كيف انتهى الحكم العماني في شرق أفريقيا؟ كتاب يجيب (1من2)
تاريخ النشر: 16th, September 2024 GMT
الكتاب: "كيف انتهى الحكم العماني في شرق أفريقيا؟ زنجبار أندلس أفريقيا المفقود، دراسة وثائقية"
الكاتب: صالح محروس محمد محمد
الناشر: مؤسسة الانتشار العربي، الإمارات، 2023م
عدد الصفحات: 208
حظيت زنجبار بمكانة خاصة في المحيط الهندي، حيث تتميز بموقع استراتيجي، وتعد محطة تجارية مهمة في طريق التجارة بين الشرق والغرب، وزادت أهميتها بعد حفر قناة السويس بالإضافة إلى ما تتمتع به من ثراء في الثروة الطبيعية خاصة المحاصيل الزراعية مثل القرنفل، وجوز الهند.
يسأل محروس في دراسته الوثائقية عن الكيفية التي انتهى بها الحكم العماني في شرق أفريقيا" أندلس أفريقيا المفقود؟، وحجم المؤامرة الدولية للوجود العربي العماني في شرق إفريقيا الذي استمر بشكل رسمي حوالي ثلاثمائة عام، والعلاقات التجارية الممتدة منذ آلاف السنيين حيث تكشف أسباب هذه المؤامرة، وتفاصيل أحداثها، وكذلك الموقف البريطاني، والإسرائيلي، والأمريكي، والعربي من تلك الأحداث، وكذلك الآثار التي خلفها هذا الغزو الأجنبي على شرق أفريقيا عموماً (خاصةً زنجبار). فكيف انتهى الحكم العماني لشرق أفريقيا؟ وكيف سقطت سلطنة زنجبار، والحكومة الشرعية بها في يناير 1964م، هذه الإشكالية حاول الكتاب معالجتها وكشف الغموض الذي اكتنفها والمغالطات التاريخية التي لحقت بها.
أسهمت بريطانيا بشكل مباشر في أحداث الغزو الأجنبي 12 يناير عام 1964 عن طريق مساعدة المتمردين بتسريح مسؤول الشرطة البريطاني لرجال الشرطة، وأخذ مفاتيح مخازن السلاح من العدد القليل من رجال الشرطة التي كانت موجودة، ورفض التدخل في زنجبار لمساعدة السلطان سواء منها أو من دول شرق أفريقيا، وعندما تمرد الجيش في كل من تنجانيقا وأوغندا وكينيا سارعت القوات البريطانية التي كانت موجودة في كينيا بقمع هذه التمردات بسرعة، مما يوضح الدور البريطاني المتعاون مع الإسرائيلي لتحقيق هدف واحد وهو القضاء على الحكم العربي في زنجبار.
بين محروس في دراسته عوامل نهاية الحكم العُماني، التي كان لبريطانيا الدور الأكبر في ذلك خاصة صناعة الطائفية في مجتمع كان مسالما لا يعرفها قط، وكيف اجتمعت قوى داخلية مثل حزب الأفروشيرازي، الذي أنشأته بريطانيا، وحزب الأمة مع قوى خارجية مثل نيريري واسرائيل ليصنعوا العنف في جزيرة زنجبار التي عاش أهلها في سلام على مدار عدة قرون في ظل الحكم العماني.
ما حدث في زنجبار ليس ثورة شعبية بل هو انقلاب لأن منفذيه لم يكونوا زنجباريين فقائد الانقلاب جون أوكيلو أوغندي الأصل، قاد حركة عنصرية موجهة ضد العنصر العربي، انقلاب عسكري دون مشاركة الشعب صاحب السيادة، انقلاب باركته ودعمته كل من بريطانيا وإسرائيل والحركة الشيوعية..قدم لهذا الكتاب السفير العماني بالقاهرة/ عبد الله بن ناصر الرحبي فيقول: "بدأت علاقات عُمان بشرق إفريقيا في شكل علاقات تجارية لتفوق عمان البحري في المحيط الهندي، تبعها الهجرات العمانية إلى شرق إفريقيا مثل هجرة النباهة وبني الحارث، وبني الجلندي وفق الظروف السياسية في عمان. ثم كان الدور العماني التاريخي الذي قامت به أسرة اليعاربة في طرد البرتغاليين من شرق إفريقيا".
حمل الباب الأول من دراسة الكاتب عنوان: الوجود العماني في شرق أفريقيا، والتكالب الاستعماري، وتطرق فيه للوجود العربي في شرق أفريقيا، والتكالب الاستعماري الأوروبي على الإمبراطورية العمانية في شرق أفريقيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
زنجبار اسم يطلق على مجموعة جزر تابعة لتنزانيا في شرق إفريقيا، أهمها زنجبار وبمبا "الجزيرة الخضراء، وتقع في غرب المحيط الهندي، ثاني أكبر جزيرة به بعد جزيرة مدغشقر، وزنجبار معناها ساحل الزنج، ويمتد تاريخ زنجبار في أعماق التاريخ فالمرحلة الأولى حملت اسم ساحل الزنج ولم يشهد خلالها قيام دولة سياسية موحدة، أعظم دولة ظهرت فيها هي دولة الزنج، وعاصمتها كلوه، بالإضافة إلى عدد من الإمارات الإسلامية، وكان لكل إمارة أمير يدافع عن استقلالها السياسي والاقتصادي، وعنها يقول الكاتب: "كانت حضارات هذه الإمارات تفوق حضارة البرتغال نفسها في بداية القرن السادس عشر". (ص25)
أما المرحلة الثانية من تاريخ ساحل الزنج فهي مرحلة استعمار البرتغال لهذا الساحل لأهميته الاقتصادية، ووقوعه في طريق التجارة بين الشرق والغرب والانتقام من المسلمين، الذين حكموا شبه جزيرة أيبريا، والاتصال بمملكة القس يوحنا، المسيحية بالحبشة للتحالف معها ضد الوجود الإسلامي في مدن ساحل شرق إفريقيا، ودولة المماليك في مصر.. (ص27).
فعليا يرجع اتصال العرب الأوائل بساحل شرق إفريقيا إلى عدة قرون قبل الميلاد، وكانت هجرتهم بغرض التجارة، ليس الاستيطان واختلطوا بالأفارقة عن طريق الزواج، فكان العرب أقدم الأمم اتصالاً بالجماعات البشرية المقيمة على سواحلها قبل غيرها، وكان هذا مقصوراً على التبادل التجاري، وتصريف منتجات سكان إفريقيا الشرقية في شتى الأسواق، وربط المنطقة بأهم مصادر الإنتاج العالمي في الشرق الأقصى، في بلاد البحر الأبيض المتوسط أي أن النشاط التجاري كان على أساس العلاقات التي كانت بين العرب عُمان وشرق افريقيا.(ص28)
يقول الكاتب عن أسباب التوجه البحري العماني: "طوال السواحل العمانية، واحتوائها على عدد كبير من الموانئ الصالحة للملاحة خاصة صحار ومسقط، وأعطت تلك الموانئ لأهلها دور الوساطة في المناطق التي تقع على جانبيها بين سواحل شرق إفريقيا، وسواحل المحيط الهندي، والخليج العربي"، بالإضافة للعامل البشري المهم في قوة العلاقة بين العرب وشرق افريقيا، التي تتمثل في تفوق العرب بالأخص عرب عمان في ركوب البحر حيث أنهم عرفوا الانتقال عبر المحيط الهندي بحدوده المترامية، مما قوى العلاقة الاقتصادية بين الطرفين .
لعل أبعد الهجرات الإسلامية أثراً في تاريخ المسلمين بشرق إفريقيا تلك الهجرات التي أتت من شيراز في القرن العاشر الميلادي، واستقرت في القسم الجنوبي من الساحل، أو ما يقابل تنجانيقا ( تنزانيا)، وأسست دولة سواحيلية عرفت باسم (دولة الزنج) على يد علي بن الحسين الشيرازي الذي أنشأ مدينة كلوه، على أن الدور الأعظم في نشر الإسلام في شرق إفريقيا كان على يد السيد سعيد بن السلطان، الذي اتخذ من زنجبار مقراً لحكمه لعُمان وزنجبار معاً، وأخذت السلطنة في الاتساع، والشهرة العالمية، وانتشر الإسلام في عهده من الساحل إلى الداخل مع حركة القوافل التجارية (ص35).
على الرغم من الدور العماني الواضح في نشر الإسلام في شرق إفريقيا، وزنجبار لم ينتشر المذهب الإباضي، وهو مذهب أل بو سعيد بشكل واسع، والسبب أن الحكام البو سعيديين كانوا يقدمون المصالح التجارية على الشؤون السياسية والدينية، وظل المذهب الشافعي سائداً بين مسلمي شرق إفريقيا.
ذاع صيت زنجبار في العالم آنذاك، وأصبحت ذات شهرة عالمية في عهده حيث سعت الدول الأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية؛ لإقامة علاقات اقتصادية وسياسة مع السلطنة العربية الإفريقية الآسيوية في عهد السيد سعيد بن سلطان، فكانت زنجبار أولى الدول العربية التي عقدت معاهدة رسمية مع الولايات المتحدة الأمريكية عام1833م، وأقامت قنصلية لها عام 1835م تولى أعمالها التاجر الأمريكي ريتشارد ولترز".. المصالح الأمريكية في شرق إفريقيا تتمثل في كونها مصدراً للرقيق الذي أخذته للعمل في مزارع القطن، وسعت للتجارة مع زنجبار للحصول على العاج، وتوريد الأسلحة، وبيعها في شرق إفريقيا" (ص42).
قامت بريطانيا بدور فاعل في تفتيت أوصال الإمبراطورية العمانية في شرق إفريقيا، فكانت ترمي إلى تثبيت سلطنة مسقط لزنجبار، بل إنها كانت تعترض أية محاولة من جانب زنجبار لضم مسقط، وأي محاولة من جانب مسقط لضم زنجبار.
يقول الكاتب: "الحقيقة أن إنجلترا كانت تعمل على تقسيم السلطنة العربية العمانية حتى تتمكن من السيطرة عليها بسهولة، وأتتها الفرصة عقب وفاة السيد سعيد حيث تم تقسيم السلطنة إلى قسمين الأول في مسقط يحكمه ثويني، والثاني في زنجبار يحكمه ماجد ولقد رفض السيد ثويني مبدأ التقسيم مؤكداً أنه هو الذي يجب أن تؤول إليه شرعاً، باعتباره الأبن الأكبر"، فتدخلت بريطانيا، وأصدرت قرار التحكيم الذي أصدره كاتنج حاكم الهند البريطاني عام 1861م، الذي قضى بإقامة سلطتين منفصلتين إحداهما في مسقط، وتتبعها عمان وملحقاتها في الخليج العربي، والثانية في زنجبار وتتبعها المستعمرات العربية على ساحل إفريقيا الشرقية (ص 44).
يرجع اتصال العرب الأوائل بساحل شرق إفريقيا إلى عدة قرون قبل الميلاد، وكانت هجرتهم بغرض التجارة، ليس الاستيطان واختلطوا بالأفارقة عن طريق الزواج، فكان العرب أقدم الأمم اتصالاً بالجماعات البشرية المقيمة على سواحلها قبل غيرها، وكان هذا مقصوراً على التبادل التجاري، وتصريف منتجات سكان إفريقيا الشرقية في شتى الأسواق، وربط المنطقة بأهم مصادر الإنتاج العالمي في الشرق الأقصىزادت الأهمية الاستراتيجية لزنجبار عام 1840م، كونها محطة مهمة في طريق التجارة بين الشرق والغرب، ومستودع للمواد الخام الآتية من إفريقيا، وزادت أهميتها بعد حفر قناة السويس عام 1869م، حيث أصبحت هناك حاجة لمحطات تخدم الملاحة في الطريق للهند، والأهمية الزراعية لزنجبار حيث أنها تتمتع بخصوبة التربة وتمركز زراعة القرنفل، فهي تنتج 80% من الإنتاج العالمي، على كل تم تقسيم ممتلكات زنجبار بين ألمانيا وبريطانيا عام 1886م، اعترفت فيها ألمانيا وبريطانيا بسيادة السلطان على جزر زنجبار، وبمبا، ولامو ومافيا، ومنح الحماية الألمانية على سلطنة ويتو وممرها إلى البحر على خليج ماندا، وتقسيم الأراضي الواقعة بين نهري روفوما وتانا بما فيها مقديشو على أنها منطقتي نفوذ ألمانية وبريطانية، ومن ثم حصلت بريطانيا على كينيا وأسمتها إفريقيا الشرقية البريطانية، وأخذت ألمانيا تنجانيقا وفقد السلطان معظم أملاكه. (ص55).
استعرض الكاتب في الباب الثاني أسباب المؤامرة الدولية على إنهاء الوجود العماني في زنجبار12 يناير عام 1964م، والمساعي البريطانية لإنهاء الوجود العربي في زنجبار، ورغبة إسرائيل في إنهاء الحكم العربي الإسلامي في زنجبار، والتوجه الإسرائيلي لشرق أفريقيا.
إن ما حصل في زنجبار في صباح الأحد الثاني عشر من شهر يناير 1964م، من قتل موجه وتشريد ضد العرب دفع النازحين للفرار إلى الدول العربية تاركين موطنهم زنجبار، وألقي الكثير منهم في البحر واعتقل الكثير لمجرد أنه عربي، وبالأخص عرب عمان، وكان كل ذلك رغبة بريطانية لإنهاء الوجود العربي في زنجبار، فما حدث في زنجبار ليس ثورة شعبية بل هو انقلاب لأن منفذيه لم يكونوا زنجباريين فقائد الانقلاب جون أوكيلو أوغندي الأصل، قاد حركة عنصرية موجهة ضد العنصر العربي، انقلاب عسكري دون مشاركة الشعب صاحب السيادة، انقلاب باركته ودعمته كل من بريطانيا وإسرائيل والحركة الشيوعية.. ص66.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير كتب الكتاب الإمارات نشر الإمارات كتاب عرض نشر كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة إفریقیا الشرقیة فی شرق إفریقیا المحیط الهندی الحکم العمانی الإسلام فی العربی فی فی زنجبار التی کان عن طریق
إقرأ أيضاً:
كيف أسهم الجدل الديني في تونس الحديثة في بناء وعي إصلاحي؟ قراءة في كتاب
الكتاب: فتحي القاسميالكاتب: الجدل الديني في تونس وتزاحم الأضداد
الناشر: المؤسسة المغاربية للطباعة والمثاقفة والتوثيق، ط1 تونس 2024
عدد الصفحات: 744 صفحة
1 ـ الجدل بوصفه عنصرًا مُؤسِّسًا للفكر الإصلاحي التونسي
يطرح الباحث مجال الجدل في الثقافة التونسية بصفته أحد العناصر المؤسِّسة للفكر الإصلاحي في البلاد خلال القرنين التاسع عشر وبداية العشرين. فيشير إلى أنه يرد مندمجًا في سياق اجتماعي وسياسي وفكري مضطرب شهد تجدّدًا في تصوّرات العلماء، مع نشوء مؤسسات تعلّمية وجمعيات أدبية وظهور وعي إصلاحي متقدّم. فقد ترسّخ تقليد طويل في المباحثة والمناظرة ظهر في الجامع الأعظم وامتدّ في المجال الثقافي الأوسع، فيه اعتمد العلماء نصوصًا من المنطق والكلام والأصول وتقعيدات الجدل. وتولّد عن ذلك رصيد ضخم من المؤلفات الحجاجية التي صنعت وجدان النخبة التونسية وأكّدت موقع الجدل داخل الحياة الفكرية.
تجربة الجدل الديني ما زالت تحمل إمكانات متعددة للبحث في الهوية والتحولات الثقافية. ويرى أنّ تجميع مواد الجدل وتحقيق مخطوطاته وتحليل مناظراته سيسمح ببناء رؤية أوضح لمسار الفكر التونسي الحديث من شأنها أن توسع فهمنا لطبيعة العلاقة بين الدين والمجتمع في سياق يواجه تحديات معاصرة.ويرصد في مقدّمة أثره، السياق الذي أحاط بالمجادلين التونسيين خلال فترة الحماية الفرنسية وأثّر بعمق في طبيعة الجدل وفي موضوعاته وأساليبه. ذلك أنّ النخبة واجهت خطابات استعمارية متعدّدة التجليات جعلت عدد من العلماء والمثقفين يهبون للدفاع عن الهوية واستعادة القدرة على بناء وعي نقدي يقوم على حجاج عقلاني. فتشكّلت إرادة واضحة لتقوية القدرة على الاستدلال والتحليل. تم تثبيت منطق المخاطبة العقلية في مواجهة الإملاءات السياسية والإيديولوجية. فالصراع لم يكن عابرًا، لأنّ المجادلين سعوا إلى إظهار تماسك الهوية التونسية في لحظة توتّرها الشديد.
2 ـ إشكالية الكتاب ومنهجه في دراسة الجدل الديني (1875 ـ 1931)
تتمثل إشكالية هذا الأثر، وهو في الأصل أطروحة دكتورا دولة، في استكشاف حدود الجدل الديني في تونس ومجالاته وآلياته خلال الفترة الممتدة بين 1875 و1931. فيحاول تتبع طبيعة الخلفيات النظرية، ومصادر الشرعية الحجاجية، وطرائق بناء الخطاب الجدالي، وصولا إلى ضبط علاقته بالتحوّلات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها البلاد. ويعمل ضمن منظور يوازن بين التحليل التاريخي والدرس المفهومي. فيؤكّد المؤلف أنّ تحليل هذا الجدل يقتضي العودة إلى جذوره في الثقافة الإسلامية، ومتابعة صيرورته في تونس ضمن شروط محلية خاصة في الآن نفسه. ويشير في المقدّمة إلى أنّ الجدل شكّل أداة لمقاومة التعصب الفكري ومواجهة التسلط السياسي وأنّ دراسة هذا الرصيد تساعد على فهم تركيب الهوية الثقافية التونسية الحديثة، لأنّه شكّل جزءًا مؤثرًا في كيفية بناء الوعي الوطني.
وللتبسط في طرح هذه الإشكالية يعتمد المؤلف منهجًا وصفيًا تحليليًا يقوم على قراءة النصوص الجدالية في سياق إنتاجها. فيسعى إلى تفكيك بنيتها الحجاجية وطرحها ضمن أطرها الاجتماعية والسياسية. ويشير إلى أنّ هذا المنهج يستفيد من الدرس التاريخي والأنثروبولوجي ودراسة الخطاب، ويقارن النصوص التونسية بنماذج عربية وأوروبية لفهم ميكانيزمات صناعة الحجاج في مرحلة غلب عليها التفاعل الفكري وأسهم في توسيع آفاق المجادلة داخل البلاد.
وتخلص المقدّمة إلى أنّ المشروع الجدلي التونسي لم يكتمل بسبب ضغط الظروف السياسية وضيق الحريات ومحدودية المؤسسات الفكرية. غير أنّه ترك أثرًا كبيرًا في الوجدان الثقافي وفي مسار تشكل الفكر الإصلاحي. وتمكّن بعض العلماء من ترسيخ خطاب يقوم على الاستدلال والتخاطب العقلاني، مما هيّأ لظهور حركية نقدية لاحقة. ومن خلال هذا التراكم اكتسب الجدل موقعًا مميزًا في ثقافة التونسيين، وأصبح مجالًا غنيًا للبحث الأكاديمي المعاصر.
3 ـ الأصول المفهومية والمنهجية للجدل داخل التراث الإسلامي
قدّم فتحي القاسمي رصدًا واسعًا لبنية الجدل الديني وموقعه داخل التراث الإسلامي والعربي، ويحلّل عميقا أصوله المنهجية وأدواره المعرفية والاجتماعية. فقد تبيّن الباحث أنّ الجدل نشأ داخل محيط تثقله التحولات الفكرية والفقهية التي رافقت نشوء العلوم الإسلامية في القرن الثاني للهجرة، عندما أخذ المتكلمون والأصوليون والفلاسفة يبنون منظومة حجاجية معقدة واستندوا إلى معايير صارمة في صياغة السؤال والجواب وتحديد شروط المسألة.
وتتبع جذور اللفظة في اللغة والفلسفة والمنقولات الدينية، فرصد المعاني الأساسية التي تراكمت عبر النص القرآني والحديث والمصنفات المبكرة. فتؤكد النماذج التي درسها أنّ الجدل أحدث أداة فاعلة في الدفاع عن العقائد في وجه الخصوم، وأنه مثّل وسيلة تعليمية تهدف إلى تثبيت الدقة الفكرية وإشاعة منهج الاستدلال في صفوف المتعلمين.
وأبرز أنّ النظريات المتصلة بفنّ الجدل تشكّلت تدريجيًا عبر تراكمات واسعة ظهرت في مؤلفات كبار العلماء، من أمثال طاش كبري زاده والزركشي والغزالي والآمدي. وقد لاحظ المؤلف أنّ تلك النظريات لم تتوقف عند تقعيد آداب المناظرة، بل تجاوزت ذلك إلى بناء تصور شامل للخطاب الجدلي بوصفه ممارسة معرفية ذات ضوابط دقيقة. وأظهر التحليل أنّ المصنفات القديمة أسهمت في تأسيس الوعي بشروط المحاورة ومراتب الاستدلال وأشكال التفريق بين البرهان والجدل والمغالطة. فتلك المتون كانت معروفة داخل الفضاء المغربي، وتناقلها علماء تونس منذ القرن الثالث عشر الميلادي. وهذا ما مهّد لظهور بيئة حجاجية واسعة داخل البلاد.
4 ـ دوافع رسوخ الجدل في التعليم الديني والبيئات العلمية
أما عن الأسباب العميقة التي جعلت الجدل يحتفظ بحضوره داخل الفقه والكلام والتفسير، فتعود إلى الحاجة إلى ضبط الخطاب الديني والدفاع عن العقيدة والمذهب. فشكلت دافعًا رئيسيًا لانتشار المناظرات داخل حلقات الجامع الأعظم وفي المجالس الخاصة. وتكشف الدراسة أنّ المدارس التعليمية في تونس، وعلى رأسها الزيتونة، جعلت من تلك المتون مفاصل أساسية في برامج التعليم. وهذا ما أتاح لتلاميذها فرصة التمرس على قواعد المنهج الجدلي منذ المراحل الأولى للتكوين. ويظهر البحث أنّ حضور المنطق الأرسطي ساعد على إدراك العلاقة بين العبارة والحجّة، وأن هذا التأثير منح الجدل قدرة إضافية على الاستجابة لتحديات الفكر الحديث.
ويؤكد المؤلف أنّ السياق الاجتماعي والسياسي لعب دورًا كبيرًا في تكثيف الحاجة إلى هذا الفن. فقد نشأت مناظرات متشعّبة في فترات متوترة من تاريخ البلاد. فتصاعدت النزاعات المذهبية والفقهية، وتنافس الفاعلون على إثبات حججهم في مسائل العقائد والعبادات والعمران الاجتماعي. وحاصل ذلك أنّ الجدل لم يكن نشاطًا هامشيًا. فقد أصبح مسرحًا يتواجه فيه العلماء حول قضايا محلية ذات امتداد واسع. وتظهر الأمثلة التي جمعها من المخطوطات أنّ الخطاب الجدلي شكّل وسيلة فعالة لضبط الخلافات داخل البيئات العلمية ومنع تمدد العنف الفكري. ويؤكد الكتاب أنّ هذا التراث النظري كوّن قاعدة صلبة ستظهر آثارها في القرون اللاحقة، وخاصة في القرن التاسع عشر حين دخلت البلاد مرحلة احتكاك واسع بالفكر الأوروبي.
5 ـ الجدل في تونس الحديثة ودوره في تجديد التفكير الديني
يربط الباحث فتحي القاسمي مسار الجدل داخل تونس الحديثة بالتحولات الكبرى التي شهدها المجتمع منذ منتصف القرن التاسع عشر. فيشير إلى أنّ الجدل اكتسب وظائف جديدة داخل بيئة اتجهت إلى إصلاح المؤسسات التعليمية وتنظيم القضاء وتطوير الإدارة والانفتاح على الفكر الأوروبي. وبرز داخل هذا السياق عدد من المجادلين الذين سعوا إلى معالجة قضايا تتعلق بالاجتهاد والتقليد والتعليم والمنطق والتصوف وإصلاح المجتمع. وتكشف الدراسة أنّ أعمال هؤلاء لم تكن معزولة عن سياقها وأنها حملت رؤية تهدف إلى تجديد التفكير الديني عبر اعتماد النقد والتحليل ومساءلة الموروث. فلم يقتصر هذا النشاط على العلماء التقليديين، وإنما شمل مثقفين وصحافيين وكتابًا أسهموا في تشكيل مناخ جديد للبحث في المسائل الدينية والفكرية.
وجعل التعليم موضوعا لدراسته. فأبرز أثر النخبة الزيتونية والصادقية في صياغة خطاب جدلي جديد يمزج بين الموروث والعلوم الحديثة. ورصد محطات عدة ظهرت فيها دعوات إصلاحية تستند إلى المنطق وتبشّر بتحرير العقل من الخرافة. وكشف أنّ الحوار بين الزيتونيين والصادقيين أنتج سجالات ثرية تناولت قضايا اللغة والمنهج والتحديث. واعتمد في ذلك على وثائق صحف ومراسلات ومقالات تكشف ذلك التوتر بين التمسك بالتقاليد والسعي إلى التجديد. وأظهر من خلال تحليلها أنّ هذا التوتر لم يحسم في اتجاه واحد، لأنّ كل فريق قدم حججه وفق منطق دقيق يعبّر عن وعي معرفي متقدم.
وتوقف فتحي القاسمي طويلًا عند أثر الصحافة الحديثة. فتبيّن له أنّ الجرائد شكّلت منابر للجدل الديني والفكري، وتحوّلت إلى فضاء للنقد الجريء والمناقشة الهادئة. وتابع ما برز فيها من القضايا، مثل إصلاح القضاء الشرعي، ومسألة تعليم الفتيات، واللغة العربية الفصحى، وطرق تدريس المنطق. ويبيّن الكتاب أنّ كل قضية أثارت موجات من الجدل امتدت داخل المجتمع ودفعت القرّاء إلى التفكير في أسس الإصلاح، وأنّ تلك السجالات أسهمت في توسيع دائرة الوعي وأعادت ترتيب العلاقة بين الدين والمجتمع. وانتهى إلى أنّ الجدل مثّل أداةً لتحريك الأفكار وإعادة تقييم المفاهيم.
6 ـ المثقفون الإصلاحيون ودورهم في توسيع دائرة الجدل
مما أذكى هذا الجدل حضور مثقفين إصلاحيين جمعوا بين المعرفة الدينية والتراث الإنساني، فصاغوا خطابًا ينزع نحو العقل ويعارض الجمود الفكري. من هؤلاء الطاهر الحداد وعبد العزيز الثعالبي وعبد العزيز جاويش والبشير صفر وغيرهم. فقد كان لهم دور كبير في توجيه النقاش نحو قضايا الحرية والمرأة والتعليم والسياسة والهوية. فلم يكن هذا التأثير نتيجة مواقف فردية، بقدر ما كان حاصل انخراط تلك الشخصيات في شبكات واسعة من الحوار والنقاش داخل تونس وخارجها. وهذا ما جعل الخطاب الإصلاحي التونسي يتميز بالجرأة والعمق، وجعل الجدل ـ الذي لم يتخذ شكل صراع مباشر واتجه نحو التفاعل العقلاني القائم على الأدلة والاستدلالات، رغم أنّ بعض السجالات انحرفت عن شروطها بسبب التعصب أو سوء الفهم أو استعمال أساليب لا تلتزم بالضوابط- يساعد في تشكيل بنية فكرية جديدة داخل المجتمع. ويعرض الكتاب قائمة واسعة من القضايا التي شكّلت محور الجدل في تونس في الفترة (1875ـ1931). فقد اتجهت السجالات نحو قضايا الشريعة والاجتهاد والتصوف والطرق والأولياء والمرأة واللغة والتعليم والهوية والعلمنة ومكانة العقل داخل الدين.
مما أذكى هذا الجدل حضور مثقفين إصلاحيين جمعوا بين المعرفة الدينية والتراث الإنساني، فصاغوا خطابًا ينزع نحو العقل ويعارض الجمود الفكري. من هؤلاء الطاهر الحداد وعبد العزيز الثعالبي وعبد العزيز جاويش والبشير صفر وغيرهم.ويكشف المؤلف أنّ كل قضية أعادت تشكيل العلاقة بين التراث والحاضر، وأنّ الجدل منح الفاعلين فرصة لإعادة النظر في المسائل الكبرى التي أثّرت في مصير المجتمع. وقد قام الباحث بجمع نصوص كثيرة من المخطوطات والمجلات والجرائد والرسائل الخاصة. وهذا ما أتاح قراءة تأليفية للبيئة الحجاجية التي ظهرت خلال تلك العقود.
7 ـ البعد الاجتماعي للجدل في قضايا المرأة واللغة والتصوف
ويتضح من تحليل الباحث أنّ القضايا الدينية حملت طابعًا اجتماعيًا واضحًا. فالعلماء ربطوا بين النصوص وواقع الناس. وأسهموا في بروز ملامح خطاب إصلاحي يدعو إلى تحرير الشريعة من الممارسات المتوارثة التي تعيق الفهم السليم. ومثّل قد التصوف والطرق بدورهما موضوعا لهذا الجدل. فكثير من المناظرات دارت حول حدود الولاية وشرعية بعض الممارسات الشعبية. وتبنى بعض العلماء موقفًا نقديًا ينطلق من أساس كلامي ومنطقي، بينما اختار آخرون الدفاع عن هذه التقاليد باعتبارها جزءًا من النظام الاجتماعي. فمثّل هذا التباين بتكوين مادة غنية توضح أشكال التفاعل بين الدين والمجتمع.
وأثارت قضايا المرأة واللغة توترًا كبيرًا داخل المجتمع. فكشفت السجالات حول تعليم الفتيات وحقوق المرأة عن منظومات فكرية مختلفة تسعى إلى تحقيق توازن بين المحافظة والتجديد. وارتبط الحوار حول اللغة العربية بمسائل الهوية فبعض الداعين إلى تحديث المناهج رأوا أنّ إصلاح اللغة شرط لنهضة المجتمع، فيما رأى المحافظون في تلك الدعوات تهديدًا للتراث.
8 ـ خلاصة الكتاب: الجدل ممارسة أصيلة في تشكيل الوعي الإصلاحي
يخلص الباحث إلى أنّ الجدل الديني في تونس شكّل ممارسة فكرية أصيلة داخل الثقافة المحلية، وأسهم في تكوين وعي إصلاحي قادر على مواجهة تحولات العصر. ويرى المؤلف أنّ هذا الجدل قدّم أدوات مهمة في تحليل القضايا الاجتماعية والسياسية، وأسهم في تحرير الفكر من القيود التي فرضتها التقاليد. فوجود بيئة جدلية نشيطة ساعد على إدراك قيمة النقد، وعلى تعزيز القدرة على الحوار بين التيارات المختلفة. ويبلغ الكتاب في هذا المستوى ذروة تحليله. فيجمع بين القراءة التاريخية الواسعة والنظرية الدقيقة لفهم آليات الجدل.
وممّا انتهى إليه المؤلف أنّ التجربة التونسية أثارت نقاشات عميقة وأنّ جدلها مثّل موردًا معرفيًا ثريًا داخل الحركة الإصلاحية، فساعد في كشف حدود الفكر التقليدي، وأتاح للعلماء فرصة للتفاعل مع التجارب الحديثة. فعبّر عن رغبة قوية في تجاوز الانغلاق، وفي تشكيل وعي اجتماعي واعٍ بمشكلات التربية واللغة والسياسة. ومع ذلك لم تصل هذه التجربة إلى بناء مدرسة كاملة للجدل قادرة على تطوير مناهج واضحة في الحوار. فغياب التقاليد الصارمة في إدارة الخلاف حال دون قيام مشروع جدلي منظم، رغم وجود مقومات قوية داخل الجامع الأعظم والمدرسة الصادقية.
وينفتح المبحث على الراهن فيخلص إلى أنّ تجربة الجدل الديني ما زالت تحمل إمكانات متعددة للبحث في الهوية والتحولات الثقافية. ويرى أنّ تجميع مواد الجدل وتحقيق مخطوطاته وتحليل مناظراته سيسمح ببناء رؤية أوضح لمسار الفكر التونسي الحديث من شأنها أن توسع فهمنا لطبيعة العلاقة بين الدين والمجتمع في سياق يواجه تحديات معاصرة.