الغياب الجماعي للطلاب.. رؤية تربوية ونفسية
تاريخ النشر: 19th, March 2025 GMT
تشكِّل ظاهرة الغياب الجماعي للطلاب، تحدِّيًا تربويًا يتطلب دراسة متعمِّقة لفهم أسبابها وانعكاساتها على العملية التعليمية، حيث أن هذه الظاهرة ليست مجرد غياب فردي متكرر، بل هي مؤشر على وجود مشكلات تربوية واجتماعية وقد تكون نفسية، تؤثر على بيئة التعلم. لذا فإن تحليلها من منظور تربوي ونفسي، قد يساعد على تقديم حلول فعالة للحدِّ منها.
وتعزى أسباب الغياب الجماعي إلى عدة عوامل متداخلة، تتعلق بالبيئة المدرسية، والعوامل النفسية والاجتماعية، ودور الأسرة والمجتمع. ومن أبرز هذه العوامل:
– ضعف الدافعية للتعلم: عندما لا يجد الطالب قيمة حقيقية لما يتعلمه أو لا يرى ارتباطًا واضحًا بين الدراسة ومستقبله، ينخفض حماسه للحضور، وقد يكون ذلك نتيجة لأساليب تدريس تقليدية لا تراعي اهتمامات الطلاب أو لا تحفزهم على المشاركة الفعالة.
– الملل وضعف التفاعل في الصف: البيئة الصفية التي تفتقر إلى التفاعل والنشاط، تؤدي إلى شعور الطلاب بالملل، ممَّا يجعلهم يبحثون عن مبررات للغياب، خاصة عندما لا يشعرون بوجود قيمة مضافة لحضورهم اليومي.
– التأثير الجماعي وضغط الأقران: من الطبيعي أن يتأثر الطالب بسلوك زملائه، فإذا كان الغياب الجماعي منتشرًا بين الطلاب، فقد يجد نفسه مدفوعًا لمجاراة هذا السلوك، سواء لتجنب العزلة أو لمسايرة المجموعة.
– علاقة الطالب أو الطالبة بمعلميهم وإدارة المدرسة: عندما تكون العلاقة بين الطالب والمعلم قائمة على التسلُّط وعدم التفهم، يشعر الطالب بعدم الراحة، ممَّا يدفعه للغياب. وفي المقابل، توفر بيئة داعمة تحترم مشاعر الطلاب وتفهم احتياجاتهم إلى خفض الدافع للغياب.
– دور الأسرة والمجتمع: عدم متابعة الأهل لسلوك أبنائهم فيما يخص الحضور المدرسي، أو التساهل في التغيب، مما يعزز هذه الظاهرة، كما أن بعض الثقافات الاجتماعية قد تشجع ضمنيًا على الغياب الجماعي، خاصة في الفترات التي تسبق العطل أو الاختبارات.
ولا شك أن لهذه الظاهرة تأثيرها على الطلاب، وذلك على النحو التالي:
– تدني مستوى التحصيل الدراسي: الانقطاع المتكرر عن الدروس يؤدي إلى تراجع الأداء الدراسي، حيث يفقد الطالب أو الطالبة الترابط بين المعلومات، ويجد صعوبة في استيعاب الدروس المتتالية.
– اتساع الفجوة بين مستويات الطلاب: الغياب المستمر يخلق تفاوتًا في المستويات التعليمية بين الطلاب، مما يجعل البعض يتأخر عن زملائه، ويؤثر على فرصته في تحقيق النجاح والتفوق.
– الانعكاسات النفسية: يشعر الطلاب الغائبون بالتوتر والقلق عند العودة، خاصة عندما يجدون أنفسهم غير قادرين على مواكبة زملائهم، مما قد يؤثر على ثقتهم بأنفسهم (تدني مستوى مفهوم الذات لديهم).
– تعزيز العادات السلبية: تعود الطالب على الغياب دون مبرر قد يؤثر على التزامه المستقبلي في حياته المهنية، وقد يصبح عدم الالتزام عادة يصعب التخلص منها.
ولكن يمكن للتكنولوجيا والتقنيات الحديثة أن تسهم في الحدّ أو التقليل من آثار الغياب، وذلك من خلال:
– التعلم الإلكتروني: توفير منصات تعليمية تتيح للطلاب متابعة الدروس افتراضيًا في حال الغياب.
– التواصل الفوري: تعزيز التواصل بين المعلمين والطلاب لتذكيرهم بأهمية الحضور وتحفيزهم على الالتزام.
– استخدام البيانات الذكية: تحليل أنماط الغياب وتقديم حلول استباقية لمعالجتها.
وعندما نريد تعزيز ثقافة الانضباط المدرسي لدى الطلبة، فنقول: إن الحدّ من الغياب الجماعي يتطلب تعزيز ثقافة الالتزام من خلال:
– توعية الأسر بأهمية حضور الطلاب: دور الأهل أساسي في غرس قيم الالتزام والانضباط في نفوس أبنائهم.
– تحسين المناهج وطرق التدريس: جعل الدروس أكثر تشويقًا من خلال استراتيجيات تفاعلية تحفز الطلاب على المشاركة والحضور.
– تنظيم حملات توعوية: تسليط الضوء على آثار الغياب وأهميته في تشكيل مستقبل الطالب الدراسيّ والمهنيّ.
– إعادة هيكلة التقويم الدراسي: توزيع فترات الدراسة والإجازات بشكل يخفف من الشعور بالإرهاق ويساعد على الالتزام والحضور.
وقد تستخدم المدرسة بعض الاستراتيجيات التربوية للحد من الغياب الجماعي، وذلك على النحو التالي:
– تعزيز الدافعية الذاتية: ربط التعليم بحياة الطالب العملية والمستقبلية يزيد من اهتمامه بالحضور والمشاركة.
– خلق بيئة تعليمية مشجعة: توفير بيئة صفية تفاعلية تحفز الطلاب على الحضور وتقلل من شعورهم بالملل.
– تفعيل دور الإرشاد الطلابي: دعم الطلاب نفسيًا وتربويًا لمساعدتهم على تجاوز الأسباب التي تدفعهم للغياب.
– إشراك الأسرة في الحلول: تعزيز دور الأسرة في متابعة التزام الأبناء بالحضور المدرسي والتأكيد على أهميته.
– تكريم الطلاب الملتزمين بالحضور: مكافأة الطلاب الذين يلتزمون بالحضور قد يكون دافعًا للآخرين للالتزام بالدوام المدرسي.
وختامًا:
فإن إن معالجة ظاهرة الغياب الجماعي للطلاب، تتطلب تكاتف الجهود بين المدرسة، والأسرة، والمجتمع، ووسائل الإعلام، وخطباء المسجد، خاصة عندما ندرك أن بناء بيئة تعليمية جاذبة، وتعزيز الدافعية الذاتية، وتوظيف التكنولوجيا بفاعلية، جميعها عوامل تسهم في الحدّ من هذه الظاهرة وتعزيز ثقافة الانضباط المدرسي لدى الطلاب.
• أستاذ علم النفس التربوي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
المصدر
المصدر: صحيفة البلاد
كلمات دلالية: الغیاب الجماعی هذه الظاهرة
إقرأ أيضاً:
عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟
طهران – في بلد أنهكته الحروب المتتالية وحصار بحري خانق، يبدو إصدار بيان يحمل عنوان "لا نريد الحرب" وكأنه تحصيل حاصل أو صرخة إنسانية لا تختلف عليها الأصوات، لكن في إيران اليوم يتحول هذا النداء إلى جدل بين معسكر يراه صرخة سلام في زمن الحرب، وآخر يعتبره تبرئة للمعتدي وتطبيعا مع "آلة القتل" الأمريكية والإسرائيلية.
فمنذ أن وقّع 268 ناشطا سياسيا ومسؤولا سابقا بينهم نواب سابقون وأكاديميون قبل أيام، بيانا جاء فيه "السلام نعمة إلهية وحق إنساني. والحد الأدنى للتمتع بالسلام هو الوقف الكامل والنهائي للحرب ووضع حد لأي تهديد أو خطاب كراهية أو دعوة للحرب"، وتأكيده أن "الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني تريد السلام والحق في حياة كريمة"، جاء الرد من الطيف المقابل سريعا وقاسيا.
فقد أصدر 517 أستاذا في جامعة "آزاد" الإسلامية بيانا مضادا وصف الأول بأنه "مغالطة تاريخية" وكتب الموقعون على البيان الثاني "إذا كان هناك قلق حقيقي من الحرب، فإن المخاطَب الأول يجب أن يكون الحكومات التي بدأت الحرب، لا الأمة التي وقعت ضحية العدوان ودافعت عن نفسها. لا أحد يرغب في الحرب، ولكن كما لا نقبل الحرب المفروضة، لن نقبل السلام المفروض".
وفيما يكشف الجدل القائم، وفق مراقبين، أن كلمة "السلام" نفسها لم تعد تحمل معنى واحدا في قاموس السياسة الإيرانية، جالت الجزيرة نت في شوارع طهران وسألت الناس مباشرة: ماذا يعني لكم السلام وسط هذا الجدل النخبوي؟ فكان الانقسام حاضرا، لكن نقطة التقاء واحدة بدت واضحة: لا أحد يريد الحرب ولا أحد يقبل الهزيمة.
في حديقة "دانش" جنوبي العاصمة يقول الموظف المتقاعد حسن (72 عاما) للجزيرة نت "لم أقرأ البيانين بعد، فقط أعرف أننا جميعا منهكون من الحروب. لكن هناك فرقا بين أن تنادي بالسلام وأن تستسلم، إذا كان السلام يعني أن نركع فلا أريده. قاتلت بنفسي في الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 وكنت حينها منهكا ولم نكن نريد الحرب، لكنها فرضت علينا كما فرضت الحروب المتواصلة حتى الآن".
إعلانأما في شارع "جمالزاده" وسط طهران فكانت فرشته (29 عاما)، وهي مصممة غرافيك، أكثر ميلا للبيان الأول لكن بتحفظ. وقالت "أنا مع السلام، وأعتقد أن أي صوت يرفع من أجل إيقاف الحرب هو شجاع"، مؤكدة في حديثها للجزيرة نت أنها تتفهم سبب غضب شريحة من الإيرانيين من الدعوة للسلام. "المشكلة في لهجة البيان، بدا وكأنه يطلب الرحمة من ذئب. لم يذكر أمريكا ولا إسرائيل كونهما الجهة المعتدية، هذا يحزنني لأن السلام لا يعني أن تمسح تاريخك".
في المقابل، كان رجل الدين رضا (49 عاما) من حي "نارمك" شرقي المدينة أكثر حدة حيال الأصوات المنادية بالسلام، حيث قال للجزيرة نت "هذه الدعوة خيانة في زمن الحرب.. تخيل أن جنديا يقف في الجبهة، ويأتيه صوت من الخلف يقول: لا نريد قتالا. هذا يضعف الروح المعنوية لدى القوات المسلحة. موقعو البيان الأول يقولون إنهم يريدون السلام، لكنهم يطعنوننا في الظهر. لماذا لا يوجهون بيانهم إلى ترمب؟".
وفي ساحة "نوبنياد" شمال شرقي طهران تحدثت إلميرا (44 عاما)، وهي مهندسة حوسبة وأم لطفل واحد، للجزيرة نت بنبرة مختلفة، وقالت "لا أفهم كثيرا في السياسة. كل ما أعرفه أن ابني يسألني: هل سنموت جراء هذه الحرب؟ لأننا نعيش في حي يتكرر القصف قريبا منه، ولذلك نضطر لمغادرة طهران كلما احتدم التصعيد.. أريد سلاما يحمي أسرتي ويحفظ كرامة بلادي.. طبعا لا نريد الهزيمة لأن لها رائحة تبقى للأبد في التاريخ. ما نريده هو استغلال الوساطات والتفاعل بإيجابية معها".
ورغم تباين المواقف، كان الجميع تقريبا يكررون جملة واحدة بصيغ مختلفة "لا نريد حربا، لكننا لن نقبل الهزيمة"، وكأن الرأي العام في طهران يحمل في جيناته خوفا غريزيا من "اللطخة السوداء التي قد تلحق بصفحتهم إذا ما سطّر التاريخ أنهم سلّموا للغزاة"، وفق تعبير المتحدثة الأخيرة.
وللخروج من ثنائية الشعارات والبيانات، حاورت الجزيرة نت شخصين من موقعي البيانين. الأول هو الناشط السياسي حميد آصفي أحد الموقعين على بيان "لا نريد الحرب"، الذي بدا حريصا على تفكيك ما اعتبره "سوء فهم متعمد" طال البيان ودوافعه، موضحا أن البيان "وقّعه أناس كانوا جزءا من الحكم، ومارسوا السلطة، ثم خرجوا منها أو أُبعدوا عنها. واليوم يعود هؤلاء ليقولوا: لا نريد الحرب. لماذا؟ لأنهم يرون أن الاستمرار في هذا المسار يعرض البلد لاضطرابات لا تُحمد عقباها".
وفي حديثه للجزيرة نت ينتقل إلى جوهر الرسالة التي حاول البيان إيصالها "نقول لا للحرب ونعم للسلام، لكن سلامنا ليس الاستسلام الذي يروج له الطرف الآخر. سلامنا يبدأ من الداخل بالمصالحة مع الشعب. ثم ينتقل إلى الخارج عبر تعديل السياسة الخارجية".
وتابع "نعتقد أن الإصرار على مبادئ معينة في السياسة الخارجية هو ما أوصلنا إلى هذه المرحلة. ولو كان قد جرى استفتاء حول هذه المبادئ، ربما لم تعد موجودة في سياستنا الخارجية، مضيفا أن هذا الموقف لا يعني تبرئة المعتدي بل ندين الحرب ونقف ضد أي حرب تستهدف بلادنا، لكن نعتقد أن الإصرار على بعض ثوابت السياسة الخارجية هو ما قادنا إلى هذه النقطة".
إعلانثم يطرح مثالا ملموسا "خذ القضية الفلسطينية نموذجا؛ نحن مع الدفاع عن هذه القضية، لكن كما تفعل أي دولة عربية أو إسلامية طبيعية ليس مطلوبا منا أن ندخل في حرب مباشرة مع إسرائيل ولا أن ننشئ مليشيات في دول أخرى من أجلها ولا أن نتكبد كل هذه التكاليف الباهظة. يجب أن تُضبط سياستنا الخارجية وفق مصلحة شعبنا وبلدنا، لا أكثر ولا أقل".
حقيقة جوهرية
وعلى الجانب الآخر، يطرح الأكاديمي محمد ياسر إرشادمنش -أحد الموقعين على البيان المضاد- قراءة تأسيسية للجدل الراهن، يعيد فيها تعريف مفاهيم الحرب والسلام والدفاع في سياق المواجهة مع واشنطن وتل أبيب، فيرى أن المعادلة التي يطرحها المعسكر المقابل بشأن وقف الحرب تغفل حقيقة جوهرية وهي "أن إيران لم تكن البادئة بالحرب"، مشيرا إلى أن الحرب هذه فرضت على بلاده حيث بدأت بتصعيد عسكري أمريكي وإسرائيلي لم يتوقف عند القصف الجوي بل امتد إلى استهداف البنية التحتية والحصار البحري بهدف إخضاع طهران لأجندتهما، على حد قوله.
وفي حديثه للجزيرة نت، يشير إلى أن طهران رغم الحرب المفروضة عليها لم تترك طاولة المفاوضات وقبلت بالوساطات الإقليمية، لكنها اصطدمت بإرادة أمريكية أصرّت على العودة إلى منطق القوة، معتبرا صدور البيان الأول "على ضوء انتهاك واشنطن الاتفاق الإطاري" بأنه محاولة لتحميل الضحية مسؤولية الإصرار على مواصلة الصراع.
وتابع: حين يُطلب من طهران العمل على نزع التوتر والجنوح للسلام وكأنها هي من أشعلت الحرب، بينما تُعفى واشنطن التي بدأت القصف والحصار من أي مساءلة، مضيفا أن استهداف البنية التحتية للطاقة والمواصلات، وإعادة فرض الحصار البحري، ليسا مجرد إجراءات عقابية، بل تهدف إلى إخضاع إيران عبر الحرب الاقتصادية والعسكرية المتزامنة، ما يستدعي موقفا دفاعيا موحدا داخل إيران.
وبرأيه، فإن الفرق شاسع بين مفهومي "السلام المشرّف" و"الصلح تحت الضغط" ذلك لأن الأول يقوم على ردع المعتدي وإجباره على احترام سيادة البلاد، بينما الثاني هو نتاج الضعف والانكسار، ويدعو العدو إلى مزيد من التعدي، محذرا من الاستسلام تحت الضغط لا يؤدي إلى سلام دائم، بل إلى موجات متتالية من الابتزاز.
وفي هذا السياق، يقرأ إرشادمنش التصعيد الأمريكي الأخير كجزء من محاولة لفرض صلح تحت غطاء عسكري، وهو ما ترفضه النخبة التي يمثلها، ويستند في موقفه إلى مرجعيات دينية وتاريخية تؤطر مفهوم الدفاع المشروع، ويخلص إلى أن الجهاد في الفكر الإسلامي ليس عدوانا، بل دفاع عن الأمن والاستقلال والكرامة.
وختاما، لا يبدو أن بيان "لا نريد الحرب" سيغير موازين القوى في إيران نظرا للجدل الذي أعقبه، لكن يرى مراقبون في طهران أنه نجح في شيء واحد بأن النخبة السياسية في إيران تعيش لحظة قلق عميق جراء تطورات الحرب المتواصلة على البلاد؛ ففي بلد يتعرض للقصف والحصار يصبح السلام خيارا باهظا والاستسلام تهمة جاهزة والهزيمة سكينا في خاصرة الكبرياء الوطني.