلات المعتمده من وزارة الزراعه والمصنعه بمصانع مرخصة من وزارة الزراعة، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية الرادعة حيال المخالفات والمخالفين.
وأكد سليمان، استمرار ضخ كميات من بيض المائدة بمشاركة الصندوق المركزى لتنمية الثروة الحيوانية بالأراضى المستصلحة من خلال عدة منافذ تسويقية متحركة بأسعار أقل عن مثيلاتها في الاسواق بنسبة تخفيض تتراوح من (20- 25%)، ذلك بالإضافة إلى المشاركة في القافلة التنموية الزراعية الشاملة لدعم المزارعين والمربين والتي بدأ تدشينها بمحافظة المنيا والمزمع تعميمها بجميع محافظات الجمهورية تحت شعار «معاك في الغيط.. معا نحصد الخير»، بتقديم حزمة متكاملة من الخدمات والإرشادات الزراعية للمزارعين والمربيين مع تقديم ندوات إرشادية وزيارات ميدانية لمزارع إنتاج حيواني وداجني، بالإضافة إلى طرح كميات من بيض المائدة من خلال 3 منافذ تسويقية متحركة للمواطنين بأسعار مخفضة.
وقال إنه تم تكثيف الدور التوعوى والإرشادي بالتنسيق مع الإدارة المركزية للإرشاد الزراعي ومعهد بحوث الإنتاج الحيواني ومعهد بحوث الصحة الحيوانية والمركز الإقليمي للأغذية والأعلاف من خلال تنظيم عدد (10) ندوات إرشادية في عدد (5) محافظات: الشرقية، القليوبية، الغربية، الدقهلية، وبنى سويف، وكذلك ورش العمل التطبيقية والعملية بالمزرعة لتعريف صغار المربيين بفنون ومهارات تربية وتغذية ورعاية قطعانهم لتحسين معدلات الأداء وزيادة العائد الاقتصادي.
وأكد سليمان أنه يجرى أيضا متابعة رؤوس الماشية لدى المستفيدين من المشروع القومي للبتلو وتقديم كافة أوجه الدعم الفني على أرض الواقع بمشاركة مديريات الزراعة والطب البيطري بكافة المحافظات، مشيرا إلى انه تم الموافقة على تصدير أعلاف أسماك وإضافات أعلاف ومصنعات دواجن ودواجن مجمدة (سمان - بط - حمام - رومي) إلى بعض الدول العربية والأجنبية.
وأضاف انه تم تعميم التقدم للحصول على تراخيص تشغيل مميكنة لأنشطة ومشروعات الثروة الحيوانية والداجنة والعلفية من خلال المنصات الرقمية، والتي تشمل الصفحة الرسمية للوزارة، ومنصة مصر الرقمية، فضلا عن تطبيقات التليفون المحمول فيما يخص الخدمات الحكومية، وذلك تيسيراً وتبسيطاً لإجراءات تقديم الطلبات وإستخراج التراخيص والخدمات التي يقدمها القطاع إلكترونياً فى سهولة ويسر وفى أسرع وقت.
اقرأ أيضاًوزير الزراعة يستعرض جهود «بحوث الصحراء» لتعزيز إنتاج الزيتون في سيناء والساحل الشمالي الغربي
الزراعة: المشروع القومي لإحياء البتلو ساهم في تحقيق طفرة في إنتاج مصر من اللحوم والألبان