تبرز المناورات العسكرية التي أجرتها الصين في المياه التايوانية في ديسمبر ـ وهي الأضخم في 3 عقود ـ تزايد خطر انهيار العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. وما قد ينجم عن ذلك غزو كامل لتايوان، ففي العام الماضي، قال مدير المخابرات المركزية الأمريكية وليم ييرنز إن الرئيس الصيني شي جينبنج قد أصدر تعليمات لقواته المسلحة بالاستعداد للغزو بحلول عام 2027.

وليس هذا بالخيار الوحيد للرئيس شي. فبوسعه أن يستعمل سلاح خفر سواحله وجيشه الأضخم بكثير في فرض «حجر صحي» فلا يسمح لشركات الشحن التجارية وشركات الطيران التجارية بالسفر إلى تايوان والخروج منها إلا بشروط الصين. وهذه الاستراتيجية تعكس تحركات بكين في بحر الصين الجنوبي، حيث يحاول خفر سواحلها تأكيد السيطرة على المياه والجزر المرجانية التي تشكل جزءا من الفلبين، وهي حليف للولايات المتحدة بموجب معاهدة.

في حال دفع الصين إلى مواجهة بشأن تايوان، التي تزعم بكين أنها أراض تابعة لها، فسوف يكون على الولايات المتحدة أن ترد ردا حاسما لأن العواقب هائلة، وقد تشمل أزمة اقتصادية عالمية أسوأ كثيرا من صدمة جائحة كوفيد-19.

وفي الوقت الحالي، أمريكا ليست مستعدة.

ولقد خلص تقرير للجنة في مجلس النواب العام الماضي إلى أن «الولايات المتحدة تفتقر إلى خطة طوارئ للتأثيرات الاقتصادية والمالية للصراع» مع الصين.

ولا بد لمعالجة هذا الافتقار إلى الاستعداد أن يكون أولوية للحزبين. ولا بد أن تعمل الإدارة القادمة مع الكونجرس والحكومات الحليفة لوضع خطة متماسكة تحدد بوضوح رؤية للاقتصاد العالمي خلال وبعد الأزمة التي ترتكز على القيادة الاقتصادية الأمريكية.

أوضح التداعيات الاقتصادية تتعلق بأشباه الموصلات. إذ تنتج شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات [Taiwan Semiconductor Manufacturing Company] قرابة 90% من أكثر شرائح الكمبيوتر تقدما في العالم. وفي الوقت الحاضر، يجري تصنيع بعض هذه الرقائق في أريزونا، لكن إنتاج أحدث رقائق الشركة التايوانية لا يزال يتم في تايوان. وتعتمد صناعات كثيرة على هذه الرقائق من السيارات إلى الأجهزة الطبية، ففي حال تعطُّل إنتاج الرقائق التايوانية، قد ينزلق الاقتصاد العالمي إلى ركود عميق. وفي حال وقوع مصانع الشركة التايوانية في أيدي الصين ـ التي تعتمد هي الأخرى على رقائق الشركة ـ فقد تستحوذ بكين على ميزة تنافسية تتعلق أيضا بتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتصبح الشركات المصنعة الأمريكية والأوروبية تحت رحمتها.

ولكن لغزو تايوان أو فرض حجر عليها أهمية اقتصادية لأسباب تتجاوز كثيرا إنتاج أشباه الموصلات. فثمة التزامان يشكلان أساس النظام الاقتصادي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ: الأول هو تحذير أمريكا، في قانون العلاقات مع تايوان لعام 1979، من أن أي تحرك عنيف لتهديد الاستقلال السياسي أو الاقتصادي لتايوان سيكون «مصدر قلق بالغ» للولايات المتحدة. أما الثاني فهو التزام الصين منذ عام 1982 بالسعي إلى تحقيق الوحدة مع تايوان من خلال الوسائل السلمية، وهو ما يصفه الرئيس شي نفسه بأنه جزء من الأساس السياسي للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين.

إذا ما فشلت الولايات المتحدة في الرد على غزو أو حجر، فإن حلفاء لها ـ منهم اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين ـ سيصبحون أكثر عرضة للقهر الاقتصادي في المقابل. وسوف تصبح علاقات أمريكا بأقرب حلفائها موضع تساؤل.

وإذن فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى خطط طوارئ اقتصادية لأي أزمة في تايوان. قد تبدو عقوبات اقتصادية كالتي فرضتها أمريكا على إيران وروسيا ذات جاذبية في ظاهرها، ولكن بسبب دور الصين المركزي في سلاسل التوريد العالمية، فإن جهودا مماثلة تعطل قدرتها على التجارة ستكون بمنزلة هزيمة ذاتية.

والواقع أن من شأن فرض عقوبات شاملة على الصين أن يقوض النظام الاقتصادي الدولي الذي تحتل الولايات المتحدة موقع حمايته. فقد يرفض حلفاء ودول محايدة على السواء التعاون مع نظام عقوبات تقوده أمريكا، نظرا لتكاليف الامتثال الضخمة على اقتصاداتها. وسوف يجد العديد من الأمريكيين أن الارتفاع المحتمل في أسعار سلع استهلاكية أمر غير مقبول.

على قادتنا أن يواجهوا الواقع: لا يمكن تهميش الصين أو طردها من الاقتصاد العالمي. وبدلا من ذلك، تحتاج الولايات المتحدة إلى رؤية إيجابية لكيفية الاستجابة لأزمة تايوان دفاعا عن الاقتصاد العالمي. ومن شأن خطة كهذه أن تتضمن 3 عناصر رئيسية.

خلال أي أزمة في تايوان وبعدها، سوف تصاب الأسواق بحالة ذعر. وسوف يكون على بنك الاحتياطي الفيدرالي أن ينسق مع البنوك المركزية في بلاد أخرى لتوفير السيولة منعا لانهيار مالي عالمي. وللحفاظ على ثقة الشركات في النظام التجاري الدولي، يجدر بالولايات المتحدة وحلفائها إنشاء وتمويل مجلس التعاون الاقتصادي والأمني، يتاح الانضمام إليه لجميع الدول عدا الدول المارقة. ويجمع هذا المجلس بين الدعم المالي للدول الأعضاء وإطار لفرض سياسات تجارية تضرب جذورها في مصالح الأمن القومي الأمريكي.

كما ينبغي أن تعمل واشنطن مع حلفائها على استعادة سريعة للمنتجات الحيوية من الصين إلى الداخل، فقد أصبحت أمريكا ودول أخرى تعتمد على الصين اعتمادا كبيرا، وبخاصة في المكونات الصيدلانية النشطة والطائرات المسيرة. (في سبتمبر، أجاز مجلس النواب قانون الأمن البيولوجي، وهو تشريع يستهدف الانفصال الاستراتيجي عن الصين في مجال التكنولوجيا الحيوية، لكن هذا التشريع تعطل في مجلس الشيوخ).

وللحد من الاعتماد على السلع الاستهلاكية غير الحيوية من الصين ـ من قبيل الأفران والألعاب ـ يجب أن تتبنى الولايات المتحدة نهجا تدريجيا. ومن الممكن أن يوجه نظام التعريفات الجمركية المتزايدة تدريجيا على الواردات الصينية الشركات المصنعة والمستوردين وتجار التجزئة إلى نقل الإنتاج إلى خارج الصين دون التسبب في ضغوط تضخمية مفاجئة ـ على النقيض من النهج الذي اقترحه دونالد ترمب ويتلخص في التهديد بفرض تعريفات جمركية مرتفعة فورا للتفاوض على التنازلات. ولا ينبغي أن تحاول واشنطن توجيه الإنتاج في السلع غير الأساسية. بل يجب عليها بدلا من ذلك أن تعمل على خلق تكافؤ الفرص، والسماح للدول بالتنافس لجذب الإنتاج المنتقل إلى خارج الصين.

ولن يكون تنفيذ هذه الرؤية بالأمر اليسير. فمن المرجح أن تنتقم الصين فيتضمن انتقامها معاقبة الشركات الأجنبية في الصين. ومع ذلك، فإن وضع إطار أمني اقتصادي شامل سيكون أفضل دفاع أمام تهديد تعطيل التجارة والأسواق المالية. ومن أجل الحفاظ على التضامن الدولي، يجب على تحالف تقوده الولايات المتحدة أن يساعد جميع البلاد التي تشكل هدفا للقهر الاقتصادي الصيني.

ولن يكون اكتساب الدعم السياسي للنوع الواجب من الإنفاق بالأمر اليسير. ولعل خطوة أولى معقولة أن تتمثل في عقد جلسات استماع في الكونجرس حول التأثير الاقتصادي لمواجهة بشأن تايوان، على أن يكون الهدف النهائي من هذه الجلسات هو صياغة تشريع يمكن الاستعانة به في حال حدوث أزمة.

مهما تكن الإجابات، على واشنطن أن تعالج هذه الأسئلة قبل حدوث أي شيء. وتذكروا: إذا غزت الصين تايوان أو فرضت عليها حجرا، فهي لن تستهدف بذلك محض دولة جزيرة. ولكنها سوف تكون ساعية إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بالقوة وتقويض الاقتصاد العالمي القائم على القواعد. ودونما خطة جاهزة، فإن أزمة في تايوان سوف تهدد بتقويض أسس الرخاء والأمن الأمريكيين.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الولایات المتحدة الاقتصاد العالمی فی تایوان فی حال

إقرأ أيضاً:

كوبا تتهم الولايات المتحدة بفرض عقاب جماعي على شعبها

اتهم وزير خارجية كوبا برونو رودريغيز بارييا الولايات المتحدة بفرض "عقابا جماعيا" على الشعب الكوبي، في رده على عقوبات أمريكية جديدة استهدفت بلاده.

وقال رودريغيز في قناته على "تلغرام"، الخميس، إن "كل عمل عدواني من حكومة الولايات المتحدة، بما في ذلك الإجراءات التي أعلنها وزير الخارجية اليوم، يظهر أن هدفهم هو فرض عقاب جماعي على الشعب الكوبي بأكمله.. وبات من الصعب عليهم إخفاء نواياهم الرامية إلى خلق أزمة إنسانية".

وأضاف رودريغيز أن هذه العقوبات "هجوم على حق مئات الآلاف من الأشخاص في مختلف دول العالم في الحصول على الرعاية الصحية"، مؤكدا أن واشنطن "تعاقب كوبا لتقديمها مساعدات إنسانية وتضامنية" معترف بها من قبل المجتمع الدولي.

وشملت العقوبات الجديدة إدراج وزير الصحة الكوبي خوسيه أنخيل بورتال ميراندا و9 منظمات، بينها شركتان مرتبطتان بتصدير الخدمات الطبية الكوبية، في قوائم العقوبات الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية.

وخلال الأشهر الماضي، زادت الولايات المتحدة من ضغوطها على كوبا بعد أن وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع العام الجاري مرسوما يسمح بفرض رسوم جمركية على الواردات من الدول التي تزود كوبا بالنفط، وأعلن حالة الطوارئ بحجة ما وصفه بـ"تهديد كوبي للأمن القومي الأمريكي".

مقالات مشابهة

  • ترامب يفرض رسومًا جمركية جديدة على 60 دولة.. الصين والاتحاد الأوروبي ضمن القائمة
  • ترامب: الرئيس الصيني شي جين بينج سيزور الولايات المتحدة في سبتمبر المقبل
  • كوبا تتهم الولايات المتحدة بفرض عقاب جماعي على شعبها
  • ‏ترامب: سداد قيمة أي أضرار تلحق بالسفن باستخدام الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة
  • الولايات المتحدة تفرض عقوبات جديدة على كيانات كوبية
  • كيف تُعيد الولايات المتحدة هندسة اقتصادها العسكري؟
  • بريطانيا ترد على إيران: قواتنا مستعدة لحمايتنا من أية هجمات
  • إيران تستعد.. هل أوشكت الولايات المتحدة على الدخول البري؟
  • الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟
  • انتخاب السفير بن جامع رئيسًا للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة