هناك جدل كبير يثار حول السياسة الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وما الخطوط التي تحكمها؟ وهل تحكمها رؤية استراتيجية واضحة المعالم؟ وتستعمل تكتيكات مختلفة لتطبيقها؟ أم تحاول أن توحد تكتيكاتها حتى تحقق رؤيتها الاستراتيجية؟

ينبغي أن نسجل أن التباين في قراءة ثوابت ومتغيرات السياسة الإسرائيلية في الشرق الأوسط ليس حكرا على الباحثين في العالم العربي والإسلامي، وإنما يشترك معهم في ذلك حتى الباحثون الغربيون، بل الداخل الإسرائيلي نفسه، بمستودعات تفكيره، وباحثيه، والمعلقين في وسائل الإعلام الإسرائيلية، كلهم لا تجمعهم قراءة واحدة لما يجري، ولا تقدير متقارب لجوهر السياسة الإسرائيلية في أبعادها الاستراتيجية والتكتيكية أيضا.



الباحثون في العالم العربي لا يختلفون كثيرا في استشراف الأبعاد الاستراتيجية التي تتطلع لها دولة الاحتلال، فسوابقها التاريخية توحي بأنها ماضية في خطة توسعية، تستثمر الفرص التاريخية، وأنها في سياق محموم لكسب مزيد من الأرض وإنهاء التحدي الأمني والعسكري الذي تشكله المقاومة الفلسطينية بغزة، وفرض واقع جوار حليف، أو جوار منزوع السلاح، لكن مع تقاربهم هذا، فإنهم يختلفون في قراءة الإمكان الداخلي للدولة العبرية، والعزلة الدولية التي تعيشها، وما إذا كان ذلك مساعدا لها على تحقيق تطلعاتها أم لا.

البعض من هؤلاء الباحثين، يرى أن الدولة العبرية تستعمل خيار القوة لفرض واقع جديد يضطر العالم العربي برمته إلى الدخول للصف، والانخراط قسرا في الاتفاقات الإبراهيمية، ومن ثمة تحقيق هدف الاندماج في المحيط الإقليمي، لكن هذه القراءة تصطدم مع اشتراطات الدول العربية، والتي تعتبر الاستمرار في العدوان على غزة حائلا دون تحقيق هذه الخطوة.

الدول العربية في مؤتمر القمة العربية في بيروت سنة 2002، وضمن خطة السلام العربية رفعت سقفا مشتركا للتطبيع مع الدولة العبرية هو الانسحاب إلى أراضي 1967، ووقف الاستيطان، وإقامة دولة فلسطينية، والاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين. البعض يجادل في تلك الاشتراطات العربية، ويرى بأن الدول العربية تناور ولا يمكنها النزول عن سقف مبادرة السلام العربية، وتبني سقف واطئ جدا، تضع بمقتضاه للتطبيع مقابل مجرد إنهاء الحرب على غزة، ويقرأ الموقف الإسرائيلي التصعيدي تبعا لذلك بوعي الدولة العبرية بأن إيقاف الحرب، سينتج عنه مباشرة رفع السقف العربي وطرح فكرة حل الدولتين، وهذا بالضبط ما يفسر الدينامية العربية التي سايرت المبادرة الفرنسية، بل هذا على وجه التحديد ما خرج به مؤتمر الأمم المتحدة الذي انعقد مؤخرا بنيويورك وما تعبر عنه إعلانات الدول الغربية المتتالية بالاعتراف بدولة فلسطين.

في واقع الأمر لا تهمنا كثيرا الأبعاد الاستراتيجية في السياسة الإسرائيلية، لأن الاختلاف فيها جزئي، والجميع يتفق بأن الأفق التوسعي هو ما يحكمها، وأن الدولة العبرية تتقدم أكثر في هذا الاتجاه، كلما سنحت الفرصة، وكلما كانت الإدارة الأمريكية متعاونة، لكن ما يهم بشكل أساسي هو السياسة الإسرائيلية في أبعادها التكتيكية، والخطوط التي تحكمها على الأقل في ثلاث دوائر أساسية، غزة ولبنان وسوريا.

في غزة، تدحرجت السياسة الإسرائيلية بشكل مثير للملاحظة وذلك بسبب من إدارة الفصائل الفلسطينية للصراع معها، ليس فقط في المجال العسكري ولكن أيضا في المجال السياسي والإعلامي والإنساني، إذ اشتد الخلاف بين المؤسسة السياسية والعسكرية من جهة، وأضحى المجتمع الإسرائيلي منقسما بشكل لم يسبق له مثيل، ومع ذلك لا تزال السياسة الإسرائيلية مضطربة، بفعل هيمنة اليمين المتطرف، فتارة يظهر منها البعد التوسعي المدمر والمتمثل في خيار التهجير القسري، وما يتوسل للوصول إليه من تجويع وتقتيل واستهداف النساء والأطفال (ضرب معدل الإخصاب)، وتارة يحكمها البعد التوسعي التكتيكي المتمثل في الضغط بالقوة العسكرية لخلق واقع في غزة منزوع السلاح، تحكمه إدارة حليفة لتل أبيب.

في لبنان، بدأت السياسة الإسرائيلية بهم إدارة توازن الردع، ثم انتهت بفرض واقع لبنان منزوع السلاح، مستعينة في ذلك بظهور قدر من الاتفاق بين مكونات الطيف السياسي اللبناني حول حصرية السلاح بيد الدولة وبضغط أمريكي غير مسبوق.
خوض تل أبيب معارك على هذه الجبهات الثلاث أثمر عندها هدفا مرحليا يكاد يكون موحدا
وفي سوريا، وبعد أن سقط نظام بشار الأسد وتراجع النفوذ الإيراني، وانقطعت نسبيا الحلقة اللوجستية لدعم حزب الله من على الأرض السورية، كبر حلم الدولة العبرية، فصارت توظف جزءا من الأقلية الدرزية لتحقيق هدف جنوب سوري من غير سلاح، بل ومن غير سلطة مركزية عليه.

في الواقع، خوض تل أبيب معارك على هذه الجبهات الثلاث أثمر عندها هدفا مرحليا يكاد يكون موحدا، وإن كانت التفاصيل في كل حالة مختلفة، فتل أبيب، وبسبب من الضغط الذي تمارسه على لبنان، مستغلة المساعدة الأمريكية وتعاون الداخل اللبناني، أضحت ترى أن المخرج لها من أجواء الحرب والصراع في المنطقة هو تعميم الحالة اللبنانية في كل من غزة وسوريا، وتوسيع انضمام الدول العربية الأخرى إلى الاتفاقات الإبراهيمية.

الديناميات في كل من لبنان وسوريا تمانع بشكل وبآخر السياسة الإسرائيلية. في لبنان -وخلافا للاعتقاد الذي كان يقدر بأن حزب الله بات معزولا حتى من حليفته» حركة أمل» -اتضح أنه لا يزال يملك هامشا كبيرا من المناورة، فقد تحدى القرار الحكومي، واعتبره كما ولو أنه غير موجود، وهو يدرك بأن الدولة اللبنانية بمختلف مكوناتها لا تستطيع أن تختار المواجهة الداخلية، لأنها مشغولة بفكرة حزب الله التي اشترط فيها مناقشة حصرية السلاح لدى الدولة اللبنانية بضرورة انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس في التراب اللبناني، وهي الفكرة التي يدعمها رئيس الدولة، وأن كان رئيس الحكومة يختلف معه، إلا أنه لا يتحمل الذهاب إلى حدود المواجهة مع حزب الله، حتى ولو أوتي ضمانات أمريكية بأن واشنطن ستقدم المساعدة العسكرية الضرورية لإنهاء سلاح حزب الله.

في سوريا، يكشف تفجر أحداث السويداء، وما تلاها من مناورة الدولة السورية بورقة العشائر، ثم تحريك الورقة الروسية هذا فضلا عن إعلان الدعم العسكري التركي، أن تعميم الحالة اللبنانية على الجنوب السوري يقف دونه تحديات كبيرة، وأنه ليس من السهل للسياسة الإسرائيلية النجاح في هذا المسعى.

في غزة، ورغم سياسة التجويع، نجحت فصائل المقاومة في أن تعمق التوتر بين المؤسسة السياسية والعسكرية إلى الحد الذي أعلنت فيه رئاسة الأركان رفضها بشكل قاطع لاحتلال غزة، وقدمت المبررات العسكرية الكافية التي تجعل من سياسة رئيس الوزراء بالمبالغة في الضغط العسكري وسيلة لـ»اليوم التالي» وتحقيق هدف غزة من غير سلاح، وتواجه تل أبيب عزلة دولية قاتمة، تضطرها إلى إنهاء سياستها للتجويع، بما ينهي من بين يدها ورقتها المفضلة لتحقيق هدفها بنزع السلاح، ويجعلها في الأخير تختار السياسة بدلا من الحرب لتحقيق أهدافها أو الجزء ألأكبر منها
في المحصلة، لا شيء من المؤشرات يفيد بقدرة إسرائيل على توحيد سياستها التكتيكية في المناطق العربية الثلاث، وأن تعميم الحالة اللبنانية صار أمرا مستعصيا حتى في لبنان نفسها، وهو ما سيدفعها مع مرور الوقت لتبني سياسة منفردة في كل ساحة، والتوجه إلى خيار التفاوض السياسي بدل لغة الحرب، والاكتفاء في كل ساحة بالحد الأدنى المسموح به من الأهداف الإسرائيلية.

القدس العربي

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الاحتلال لبنان سوريا الإيراني حزب الله إيران سوريا لبنان حزب الله الاحتلال مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة صحافة مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة السیاسة الإسرائیلیة فی الدولة العبریة الدول العربیة حزب الله

إقرأ أيضاً:

سلام: لبنان لن يترك أهالي الجنوب وحدهم.. وسنطلق مسار العودة والتعافي المبكر

بيروت"د. ب. أ": أكّد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، اليوم الخميس، أن الدولة ستكون حاضرة بكل إمكاناتها لإطلاق مسار العودة إلى جنوب لبنان.

وقال سلام، خلال ترؤسه اجتماعا حضره رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر، والأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد بسام النابلسي، ورئيس وحدة ادارة الكوارث في السراي زاهي شاهين، إنّ "أهل الجنوب لن يكونوا وحدهم في هذه المرحلة، فوزارات الدولة ومؤسساتها ومجالسها مجندة لإنجاز هذه المهمّة، وستكون الدولة حاضرة بكل إمكاناتها لإطلاق مسار العودة والتعافي المبكر".

وأشار سلام إلى أنّ "هدف زيارته اليوم إلى بلدة زوطر الغربيّة كان التأكيد لأهل الجنوب أنّ الدولة لن تكتفي باستعادة الأرض، بل ستعود معهم وإليهم: بداية من انتشار الجيش والأمن، ثم باستكمال العمل على فتح الطرقات ورفع الأنقاض وإعادة الخدمات الأساسيّة، وصولاً إلى تأمين مقومات العودة الكريمة والسكن المؤقت والانتقالي، بما في ذلك المنازل الجاهزة ".

وحسب بيان لرئاسة مجلس الوزراء، تطرّق الاجتماع إلى الخطوات العمليّة لتسهيل عودة أهالي الجنوب إلى قراهم ومدنهم.

وكان الجيش اللبناني بدأ الثلاثاء الماضي، عملية انتشار في بلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان، بناء على الاتصالات القائمة مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، في إطار "خطة المناطق التجريبية". وزار رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، بلدة زوطر الغربية اليوم ووضع علماً لبنانياً في ساحة البلدة.

من جهة اخرى، قال مسؤول لبناني إن لبنان وإسرائيل سيعقدان الجولة التالية من المحادثات التي تتوسط فيها الولايات المتحدة في الرابع من أغسطس بإيطاليا، في الوقت الذي يبدأ فيه البلدان تنفيذ خطة للانسحاب الإسرائيلي ونشر جيش لبنان في جنوب الدولة.

وأجرى البلدان اللذان تعود الخصومة بينهما إلى زمن بعيد محادثات مباشرة استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر ووصفت ⁠بأنها وسيلة لوضع نهاية دائمة للأعمال القتالية منذ اندلاع حرب جديدة في الثاني من مارس بين إسرائيل ⁠وحزب الله.

وتعد الاجتماعات المباشرة على مستوى السفراء أمرا غير معتاد لبلدين ما زالا رسميا في حالة حرب ولم تربطهما منذ عقود علاقات دبلوماسية طبيعية بسبب عمليات توغل واحتلال عسكري وصراع على حدودهما.

وأسفرت خمسة اجتماعات استضافتها الولايات المتحدة عن اتفاق إطاري في ‌أواخر الشهر الماضي ينص على نزع سلاح حزب الله والانسحاب التدريجي ​للقوات الإسرائيلية من جنوب ⁠لبنان مع نشر قوات لبنانية.

وانتقلت المحادثات على مستوى السفراء منذ ذلك الحين إلى العاصمة الإيطالية ​حتى تتمكن الوفود من مناقشة التفاصيل ‌الفنية والمبادئ التوجيهية بشأن "مناطق تجريبية"، وهو المصطلح الذي يطلق على المناطق الجغرافية التي سيتم فيها تنفيذ تلك العملية على مراحل.

الى ذلك، شهد هذا الأسبوع ​أول انسحاب إسرائيلي في إطار برنامج المناطق التجريبية.

وانسحبت القوات الإسرائيلية من بلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان وبدأ الجيش اللبناني في نشر قوات هناك لكنه طلب من السكان تأجيل عودتهم حتى يتم تطهير البلدة من الذخائر غير المنفجرة.

مقالات مشابهة

  • شح الغاز يفاقم معاناة سكان عدن.. مواطنون يشكون صعوبة الحصول عليه وارتفاع أسعاره
  • رجّي للمنتشرين: بدعمكم نستطيع تحقيق الكثير
  • أيوب: تطبيق القوانين النافذة كفيل بمنح الجيش صلاحيات نزع السلاح
  • اترك هاتفك بالمنزل في المرة المقبلة التي تخرج فيها للمشي لهذا السبب
  • من دمشق إلى بغداد وبيروت... هل يرسم ترامب طوقًا سياسيًا حول إيران؟
  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • لصالح المراهنات.. فتح تحقيق في شبهات التلاعب بمباريات كأس العالم
  • برج الحمل| حظك اليوم الجمعة 24 يوليو 2026.. تحقيق طموحاتك
  • سلام: لبنان لن يترك أهالي الجنوب وحدهم.. وسنطلق مسار العودة والتعافي المبكر
  • جولة لنواب القوات جنوباً.. دعم للأهالي ورهان على الدولة