الخبرات النادرة والمعادلة الجديدة في الذكاء الاصطناعي
تاريخ النشر: 4th, March 2025 GMT
تشير الدراسات الاستشرافية إلى أهمية تبني معادلة جديدة في الموازنة بين الذكاء البشري، والذكاء الاصطناعي في عالم الأعمال، ومع التقدم العلمي، واتساع وتعقيد التحديات التي تواجه المؤسسات والاقتصاد والمجتمع، أصبح إدماج الذكاء الاصطناعي ضرورة لا بد منها، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أين ينتهي حدود الخبرات النادرة للعقل البشري لتبدأ أدوار الذكاء الاصطناعي وفق نهج يقوده الإنسان، وتعززه التكنولوجيا؟
إذا عدنا بالذاكرة إلى بداية ظهور الجيل الأول من الذكاء الاصطناعي التوليدي، نجد أن الحوار الفكري قد تركز خلال تلك المرحلة عن تأثيرات هذه التقنيات على ملف التشغيل، وبمعنى أدق، عن إحلال الآلة في بعض الوظائف التي لا تتطلب المهارات الكاملة للعقل البشري، ولكن مجالات النقاش في الوقت الراهن قد تحولت بشكل جذري لتتمحور حول الفرص والتحديات المتمثلة في استخدام الذكاء الاصطناعي لدفع الكفاءة والإنتاجية، وما هي أنجح الطرق للجمع بين الإبداع البشري مع الفهم المناسب لحدود إمكانات التكنولوجيا، وكيفية اكتساب القيمة من توظيف التقنيات المتقدمة، والاستثمار في البيانات والمهارات، وعلى رأس هذه المحاور، يأتي الموضوع الأكثر أهمية؛ وهو المحافظة على الخبرات البشرية النادرة في وسط ضجيج الآلات الذكية.
وهذا يفرض الكثير من التساؤلات؛ فإذا كانت الملامح المثالية للمعادلة الجديدة هي قيادة الإنسان للمهام مع الاستفادة من توظيف التقنيات، فإن الحاجة ملحة لإعادة تعريف معايير ومحددات النجاح في هذا المشهد، هذا بالإضافة إلى معرفة الحدود الفاصلة بين الخبرات العملية والمهنية، والخبرات النادرة، وأين ينتهي حدود هذه الخبرات، وكيف يمكن تعريف دور الذكاء الاصطناعي في ظل وجود الخبرات المفاهيمية، وهل هي ممكنة وداعمة، أو أنها مكررة ولا تتقاطع معها بشكل تكاملي، وكذلك يظهر موضوع التدريب كأحد أهم الموضوعات المرتبطة بهذا الشأن، إذ لا بد من تعريف الموجهات التي تحدد متى تتخذ المؤسسة قرار الاستثمار في تدريب فرق العمل على مهارات وأدوات الذكاء الاصطناعي، ومتى يمكنها إحلال الوظائف والمهام وأتمتها.
ولكن الوضع الراهن في عالم المؤسسات والأعمال لا يزال في وضع المترقب، ويكاد يكون من النادر وجود التوجه الفعلي لإدماج الذكاء الاصطناعي التوليدي في المهام والتخصصات العملية المؤسسية، وذلك رغم أن نماذج اللغة والبرمجيات تتطور بشكل لا يصدق، ويمثل هذا بحد ذاته تحديًا كبيرًا، وتتعد أسباب قلة خوض تجربة إدماج الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل، وإن كان يعود معظمها إلى الحواجز الثقافية التي تحول دون تبني هذه التقنيات، وكذلك الحاجة إلى الوصول لكميات هائلة من البيانات العامة والنوعية، والتي يمكن استخدامها لأغراض التنبؤ، وبناء النماذج، وتحديد الأنماط، وتشمل التحديات كذلك العوامل الفردية المتمثلة في وجود المخاوف من العمل مع التكنولوجيا، والتفاعل مع الآلة، والتحولات العميقة التي سوف ترافق عملية التحول هذه، والتي تتطلب كذلك الكثير من الوقت والجهد لتأصيل الواقع الجديد، وتمكين أنماط العمل الهجين، مع المحافظة على المصداقية المهنية، وخصوصا في الجوانب التي تتطلب الكثير من الموضوعية، وتستند في ذات الوقت إلى الاعتبارات الأخلاقية، مثل تقييم أداء الموظفين الذين يؤدون مهامهم في الواجهة بين الآلة، وبين أقرانهم الذين لا يتعاملون مع التقنيات.
وفي عمق كل هذه المسارات المتقاطعة، تظهر الحاجة الملحة للمحافظة على الخبرات النادرة، التي لا يوجد لها في الواقع تعريف مباشر وبسيط، ففي عالم الأعمال والمؤسسات، هناك خبرات مهنية تكتسب صفة الندرة النسبية، والتي يصعب إحلالها بأدوات وإمكانيات الذكاء الاصطناعي، ولكن المخاطر الحقيقية ليس في هدر هذه الخبرات النادرة، وإنما في صعوبة التعرف إليها، والاستفادة منها، وكذلك في بناء خبرات مناظرة لها بعد أن أصبحت الاتجاهات الرئيسية للرؤى الداعمة لإدماج الذكاء الاصطناعي في الأعمال المؤسسية تؤكد أن تبني هذه التقنيات يعزز الإنتاجية والابتكار، وكذلك يسهم في اتخاذ قرارات تعتمد على البيانات، وكذلك يقلل من التكاليف التشغيلية من خلال الأتمتة، ويسمح للموارد البشرية بالتركيز على الجوانب الإبداعية، والمهام الأكثر استراتيجية، وجميع هذه العوائد قد تؤثر على احتمالية استمرار المؤسسات في الاستثمار في بناء المهارات الفردية النادرة، وهنا تأتي المخاطر ذات المدى الطويل لإدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ مثل تعمق فجوات المعرفة والمهارات بين فرق العمل، والنزوح الوظيفي المحتمل، وغيرها من التحديات التي تتطلب وجود التقييم المسبق، وتحديد الجاهزية الشاملة لتنفيذ التحول الذي يخدم الأهداف المؤسسية بنطاقها الأوسع.
إن إمكانات الذكاء الاصطناعي في عالم المؤسسات والأعمال لا حصر لها، ولكن المعادلة الجديدة لإدماج التقنيات المتقدمة تتطلب تحقيق التوازن النوعي بين توظيف الخبرات النادرة للعقل البشري، والاستفادة القصوى من الذكاء الاصطناعي والأتمتة، مع إيلاء الأهمية لاستبقاء الكفاءات والمعارف والخبرات، وإعادة تدريبها لتزويدها بخبرة الذكاء الاصطناعي، ويجب ألا تشمل مسارات التدريب التركيز على مجموعة المهارات الفنية والتقنية فحسب، بل يجب أن تشمل أيضا التعلم المستمر لتأصيل عقلية وثقافة النمو، والتكيف مع تطور تقنية الذكاء الاصطناعي، وذلك مع تعزيز الفهم العميق لأهداف العمل في ظل التقدم التكنولوجي المتسارع، وأهمية الاستفادة من الخبرات النادرة كمورد استراتيجي للمؤسسة وللعمل، وعلى سبيل المثال، تُعد خوارزميات الذكاء الاصطناعي من أهم الأدوات التحليلية لخلق القيمة من مجموعات البيانات الكبيرة، وذلك لتحديد الأنماط والتنبؤ بالاتجاهات المستقبلية، مما يساعد في التخطيط الاستراتيجي، وتخصيص الموارد، ولكن الاستفادة الفعلية من نتائج هذا التحليل الذي يقوم به الذكاء الاصطناعي لا يكتمل سوى بوجود الخبرات المهنية الرصينة القادرة على قراءة الاتجاهات بالمقارنة مع الأداء السابق للعمل، وبالعودة إلى اعتبارات كثيرة أخرى، وبذلك تكتسب عملية اتخاذ القرار جميع الأبعاد التي من شأنها تحقيق الإنتاجية، مع مراعاة أهمية تجريب وتقييم مسارات تبني النهج المتكامل بين الخبرات النادرة والتقنيات المتقدمة وذلك قبل توسيع نطاق دمجها في العمليات المؤسسية، لضمان الانتقال السلس في سير الأعمال، مع الإدراك بأهمية وضع مسارات موازية للكشف عن الخبرات الفردية النادرة، واستبقائها وتفعيل دور المهارات الرئيسية لهذه الخبرات في عملية التحول نحو النهج المتكامل، فالإنتاجية تتطلب وجود العلاقة التكافلية بين الخبرات وإمكانات الذكاء الاصطناعي.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی فی فی عالم
إقرأ أيضاً:
وزير الري: تطوير منظومة إدارة الموارد المائية بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي
أكد وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم أن تطوير منظومة إدارة الموارد المائية بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والإدارة الذكية، ضمن محاور الجيل الثاني لمنظومة المياه المصرية (2.0)، يضمن وصول المياه إلى المنتفعين بكفاءة ويسر.
كان وزير الموارد المائية والري قد تلقى تقريرا من نائب رئيس مصلحة الري لشئون إدارة المياه المهندسة سناء عبدالرشيد بشأن موقف مشروع تطبيق التوأمة الرقمية لترعة الإسماعيلية وفروعها.
ويتضمن المشروع استخدام أدوات الرصد اللحظي والتحول الرقمي كأداة تقنية تتيح متابعة المناسيب والتصرفات أمام وخلف القناطر والحواجز وأفمام الترع على مدار الساعة، بإجمالي 32 ترعة فرعية آخذة من ترعة الإسماعيلية، وعدد 119 محطة مياه شرب، و20 منشأة صناعية.
ويشمل مكون الإدارة الذكية للمياه، متابعة التطهيرات وحالة المجاري المائية، وإعداد تقارير عن إزالة الحشائش أولًا بأول، وتحليل المقنن المائي للفدان، بما يسهم في ترشيد الاستخدام والوصول لأفضل توزيع ممكن للموارد المائية، وإعداد جدولة ذكية تضمن وصول المياه للنهايات بكفاءة، مع مراعاة الأولويات والطلب الفعلي، مع عمل رصد دقيق للحصص المائية المسحوبة بمحطات الشرب.
وقد وجه الدكتور سويلم بمواصلة أعمال التطوير من خلال توفير أدوات الذكاء الاصطناعي والتوأمة الرقمية والبنية التحتية الرقمية لربط إدارات الري بالقياسات التي يتم رصدها على الطبيعة، والاستمرار في تطوير وتوسعة عدد نقاط الرصد بالتليمترى وربطها بالنموذج الرقمي.
كانت وزارة الري قد بدأت في استخدام "الدرون" لمسح ترعة الإسماعيلية وتحديد المخالفات والتعديات وحالة الجسور، كما يتم تنفيذ تجربة بترعة الإسماعيلية لقياس التصرفات باستخدام الكاميرات وأجهزة الرصد بالليزر لمتابعة ورصد المياه بالترعة كمنطقة تجريبية أولية لتطوير منظومة إدارة وتوزيع المياه في مصر والتحول من استخدام المناسب لاستخدام التصرفات فى إدارة المياه، كما تتم مراجعة كافة التقنيات في هذا المجال لاختيار الأنسب منها لحالة الترع في مصر.
كما طورت الوزارة منظومة قياس التصرفات ورصد المناسيب باستخدام منظومة التليمتري على امتداد ترعة الإسماعيلية تمهيدا لإعداد معادلات للعلاقة بين المنسوب والتصرف على إمتداد ترعة الإسماعيلية.
جدير بالذكر أن التوأمة الرقمية في إدارة الترع وشبكات المياه تتضمن إعداد نسخة رقمية فعالة ودقيقة من الترعة وما يرتبط بها من منشآت وشبكات، بما يعكس الحالة الفعلية لحظة بلحظة، ويحقق محاكاةً للوضع على الطبيعة، بما يدعم منظومة اتخاذ القرار.
تجدر الإشارة إلى أن التوأمة الرقمية تتكون من ثلاثة عناصر رئيسية: البيانات الحية المعتمدة على أجهزة الاستشعار والقياس المتصلة بالترع والمنشآت، والنموذج الهيدروليكي الذي يحاكي سلوك المياه داخل الشبكة بالكامل، والذكاء التشغيلي الذي يقوم بتحويل البيانات إلى مؤشرات وتوصيات وإنذارات مبكرة لدعم متخذي القرار في تحسين إدارة المياه والتشغيل.