قبل أن تغلق الصحافة أبوابها.. لماذا تحتاج كل غرفة أخبار إلى محرر شفافية؟
تاريخ النشر: 16th, October 2025 GMT
سلط موقع جورناليزم المتخصص بمواكبة تطورات مهنة الصحافة الضوء على أزمة الثقة المتفاقمة بين الجمهور ووسائل الإعلام، ودعا إلى استحداث منصب "محرر الشفافية" في غرف الأخبار أملا بتجاوز هذه الأزمة.
وأكد الكاتب في الموقع ويتس فيلينغيا أن الشفافية في عرض منهجية العمل الصحفي وتمويله ودور الجمهور فيه تُعد استثمارا في استعادة الثقة والمصداقية الإعلامية، خصوصا في هذا الوقت، حيث أصبح من الصعب التمييز بين الصحفيين والمؤثرين ومحتوى الذكاء الاصطناعي.
واستحضر فيلينغيا تقرير رويترز للأخبار الرقمية 2025 الذي خلص إلى أن 40٪ فقط من الناس يثقون في الأخبار معتبرا أنه بمثابة تهديد وجودي وقال إنه "لعقود من الزمن استجابت الصحافة لأزمات الثقة بادعائها الموضوعية، ولكن من الواضح أن هذا النهج لم يعد كافيا".
الشفافية ليست ترفا بل استثمار أساسي في البقاء وسوى ذلك ستواصل وسائل الإعلام التراجع مع استحواذ المنافسين على الجمهور الذي نفقده
بواسطة ويتس فيلينغيا - صحفي هولندي
وأشار إلى أن الصحافة تتنافس الآن مع المؤثرين والجهات الحكومية والناشطين والمحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، وأن الخطر يكمن فيما وصفه بلعبة التقليد، حيث يقلد المنافسون الأشكال الصحفية دون اعتماد معايير الصحافة. وبالنسبة للجمهور فإن أي شخص يحمل مايكروفونا ويطرح أسئلة يبدو صحفيا سواء أكان ملتزما أم غير ملتزم بمعايير التحرير.
ورأى فيلينغيا -وهو صحفي هولندي ويعمل منسقا للمساءلة الصحفية في مكتب أمين المظالم للمذيعين العامين الهولنديين- أن الحل ليس في تحسين العلاقات العامة أو قيم الإنتاج، بل بالشفافية في طريقة عمل المؤسسات الصحفية، وأكد أن ذلك يتطلب منصبا جديدا ومخصصا في غرفة الأخبار تحت اسم "محرر الشفافية".
وأوضح الكاتب أن الشفافية تعني ببساطة إظهار طريقة العمل والسماح للقراء والمتابعين بالحكم على منطق ومنهجية المؤسسة الإعلامية، وقال: إن الشفافية تتكون من ثلاث ركائز رئيسية تتمثل بالقصة والصحفي والجمهور.
1- ركيزة القصةوتتضمن ركيزة القصة شفافية العملية الصحفية مثل:
إعلان شرح كيفية إعداد التقرير. تحديد الوقت الذي استغرقه الحصول على القصة. الإشارة إلى المصادر التي استندت إليها القصة. الكشف عن المعلومات التي تعذّر التحقق منها والأسئلة التي ظلت دون إجابة. 2- ركيزة الصحفيوتشمل شفافية الصحفي أو صانع القصة والمؤسسة وتجيب على الأسئلة التالية:
من كتب القصة؟ ما هي خبرة الصحفي في الموضوع؟ هل هناك أي صلة شخصية بين الصحفي والقصة؟ من موّل إعداد القصة ودفع راتب الصحفي؟ ما هي رسالة المؤسسة وأهدافها من القصة؟ 3- ركيزة الجمهوروتتناول مشاركة الجمهور ومنحه فكرة عن كيفية المساهمة في القصة مثل:
كيف يمكن للجمهور إضافة معلومات أو إرسال تصحيحات أو الطعن في ادعاءات معينة؟ لماذا تعتبر القصة مهمة للجمهور؟ ما الذي يمكن أن يفعله الجمهور بعد قراءة القصة؟ (في بعض الحالات)وأكد الكاتب أن دور محرر الشفافية ينحصر في ثلاث مسؤوليات أساسية كل منها تعالج فجوة محددة في الممارسة الحالية، وهي:
1- مراقبة الشفافيةوتعني مراجعة القصص قبل نشرها وطرح الأسئلة التي قد يوجهها القراء، إذ يصبح محرر الشفافية مدافعا عن القراء داخل غرفة الأخبار حيث يكتشف الثغرات قبل النشر، ويتأكد من التزام المنهجية في كل أجزاء القصة كأن يضمن وجود تبرير لاستخدام المصدر المجهول وتوفر سياق واضح لكل تصحيح.
2- بناء البنية التحتيةوينطوي على إنشاء أنظمة تجعل تطبيق الشفافية أسهل على الصحفيين لا أصعب، وهذا يعني تطوير قوالب للشفافية في نظام إدارة المحتوى تساعد الصحفي على شرح كيف جمع المعلومات وما الذي جرى تصحيحه ولماذا بدلا من إخفاء الخطأ، بالإضافة إلى إنشاء قوائم مراجعة يستخدمها الصحفيون قبل النشر لضمان أنهم لم ينسوا أي تفاصيل تتعلق بالشفافية.
3- استضافة ورش عمليقول فيلينغيا: إن ورش العمل ستسعى إلى تغيير ثقافة غرفة الأخبار وتدريب الصحفيين وتعزيز فكرة أن إظهار عملهم يقوي سلطتهم، وشرح أثر الشفافية في تبديد الانتقادات من خلال معالجة الأسئلة بشكل استباقي، كما تهدف ورش العمل إلى تدريب المحررين على الأسئلة التي يجب طرحها أثناء مراجعة القصة.
وأشار الكاتب الذي عمل مدربا إعلاميا في جميع أنحاء أوروبا إلى أن كل غرفة أخبار لديها مدونة لأخلاقيات العمل، ولكنْ في كثير من الأحيان تكون مجرد وثيقة تجمع الغبار، مشددا على أن مهمة محرر الشفافية جعل هذه المبادئ مرئية في العمل اليومي.
وأكد أن القراء يقدّرون الصدق بشأن الخيارات الصعبة مثل: لماذا أدرجنا أو حذفنا تفاصيل؟ وكيف وازنّا بين الخصوصية والمصلحة العامة؟ وأضاف أنه "عندما ندعو القراء إلى المشاركة في عملنا فإن ذلك يبني الثقة مع مرور الوقت".
ولكن ماذا عن التكلفة؟ ويرد فيلينغيا على هذا السؤال بالقول: "هل يمكننا تحمل استمرار انخفاض الثقة؟ الوسائل الإعلامية التي لا تستطيع إعادة بناء مصداقيتها ستفقد جمهورها ومعلنيها وأهميتها".
وأكد في ختام مقاله أن الشفافية ليست ترفا بل استثمار أساسي في البقاء، محذرا "من خطر استمرار وسائل الإعلام بالتراجع مع استحواذ المنافسين على الجمهور الذي نفقده".
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات حريات الأسئلة التی
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.