يبدو توجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية– لوقف إطلاق نار مؤقت في قطاع غزة واضحا أكثر من أي وقت مضى بعدما تمكّن من تأمين مستقبله السياسي إلى حد كبير، وفقا لما يراه محللون ومراقبون.

بعض هؤلاء المحللين، ومن ضمنهم الكاتب والمحلل الإسرائيلي يوآف شتيرن، يرون أن تغير موقف نتنياهو من الحرب هو الذي دفع باتجاه الاتفاق، وهو يعزو هذا التغيير لضمان نتنياهو عدم خسارته الانتخابات المقبلة بعد حربه مع إيران.

"ومن ثم فهو مستعد لوقف الحرب حتى لو كان الثمن حل الحكومة"، لأنه يخشى غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويبحث أيضا عن مزيد من الهدايا السياسية التي قد تتمثل في إنهاء محاكمته وتوسيع اتفاقيات أبراهام.

وكان ترامب الذي يستعد بعد أيام لاستقبال نتنياهو في البيت الأبيض، قد تحدث مؤخرا عن إمكانية التوصل لاتفاق لوقف الحرب خلال الأسبوع المقبل.

ليس ذلك فحسب، بل إن البعض يرى أن نتنياهو يحاول دفع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير لحل الحكومة حتى يحمله مسؤولية الفشل في القضاء على حماس بزعم أنه تسبب في حل الائتلاف قبل الانتهاء من تحقيق أهداف الحرب.

ولعل ما يعزز فرضيات أن تغييرا ما ستشهده منطقة الشرق الأوسط هو تصريحات الخارجية الأميركية الأخيرة، التي قالت فيها إن الشرق الأوسط تغير جذريا وإلى الأبد، وإن ترامب يحاول عدم إضاعة الفرص.

كما أن تغييرا في موقف الحكومة الإسرائيلية تجاه الحرب على غزة يمكن رصده من خلال تأكيدات مسؤول أميركي لـ"فايننشال تايمز" أن وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر -الذي يزور واشنطن حاليا- أبدى استعداد تل أبيب لبحث آلية توزيع المساعدات خلال الهدنة المحتملة وخطوط انسحاب القوات الإسرائيلية دون إنهاء الحرب بشكل كامل.

وفي السياق نفسه، نقل موقع "أكسيوس" عن مصادر أن واشنطن ستدعم تمديد الاتفاق حتى لو لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بعد 60 يوما المقترحة، إذا كانت هناك مفاوضات جادة.

إعلان

وتنسجم كل هذه المواقف مع ما ذكرته شبكة "سي بي إس" الأميركية بأن حكومة نتنياهو تدعم وقف إطلاق النار وليس وقف الحرب تماما، وأنها لم تلتزم بالاتفاق المطروح حتى الآن، رغم إعلان ترامب قبول إسرائيل بالمقترح المطروح، وأنه سيعمل مع الجميع لإنهاء الحرب.

ويبدو أن التغييرات التي شهدتها المنطقة أخيرا، وتوجيه ضربات موجعة لخصوم إسرائيل التقليديين، وتزايد المطالب الدولية بوقف الحرب في قطاع غزة، والتهديد بتجريم إسرائيل، قد فتحت الكثير من النوافذ للتوصل إلى اتفاق، كما يقول الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة.

وإذا لم يلتقط نتنياهو طوق النجاة الذي يمده له ترامب الآن، فإنه سيكون قادرا على العودة للحرب مجددا واتهام حماس بإفشال الهدنة، كما فعل في الهدنة السابقة.

بالنسبة للإسرائيليين، فإنهم لا يعرفون ما الذي سيحدث بعد هدنة 60 يوما لأنه لا شيء تغير عن السابق سوى موقف نتنياهو الذي يتهمه كثيرون بأنه لا يعنيه مقتل الجنود في غزة طالما أن ذلك يخدم مصالحه.

 

 

إعادة تموضع

ومن وجهة نظر كثيرين، فإن حديث ترامب وصدور إشارات إيجابية من جانب إسرائيل بإمكانية التوصل لاتفاق هدنة ليس بالأمر الجديد، بل إنه تكرر مرات عدة بعد فشل الهدنة الأخيرة التي استمرت شهرين، وعادت إسرائيل بعدها لتمعن في إبادة الغزيين قتلا وتجويعا، مما دفع كثيرين لعدم التفاؤل بحدوث الهدنة الوشيكة التي تتحدث عنها واشنطن ويتردد صداها في تل أبيب.

ولا يتردد البعض في اتهام نتنياهو هذه المرة أيضا بالمراوغة وكسب الوقت، وهو الذي تعمد في وقت سابق تسريب حديثه عن أن وجود أسرى إسرائيليين في القطاع هو الشيء الوحيد الذي حال دون محوه تماما، وفق الخبير في الشأن الإسرائيلي مهند جبارين.

ومن هذا المنطلق، يرى مهند جبارين أن نتنياهو لم يتخل عن هدف محو غزة وهو يحاول في سبيل ذلك محو كل الأسباب التي أدت للسابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، "ولعل هذا ما يفسر تمسك نتنياهو بلغة القتال حتى وهو يتحدث عن المفاوضات لأنه لا يريد أيضا الظهور أمام شعبه بمظهر الضعيف أمام الولايات المتحدة التي تحاول توفير مخرج آمن له من غزة".

ولأنه لا أحد يعرف ما الذي يخطط له نتنياهو -يقول جبارين- فإنه يحاول على الأرجح إعادة التموضع خلال الهدنة المرتقبة حتى يمكنه مواصلة العمل على إنهاء حماس بالقوة.

من وجهة نظر عسكرية، فإن العودة للحرب بعد شهرين ستمكن نتنياهو من إعادة ترميم الجيش المنهك في غزة والذي وصل مجددا لمرحلة المراوحة في المكان.

ويقول الخبير العسكري والإستراتيجي إلياس حنا إنه بالنظر إلى الفشل الكبير الذي أظهره الجيش الإسرائيلي خلال الحرب والذي يعود بالأساس للعلاقة المرتبكة بين المؤسستين السياسية والعسكرية، فإن إسرائيل ستبحث الآن عن خروج مشرف من القطاع أو عن صياغة أهداف جديدة للحرب.

ومن المرجح أن تسعى إسرائيل خلال هدنة 60 يوما لاستغلال الذخائر والمعدات العسكرية التي زودتها بها الولايات المتحدة مؤخرا، في ترميم جيشها ووضع إستراتيجية جديدة للحرب.

ورغم الفوارق الإستراتيجية بين رؤيتي رئيس الأركان الحالي إيال زامير ونظيره السابق هرتسي هاليفي لطريقة القتال في غزة، فإن كلا الرجلين لم يتمكن من تحقيق النصر المطلق الذي نادى به نتنياهو، رغم مرور 21 شهرا على الحرب.

إعلان

أما التحدي الأبرز أمام المقاومة الفلسطينية فهو يتمثل في المقدرة على التوصل لاتفاق ينهي الحرب تماما ولا يمنح الاحتلال فرصة التنصل منه، دون أن تتهم بإفشال المفاوضات في وقت يدفع فيه الفلسطينيون ثمن كل ساعة تمر من دمهم.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات

إقرأ أيضاً:

هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو

لا يخرج الحاكم العسكري لبوركينا فاسو الجنرال إبراهيم تراوري من جدل إلا عاد إليه، فمنذ أن قاد هذا الشاب ذو الندبة الغائرة في الخد الأيسر انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوغوداميبا -الذي كان هو الآخر قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب على سلفهما- ظل هذا الجنرال شخصية مثيرة للانقسام ومحط أنظار الداخل والخارج.

ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا العريقة في غرب أفريقيا. التحق بالسلك العسكري عام 2010، وحقق صعودا سريعا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود في 30 سبتمبر/أيلول 2022 انقلابا أطاح بشركيه في الحكم، ليتولى قيادة بوركينا فاسو بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع الرحلات صعودا من صفوف المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم في القارة.

بيد أن تراوري لم يدخل القصر الرئاسي في واغادوغو حاملا مفاتيح سلطة مستقرة، بل ورث بلدا حبيسا غارقا في أزمات متشابكة. ومنذ ذلك الحين، انخرط الجنرال الشاب في حروب ومواجهات متشابكة، لم تتوقف عند جبهة واحدة، بل ظلت تتسع بإضافة ملفات جديدة إلى قائمة الصراعات المفتوحة، بعضها مرتبط بالهوية والتاريخ والأعراق، قبل أن تفرض القضايا الأخيرة نفسها كأكثر محطاته إثارة للجدل.

الحرب الرابعة.. العرب وطلاب الشريعة

وفيما تتعدد الأزمات وتنقطع الطرق أمام الضابط الشاب، يبدو أن العرب ودارسي الشريعة الإسلامية هما هدف الحرب المقبلة للرجل الذي يخوض معارك على أكثر من جبهة دون أن يحرز حتى الآن الاختراق والنصر اللذين بشر بهما في ملفات بلاده الأكثر إلحاحا.

ففي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، فتح تراوري ملفات بالغة الحساسية والتعقيد، تصدرها تاريخ العبودية في الذاكرة الأفريقية، إلى جانب واقع التعليم الديني في بوركينا فاسو، ما أعاد طرح تساؤلات حول توجهاته وأولويات المرحلة المقبلة.

إعلان

وفيما وصفه كثيرون بمغالطة تاريخية كبرى، قال تراوري في 19 يوليو/تموز الجاري، إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكدا أن "آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962″، في تصريحات أعادت إلى الواجهة نقاشا تاريخيا وسياسيا محتدما بشأن تاريخ القارة مع العسف الأوربي.

ولم تقتصر تصريحات تراوري على إعادة قراءة الماضي، بل امتدت إلى إعادة رسم سياسة بلاده تجاه التعليم الديني؛ إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلبة البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والشروع في إعادة نحو 800 طالب يواصلون حاليا دراساتهم الإسلامية في عدد من الدول العربية.

ولوّح بإجراءات غير مسبوقة بحق من يرفضون العودة، محذرا من أن الإصرار على استكمال الدراسة في الخارج قد يعرّضهم لفقدان الجنسية البوركينابية.

وبرر هذه الخطوة -غير المألوفة في البلاد- بقوله إن دارسي الشريعة العائدين من الخارج يحملون معهم، بحسب وصفه، رؤى متشددة وأفكارا مؤدلجة تسعى إلى فرض أجنداتها داخل المجتمع، في حين يفتقرون إلى المهارات المهنية التي يحتاجها سوق العمل، في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة.

لم تمر تصريحات الجنرال تراوري مرور الكرام على مسامع المستعربين الأفارقة، خصوصا ما يتعلق منها باعتبارهم -ضمنا- مشاريع إرهاب، وأن دراستهم في الجامعات العربية لا تفيد بوركينا فاسو.

وقد مثّلت تصريحات تراوري الأخيرة افتتاحا لجبهة رابعة في سلسلة المعارك التي يخوضها منذ وصوله إلى السلطة. وبينما التزمت العواصم العربية الصمت إزاء مزاعمه بشأن تاريخ العرب في أفريقيا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات، إذ عدّها كثيرون مغالطةً تاريخية، تُحمّل العرب وزر حقبة العبودية، فيما تُغفل مسؤولية القوى الغربية عن قرون من تجارة الرقيق والاستعمار في أفريقيا.

ولم يكن الجدل أقل حدة في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأفريقية، ولا سيما بين المستعربين وخريجي الجامعات العربية، الذين رأوا في حديثه عن دارسي العلوم الشرعية والثقافة العربية والإسلامية تشكيكا ضمنيا في مساراتهم العلمية، وتصويرا لهم بوصفهم حواضن محتملة للتطرف، واختزالا لسنوات تحصيلهم في الخارج في أفكار متشددة، مع إنكار ما يمكن أن تقدمه من إسهامات علمية ومعرفية لبلادهم.

وكانت المفارقة أن "الثائر البوركينابي" اختار لغة مستعمره السابق وعدوه الحالي ليتحدث بها عن تاريخ استعباد وهمي، متناسيا تاريخا قريبا من تجارة الرقيق الأفريقي وشحنه عبر السفن الأوروبية إلى منافي الجريمة والألم.

وفيما تتفاقم آثار تصريحات تراوري، سواء فيما يتعلق بضعف مصداقيتها التاريخية، فإنها أيضا متفاقمة في اتجاه الإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد المؤسسات والرموز الإسلامية في بلاده، وشملت حتى الآن:

سن قانون الحريات الدينية، الذي يحد من النشاط الدعوي والتعليمي ويمنع بناء المساجد في المؤسسات العمومية، كما يحظر التعليم الديني في المؤسسات التعليمية العمومية، ويعمل بمختلف مواده على تقوية وتعزيز الطابع العلماني للدولة والنظام. إغلاق أكبر مساجد العاصمة، وسط حالة من القلق والتوجس بشأن مستوى التقييد الأمني والقانوني التي تواجهها المساجد في عموم البلاد في ظل الأوضاع الجديدة. اعتقال كبار علماء البلد وعدد من الشخصيات والشباب الإسلامي وإرسالهم -وفق ما تردد في مواقع التواصل الاجتماعي- إلى معسكرات الجيش حيث لاقوا هنالك كثيرا من الجلد والإهانة والضرب. تهديد الطلاب المستعربين المغتربين في الدول العربية بسحب الجنسية إذا ما عادوا إلى البلاد لأنهم يمثلون خطرا عليها ولا يحملون معارف نافعة للبلاد. وبينما كان تراوري يشدد قبضته في الداخل، كانت رسائل مختلفة تُبعث إلى إسرائيل؛ فقد استقبل رسميا في واغادوغو السفير الإسرائيلي الجديد، سيمون سروسي، لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من الغموض أحاطت بطلب اعتماده. إعلان

فقد كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) أن طلب الاعتماد ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن يحظى بالموافقة بعيدا عن الأضواء.

ويبدو أن هذا الاستقبال العلني وضع حدا لمرحلة الحذر التي أحاط بها تراوري أي تقارب مع إسرائيل، حرصا على عدم المساس بصورته بوصفه قائدا مناهضا للغرب.

غير أن المشهد الجديد يعكس براغماتية متزايدة في إدارة العلاقات الخارجية، في وقت تسعى فيه إسرائيل لتكثيف حضورها الاستخباراتي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من اهتمام دول التحالف بتقنياتها وخبراتها في مجالات الأمن ومكافحة التمرد.

وفيما يتوقع أغلب المراقبين أن تضيق هذه الحرب الخناق على نظام تراوري فمن المتوقع أيضا ألا تكون حربه الأخيرة كما لم تكن الأولى.

الحرب الثالثة.. ثورة على أنقاض الديمقراطية

ليس العرب وتاريخهم في القارة، والرموز الإسلامية وما ارتبط بها من هيبة ومكانة في نفوس مسلمي بوركينا فاسو الجبهة الوحيدة التي يقاتل عليها تراوري، فللديمقراطية أيضا نصيبها من نيران الحرب التي تنطلق باتجاهات متعددة في ذلك البلد الأفريقي الحبيس.

وقد أعلن تراوري بشكل صريح رفضه التام للديمقراطية، حينما خاطب شعبه في فاتح أبريل/نيسان 2025 "لسنا في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية وعلى الجميع فهم ذلك".

ولكي يفهم الجميع ذلك بدأت مسارات التنفيذ الفعلي لتضييق متواصل على الحريات العامة في البلاد، فبعد وصوله إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، أطلق مرحلة انتقالية ممتدة لـ5 سنوات، قبل أن يصدر في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما بحل الأحزاب السياسية، بدعوى أن تكاثر الأحزاب أفضى إلى انحرافات، عززت الانقسام بين المواطنين وهشّشت النسيج الاجتماعي.

وفي الشهور اللاحقة شنت الحكومة حملة شعواء على الجمعيات والمنظمات الأهلية، أسفرت عن حل وتعليق 929 منها، بشبه وتهم منها عدم تجديد الهيئات أو التجسس أو شبهات تمويل الإرهاب وفقا للمبررات الحكومية.

ولم تكن المنظمات الطلابية بمنأى عن هذه الحرب العوان، حيث تم حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده للتضييق على الحريات في البلاد.

الحرب الثانية.. إبراهيم تراوري في مواجهة فرنسا

تمثل فرنسا إحدى الكلمات المفتاحية في خطابات "ثوار" منطقة الساحل، حيث تتوجه إليها سهام النقد والتهديد، خصوصا أن تاريخها الأفريقي كان استعماريا، نهب الثروات وأهان الشعوب.

ولم يخف تراوري منذ أيامه الأولى عداوته لباريس، غير أن مسار التوتر وصل نهايته في يونيو/حزيران 2026 حين أعلن قطع علاقات بلاده بفرنسا متهما باريس بأنها تضمر طموحات استعمارية جديدة تتجلى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين "الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد".

ولأن فرنسا بثقافتها وتاريخها أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الأفريقية، فقد كان المجلس العسكري في بوركينا فاسو حريصا على تحقيق مناط العلاقة المقطوعة، معتبرا في بيانه أن قرار القطع "يتعلق حصرا بالإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على المستوى الدبلوماسي، ولا يشكك بأي حال من الأحوال في الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين".

وفيما تزداد مشاعر الكراهية لفرنسا في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل خصوصا، وتتحول إلى ورقة يانصيب في أيدي الحكام الشباب في المنطقة، فإن ذلك العداء لم يجلب بعد للساحل الاستقرار، ولم يستطع الحليف الروسي ملء فراغ فرنسا في عالمها الأفريقي الذي صنعت أزماته، وصنعت كثيرا من قادته على أعينها.

الإرهاب الحرب الأولى.. خسائر متصاعدة وتصفيات عرقية

نالت بوركينا فاسو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات التي شنتها الجماعات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في العام الماضي، كما نالت أيضا 9 من 20 من الهجمات الأكثر دموية في العالم خلال عام 2024، وما زال كثير من سكان البلاد يعيشون بين نيران الجماعات المسلحة، ونيران المجلس العسكري.

إعلان

وتذهب هيومن رايتس ووتش إلى أن الضحايا بنيران المجلس العسكري يفوقون ضحايا الإرهاب بأكثر من الضعف، أما المهجرون والنازحون داخل البلاد وخارجها فقد أنافوا على المليوني شخص.

وفيما تعلن الحكومة الثورية في واغادوغو من حين لآخر تمكّنها من القضاء على مئات من المسلحين، فإن اللهب ما زال يقتات بقوة من الأرض والناس في بوركينا فاسو (أرض الرجال الصادقين).

ويتداخل في "ملف الإرهاب" في منطقة الساحل العرق بالسياسة، حيث يتهم كثير من خصوم المجلس العسكري قيادته بممارسة التصفية العرقية ضد قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد كبير من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذراع الأكثر عنفا ودموية تجاه الجيوش والحكومات في منطقة الساحل.

وحتى الآن لا يدعي الرئيس البوركينابي تحقيق انتصار على الإرهاب في بلاده، ورغم افتخاره أكثر من مرة بأنه استطاع تحرير محاور طرقية كانت بيد الجماعات المسلحة، فإن الهجمات ما زالت متواصلة، وما زال الجيش يفقد كل أسبوع تقريبا عددا من جنوده وهيبته، ولا تزال الحرب عوانا بين أطرافها في بوركينا فاسو.

وبين تلك الحروب الأربع يسير الثائر البوركينابي بسرعة خطابية فائقة، وبكثير من التضييق على الحريات وقليل من الانتصار في معارك متعددة الأوجه كثيرة الضحايا واللهب.

إرث سانكارا.. الحرب الأخيرة على صورة الثائر

في فترته الأولى، قدّم تراوري نفسه وقدمه أنصاره باعتباره امتدادا لإرث توماس سانكارا، الزعيم البوركينابي الذي لُقّب بـ"تشي غيفارا أفريقيا" بسبب خطابه المناهض للاستعمار ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومواقفه الرافضة للهيمنة الفرنسية والداعمة لحركات التحرر، بما فيها القضية الفلسطينية.

غير أن إرث سانكارا بدأ يتآكل بين يدي تراوري الذي أدار الظهر للقضية الفلسطينية، وتوجه إلى الحضن الإسرائيلي، كما أنه انغمس في راديكالية علمانية متطرفة، طالما انتقدها المتنورون الأفارقة على المستعمر الغربي وخصوصا فرنسا التي يقولون إنها جعلت من محاربة الإسلام ورموزه جزءا أصيلا من سياستها الثقافية في أفريقيا طيلة عقود من الزمن.

وفيما تزداد الأمور تعقيدا أمام خطوات تراوري فإنها أيضا تكشف عن غياب مشروع نهضوي أو فكري متماسك، عكس كما كان يميز سانكارا، بل تبدو السلطوية وخطاب القوة، والسير المتعجرف بين حقول ألغام السياسة والأمن أبرز ما يميز الثائر الشاب، والعدو الأكثر صراحة للاستعراب الأفريقي حتى الآن.

مقالات مشابهة

  • البنتاغون يعدل بياناته بشأن قتلى الجيش الأمريكي خلال الحرب مع إيران
  • تخبّط واشنطن في الخليج يقودها إلى الغرق
  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
  • باذيب: المشاريع التوسعية لإسرائيل وإيران تجعل العودة إلى الوراء شبه مستحيلة
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • مكتب نتنياهو: إحباط مخطط إيراني لاستهداف مسئولين كبار في إسرائيل
  • ترامب: أقترب من شن هجوم ضخم على إيران.. إسرائيل ستنضم خلال دقيقتين
  • أول تعليق من نتنياهو على شرط ترامب بشأن الاتفاق النووي بين أمريكا والسعودية
  • ذي أتلانتك: ترامب عالق في مأزق الحرب على إيران