في لحظة تستحق الاحتفاء، تُتوَّج الكاتبة المصرية سلوى بكر بجائزة «البريكس» الدولية المرموقة، لتضيف محطة جديدة إلى مسيرتها الأدبية التي امتدت لعقود، وتكرّس حضورها واحدًا من أهم الأصوات الروائية النسوية في العالم العربي، فوز بكر ليس مجرد تكريم مستحق لكاتبة لها حضورها الواضح، بل هو احتفاء برؤية أدبية ومشروع سردي كامل انشغل طويلاً بالهامش، وبالإنسان العادي، وبالأسئلة الكبرى حول الحرية والعدالة والذاكرة والهوية.

مسيرة بدأت من الواقع.. وذهبت أبعد من الخيال

وُلدت سلوى بكر في القاهرة عام 1949، ودرست المسرح والصحافة، قبل أن تبدأ رحلتها في عالم الأدب عبر جملة من الأعمال التي جمعت بين قوة الملاحظة ورهافة الرواية الفنية، اشتغلت في بداياتها كصحافية وناقدة مسرحية، وهو ما انعكس بوضوح على تكوين شخصيتها الإبداعية: وعي اجتماعي حاد، وقدرة على رصد التفاصيل الصغيرة داخل البنية الكبرى للمجتمع.

ظهرت بكر في زمن كان الأدب النسوي العربي يبحث عن هوية جديدة، فكانت واحدة من القليلات اللاتي قدمن مشروعًا مختلفًا: أدب ينطلق من التاريخ، من الشارع، من الحارة، من العوالم المنسية، وينسج صورًا شديدة الإنسانية لأبطال لا نسمع أصواتهم إلا في كتاباتها.

أدب يلتقط الهامش.. ويعيد تعريفه

ارتبط اسم سلوى بكر على مدى سنوات بروايات ومجموعات قصصية شكلت علامات مثل: «زينات في جنازة الرئيس»، «البشموري»، «كوكو سودان كباشي»، «من خبر الهناء والشفاء»، «نونة الشعنونة».

وفي كل هذه الأعمال نلمس الخيط الأساسي الذي يمر عبر مشروعها الإبداعي: إعادة الاعتبار لصوت المهمشين؛ سواء كانوا نساءً، فقراء، مساجين، مسنّين، أصحاب مهن بائدة، أو حتى مجموعات منسية في التاريخ المصري.

بكُتُبها كانت تفكك صورة المجتمع المصري عبر شخصيات واقعية، ذات معاناة ملموسة، لكنها تمتلك من القوة الداخلية ما يجعلها أيقونات سردية تقاوم القهر والظلم، وتخلق عالمًا خاصًا بها. لقد منحت بكر للمرأة تحديدًا مساحة جديدة، ليس بوصفها ضحية فقط، بل باعتبارها فاعلًا تاريخيًا وثقافيًا.

«البريكس».. لحظة دولية لكاتبة محلية الجذور عالمية الرؤية

جائزة «البريكس» تُعد واحدة من الجوائز الأدبية الدولية التي تركز على الأعمال ذات الأثر الثقافي والإنساني الواسع، وتمنح عادة للكتّاب الذين يعكسون في أعمالهم رؤى إنسانية عابرة للحدود، فوز سلوى بكر يدخلها إلى دائرة الاعتراف العالمي الأوسع، ويضع الأدب العربي عمومًا، والمصري خصوصًا، على خريطة جديدة من الاهتمام الدولي.

يُجمع النقاد على أن حصول بكر على الجائزة لم يكن مفاجئًا، بل نتيجة تراكم طويل من العمل الجاد والكتابة المخلصة، فقد استطاعت طوال سنوات أن تحافظ على خط إبداعي ثابت، متسق، له بصمته المميزة التي تجمع بين الخيال والتاريخ والواقع الاجتماعي.

براعة في السرد.. واقتراب من روح الناس

تنتمي لغة سلوى بكر إلى المدرسة التي تمزج بين البلاغة والتقشف التعبيري، حيث لا مكان للزخرفة المفتعلة ولا للإفراط اللغوي، لغتها صافية، مرنة، مرتكزة إلى نبرة إنسانية خافتة لكنها مؤثرة، تعتمد على التخييل الشعبي، وعلى التراث المصري والعربي، وتدمج بين التاريخي واليومي، بين الشخصي والجماعي.

ولعل ما يميّز كتابتها هو قدرتها على منح البطولة لغير الأبطال، وتحويل التفاصيل الهامشية إلى وقائع روائية كبرى، وإعادة قراءة التاريخ من زوايا غير مألوفة.

اعتراف عالمي.. ومسؤولية جديدة

فوز بكر بهذه الجائزة يعيد التذكير بحقيقة مهمة: أن الأدب العربي، حين يكون صادقًا ومجددًا ومتصالحًا مع جذوره، يصبح قادرًا على الوصول إلى العالمية دون التنازل عن هويته، ومن هنا، يرى كثير من النقاد أن هذه الجائزة لا تُحسب لسلوى بكر وحدها، بل للأدب المصري والعربي بأكمله.

كما تُلقي الجائزة على الكاتبة مسؤولية مضاعفة، فهي الآن أمام جمهور عالمي جديد سيقرأ أعمالها بعين مختلفة، ويتفاعل مع شخوصها وقضاياها، ويكتشف من خلالها جزءًا آخر من الواقع المصري والعربي.

تواصل سلوى بكر اليوم حضورها الثقافي عبر الكتابة والمشاركة في الندوات والملتقيات الفكرية، وتحتفظ بقدرة استثنائية على مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية، دون أن تفقد حساسيتها الفنية.

ومع فوزها بجائزة «البريكس»، تفتح صفحة جديدة في مسيرتها، تعزز قيمة الأدب الذي ينتصر للإنسان، ويمتح من الواقع لكنه لا يستسلم له.

طباعة شارك الكاتبة المصرية سلوى بكر جائزة «البريكس الأدب النسوي زينات في جنازة الرئيس

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: جائزة البريكس الأدب النسوي سلوى بکر

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • بلجيكا تفوز على كرواتيا بهدفين وديا استعدادا للفراعنة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟