في ذكرى الرحيل| رضوى عاشور.. صوت المقاومة والحرية
تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT
تعود ذكرى رحيل الكاتبة والروائية المصرية رضوى عاشور لتستحضر معها حضورًا فكريًا وإنسانيًا استثنائيًا ظل حيًا في ذاكرة الثقافة العربية، فبعد أعوام على غيابها، ما زالت أعمالها تحقّق انتشارًا واسعًا، ويواصل قرّاؤها الجدد اكتشاف عالمها الذي جمع بين شغف النضال وعمق الإبداع، وبين الوعي السياسي الحاد والرؤية الأدبية ذات الحساسية العالية تجاه الإنسان والقضية والذاكرة.
ولدت رضوى عاشور في القاهرة عام 1946، ونشأت في بيئة ثقافية تعددت فيها الأصوات الفنية والفكرية، فوالدها هو الرسام المعروف حسين عاشور، ووالدتها الشاعرة مي عزمي، الأمر الذي شكّل خلفية مبكرة لشغفها باللغة والجماليات.
التحقت بكلية الآداب جامعة القاهرة لدراسة الأدب الإنجليزي، لتبدأ بعدها رحلة علمية مهمة توّجتها بالحصول على الدكتوراه من جامعة ماساتشوستس في الولايات المتحدة، حيث انشغل مشروعها الأكاديمي بدراسة الأدب الأفروأميركي وحركات التحرر.
لكن رضوى لم تكن مجرد أكاديمية، بل كانت مثقفة عضوية بمعنى الكلمة، فكان حضورها السياسي موازيًا لحضورها الأدبي، انخرطت في القضايا الوطنية والقومية، ودافعت عن الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الفلسطينيين، وشاركت في الاحتجاجات والفاعليات الثقافية والحركات الطلابية.
ولأنها كانت ترى أن المثقف الحقيقي هو «ضمير المجتمع»، لم تتردد في إعلان مواقفها حتى لو كلّفتها عناء المواجهة، وقد دفعها هذا الالتزام إلى أن تصبح إحدى أهم الأصوات النسوية التقدمية في العالم العربي.
تميّزت تجربة رضوى عاشور بقدرتها على جعل الأدب شكلًا من أشكال المقاومة، ليس فقط على مستوى المحتوى، بل على مستوى البنية السردية نفسها.
وقدّمت عبر أعمالها قراءةً مختلفة للتاريخ، تستعيد فيها المسكوت عنه، وتمنح البطولة للفئات المهمشة والمقهورة.
ومن أبرز أعمالها “ثلاثية غرناطة”، التي تُعد إحدى أعظم الروايات العربية في العقود الأخيرة، حيث قدمت من خلالها ملحمة إنسانية عن سقوط الأندلس ومعاناة أهلها، مستخدمة التاريخ مرآةً لفهم واقع عربي يعيد إنتاج القمع والاقتلاع.
وفي «الطنطورية»، قدّمت واحدة من أكثر الروايات قربًا من روح الإنسان العربي، عبر صوت فتاة جنوبية لبنانية تعيش الحرب الأهلية والاجتياحات الإسرائيلية.
كانت الرواية شهادة بقدر ما كانت موقفًا، ومرافعة أدبية مفتوحة ضد الحروب والديكتاتورية والعنف.
كما أن «أطياف» و«قطعة من أوروبا» و«فرج» تكمل ملامح مشروعها الذي لا يفصل بين السياسي والإنساني، ولا بين الفرد والمجتمع، فقد آمنت رضوى أن الرواية يمكنها أن تكشف الحقيقة مثلما يكشفها التاريخ، وأنها قد تقول ما يعجز عنه الخطاب السياسي المباشر.
رغم حضورها السياسي الواضح، تميّزت كتابات رضوى بحساسية إنسانية عالية، حيث منحت أبطال رواياتها صوتًا عميقًا، واقتربت من الداخل الإنساني بصدق شديد.
لغتها هادئة، شفافة، لكنها مشحونة بطاقة وجدانية تجعل القارئ جزءًا من الحكاية.
كانت ترى أن الكتابة فعل حب، وفعل مقاومة في الوقت ذاته، وأن الرواية لا تكتمل إلا إذا لامست «قلب القارئ قبل عقله».
لم تكن رضوى عاشور بمعزل عن تجربتها الذاتية، بل جعلت من حياتها جزءًا من سردياتها، ففي كتابها المميز «أثقل من رضوى» قدّمت شهادة مؤثرة عن رحلتها مع المرض، مكاشفةً نفسها وقرّاءها بجرأة لافتة.
كان الكتاب أقرب إلى سيرة ذاتية روحية، تقاوم فيها الألم، وتتمسك بالحياة، وتؤكد أن الإنسان قادر على الصمود مهما اشتدت العتمة.
قدّمت رضوى عاشور أحد أهم الأصوات النسوية العربية، ليس عبر خطاب شعاراتي، بل عبر سرد يضع المرأة في مركز التاريخ، ويمنحها قدرة وقوة، ويرصد معاناتها اليومية داخل البنى الاجتماعية والسياسية.
في أعمالها لا تظهر المرأة كضحية فقط، بل بوصفها فاعلًا، مقاومة، وقادرة على إعادة تعريف مصيرها.
تجربتها كمثقفة وزوجة للفلسطيني الشاعر مريد البرغوثي أثرت كثيرًا في كتاباتها، وسمحت لها بالاقتراب من القضية الفلسطينية من موقع إنساني وفكري عميق، فقد جمعتها بمريد علاقة نضالية وأدبية، نتج عنها تفاعل إبداعي مشترك، وترك أثرًا في مشروع كل منهما.
اليوم، وبعد سنوات على رحيلها في نوفمبر 2014، لا تزال رضوى عاشور حاضرة بقوة، تُدرّس أعمالها في جامعات عربية وعالمية، وتُناقَش أطروحات أكاديمية عن مشروعها، ويواصل القرّاء تداول مقولاتها التي أصبحت جزءًا من وعي جيل كامل.
ربما تكمن قوة رضوى في أنها لم تكتب لتُرضي أحدًا، بل كتبت لأنها آمنت بأن الأدب «أوسع من أن يكون ترفًا»، وأنه أداة لتحرير الوعي، كتبت لتقاوم، لتشهد، ولتقول الحقيقة، لذلك لم تتشيخ أعمالها، ولم تفقد راهنيتها، لأنها ابنة اللحظة والذاكرة معًا.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: رضوى عاشور ذاكرة الثقافة حقوق الفلسطينيين ثلاثية غرناطة الطنطورية رضوى عاشور
إقرأ أيضاً:
بن حبتور: اليمن يحيي ذكرى الاستقلال ويجدد موقفه في مواجهة الاحتلال ودعم المقاومة
صنعاء|يمانيون
أكد عضو المجلس السياسي الأعلى الدكتور عبد العزيز بن حبتور في كلمته أمام الحشود الجماهيرية في ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء، خلال مليونية (التحرير خيارنا.. والمحتل إلى زوال) في عيد الجلاء الـ30 من نوفمبر، إن اليمنيين يستعيدون في هذه المناسبة لحظة خروج آخر جندي بريطاني من البلاد قبل 58 عامًا، مؤكدًا أن روح التحرر لا تزال حاضرة في وعي الشعب اليمني.
ووجّه بن حبتور باسم الجماهير الغفيرة التهاني لقائد الثورة عبد الملك بدر الدين الحوثي، ولرئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط، وللقيادات في مجلسي النواب والشورى والحكومة، مشيدًا بالحضور الجماهيري الكبير الذي ملأ ساحة السبعين في هذه الذكرى الوطنية.
وأكد أن الجماهير اليمنية التي خرجت اليوم هي ذاتها التي واصلت على مدى عامين كاملين التضامن مع الشعب الفلسطيني، ومع محور المقاومة في غزة ولبنان وسوريا والعراق وإيران، مشيرًا إلى أن اليمن أصبح جزءًا أصيلًا من هذا المحور.
وحيّا بن حبتور قوات الجيش والأمن والمخابرات، مثنيًا على جهودهم في الدفاع عن الوطن وعلى التطور النوعي في القدرات الصاروخية والطيران المسيّر، الذي وصل إلى “قلب الكيان الصهيوني”.
وفي كلمته، شدّد بن حبتور على أن اليمن يقاتل من أجل تحرير أراضيه من “الاحتلال السعودي الجديد” و”مشايخ الإمارات” الذين يحتلون ويسطون على أجزاء من المحافظات والجزر اليمنية، مؤكدًا أن الشعب مستعد للدفاع عن كل شبر من أرضه.
كما وجّه رسالة إلى من وصفهم بـ”العناصر الخائنة المتعاونة مع الاحتلال السعودي والإماراتي”، مذكّرًا إياهم بأن الخونة في لحظة الاستقلال قبل 58 عامًا رحلوا مع المستعمر البريطاني، وأن مصير المتعاونين اليوم لن يختلف عن مصير من سبقهم.
ووجه التحية لأسر الشهداء والمجاهدين الذين بذلوا دماءهم دفاعًا عن اليمن، مؤكدًا أن اليمن “وُجد ليبقى”، وأن الشعب سيظل وفيًا لقضاياه الوطنية وفي مقدمتها دعم صمود الفلسطينيين حتى طرد آخر جندي من جنود العدو الإسرائيلي من أرض فلسطين.