تحدثت مجلة "إيكونوميست" عن مستقبل قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، في تقرير ادعت فيه أن العالم يعمل على إنهاء الجوع المتفشي، وسط مناشدات أممية من أجل السماح بدخول المزيد من شاحنات المساعدات، زامنا مع عمليات الإسقاط الجوي للطعام.

وأشارت المجلة إلى أن سكان غزة يؤكدون أنه لم يتغير الكثير على أرض الواقع، لأن ما يدخل من الطعام لا كيف، ولا يوجد قانون ونظام يسمح بتوزيعه، ويصعب الوصول إلى عمليات الإنزال الجوي، وتُنهب القوافل بعد عبورها بوقت قصير.



وشددت على أنّ "هذه كارثة بحد ذاتها، وستكون لها عواقب طويلة المدى على العديد من سكان غزة، وخاصة الأطفال. لكنها أيضا لمحة عن مستقبل غزة. حتى بعد انتهاء الحرب، ستبقى تحت رحمة الآخرين لسنوات قادمة".

وتابعت: "بسبب انحصارها بين إسرائيل ومصر، لم تحقق هذه المنطقة الصغيرة اكتفاء ذاتيا قط. فرض جيرانها حصارا بعد أن تولت حماس السلطة في عام 2007. تدهور الاقتصاد. أصبحت نصف القوى العاملة في القطاع عاطلة عن العمل، واعتمد أكثر من 60% من السكان على شكل من أشكال المساعدات الخارجية للبقاء على قيد الحياة. وزعت الأمم المتحدة مساعدات نقدية، وأدارت شبكة من العيادات التي قدمت 3.5 مليون استشارة سنويا، وشغّلت مدارس علمت حوالي 300 ألف طفل".

واستدركت: "مع ذلك، استطاعت غزة تلبية بعض الاحتياجات الأساسية على الأقل بنفسها. كان خُمسا أراضيها عبارة عن أراض زراعية توفر ما يكفي من منتجات الألبان والدواجن والبيض والفواكه والخضروات لتلبية معظم الطلب المحلي. وأنتجت المصانع الصغيرة كل شيء من الأغذية المعلبة إلى الأثاث. كانت حكومة حماس عاجزة، لكنها وفرت القانون والنظام. بعد ما يقرب من عامين من الحرب، لم يبقَ شيء يُذكر من ذلك".



يقول برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة إن سكان غزة، البالغ عددهم مليوني نسمة، يحتاجون إلى 62 ألف طن من الغذاء شهريا. هذا حساب بديهي: سيوفر البرنامج ما يكفي من المواد الغذائية الأساسية، لكن دون لحوم أو فواكه أو خضراوات أو غيرها من المواد سريعة التلف. لكن الاحتلال لا يسمح إلا بدخول كميات قليلة جدا، ويفرض حصارا مشددا على القطاع منذ 2 آذار/ مارس الماضي.

ولفتت المجلة إلى أن تل أبيب سمحت مؤخرا باستئناف إيصال مساعدات محدودة إلى شمال غزة، وساهمت في إنشاء مؤسسة غزة الإنسانية  (GHF)، وهي منظمة غير رسمية توزع الغذاء على أربع نقاط في جنوب ووسط غزة. خلال أكثر من شهرين من العمل، وزعت المؤسسة أقل من 0.7 وجبة لكل غزاوي يوميا - وهذا يفترض أن كل صندوق مساعدات، مليء بمزيج من الأطعمة المجففة والمعلبة، يوفر بالفعل نفس عدد الوجبات التي تدعيها المؤسسة.

ورغم زيادة حجم المساعدات في الأيام الأخيرة، إلا أنها لا تزال غير كافية. تقول فاليري غوارنييري من برنامج الأغذية العالمي: "نحاول إدخال 80 إلى 100 شاحنة يوميا. ليس هذا سقفا عاليا، بل هو سقف واقعي لما يمكننا تحقيقه". في الرابع من أغسطس، سمحت إسرائيل لـ 41 شاحنة فقط من شاحنات الوكالة بدخول منطقة التجمع على حدود غزة، ولم تسمح للسائقين سوى بأخذ 29 منها.

وأكدت المجلة أن "الدخول إلى غزة ليس سوى التحدي الأول. أما التوزيع فهو كابوس. منذ 19 أيار/ مايو، تسلمت الأمم المتحدة 2604 حمولات شاحنة من المساعدات من حدود غزة. لم يصل منها سوى 300 شاحنة إلى وجهتها المقصودة. أما البقية فقد تم اعتراضها في الطريق، إما من قبل مدنيين يائسين أو من قبل مسلحين. لا يبالي عمال الإغاثة بمداهمة المدنيين لشاحنات المساعدات، وهو ما يسمونه مجازا "التوزيع الذاتي": فهم يعتقدون أن الغذاء لا يزال يصل إلى المحتاجين. تقول غوارنييري: "هناك تصاعد حقيقي في اليأس. الناس لا يثقون في أن الطعام سيأتي في اليوم التالي".

لكن السوق السوداء الهادرة تشير إلى أن الكثير منه مسروق. تنشر غرفة تجارة غزة مسحا دوريا لأسعار المواد الغذائية. بيع كيس دقيق وزن 25 كغم، والذي كان يكلف 35 شيكلا (10 دولارات) قبل الحرب، مقابل 625 شيكلا في 5 آب/ أغسطس. بلغ سعر كيلو البندورة 100 شيكل، أي ما يعادل 50 ضعف سعره قبل الحرب. هذه الأسعار بعيدة كل البعد عن متناول معظم سكان غزة. فغالبا ما يساوم من يملكون القليل من المال على كميات ضئيلة: فقد يحضر المتسوق حبة بطاطس واحدة لعائلته، على سبيل المثال.



ووفق المجلة، "كان الهدف المزعوم لإسرائيل من خنق إمدادات المساعدات هو منع حماس من سرقة أي منها. وبدلا من ذلك، تقع عواقب سياسة إسرائيل على الأطفال أكثر من غيرهم - حتى قبل ولادتهم أحيانا".

تقول ليلى بيكر، من وكالة تنظيم الأسرة التابعة للأمم المتحدة: "واحدة من كل ثلاث حالات حمل أصبحت الآن عالية الخطورة. وواحد من كل خمسة أطفال رُضّع وُلدوا قبل أوانهم أو ناقصي الوزن". قارن ذلك بما كان عليه الحال قبل الحرب، حيث وُلد 8% من أطفال غزة ناقصي الوزن (أقل من 2.5 كغم). سُجّلت 222 حالة ولادة جنين ميت بين كانون الثاني/ يناير وحزيران/ يونيو، بزيادة قدرها عشرة أضعاف عن المستويات التي سُجّلت قبل الحرب.

أفاد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، وهو جهة تدعمها الأمم المتحدة وترصد الجوع، الشهر الماضي أن 20 ألف طفل نُقلوا إلى المستشفى بسبب سوء التغذية الحاد بين نيسان/ أبريل ومنتصف تموز/ يوليو. وحتى قبل وصولهم إلى هذه المرحلة، تنهار أجهزتهم المناعية. يُصاب الأطفال الذين يعانون من سوء تغذية متوسط بالعدوى بسهولة أكبر بكثير من الأطفال الذين يحصلون على تغذية جيدة، ويزداد مرضهم سوءا عند الإصابة، ويفقدون وزنهم بسرعة.

يقول ماركو كيراك، طبيب الأطفال في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، والذي عالج الأطفال في المناطق المنكوبة بالمجاعة، إن الجسم يتعرض لـ"ضربة قوية" عندما ينخفض تناول الطعام إلى 70-80% فقط من المعدل الطبيعي. معظم الأطفال في غزة يأكلون أقل بكثير من ذلك. في تموز/ يوليو، أبلغت منظمة الصحة العالمية عن تفشي متلازمة غيلان باريه، وهو مرض مناعي ذاتي نادر قد يكون له صلة بالجوع. وتقول وزارة الصحة في غزة إن الحالات تتضاعف، بما في ذلك بين الأطفال.

وليس تناول السعرات الحرارية هو الشاغل الوحيد. فعلى الرغم من أن الدقيق والملح في غزة مدعمان ببعض الفيتامينات والمعادن، مثل اليود، إلا أنهما يُستهلكان بكميات محدودة - خاصة الآن، حيث أغلقت العديد من المخابز منذ أشهر بسبب نقص الدقيق والوقود. في شباط/ فبراير، خلال وقف إطلاق النار، سمحت إسرائيل بدخول 15 ألف طن من الفاكهة والخضراوات و11 ألف طن من اللحوم والأسماك إلى غزة. منذ آذار/ مارس، لم يُسمح إلا بـ 136 طنا من اللحوم. كل هذا يعني وجود نقص واسع النطاق في العناصر الغذائية الأساسية التي تُساعد على نمو أدمغة الأطفال.

بمعنى آخر، سيظل كل طفل في غزة معرضا لخطر تدهور صحته مدى الحياة بسبب سوء التغذية السائد اليوم. وهناك أدلة متسقة على ذلك من دراسات أجريت على مجموعات سكانية عانت من المجاعة: خلال الحرب العالمية الثانية، ومجاعة الستينيات في الصين، ومؤخرا في أماكن مثل إثيوبيا. يعاني الأطفال الذين عانوا من سوء التغذية الحاد من معدلات أعلى من أمراض القلب والسكري وغيرها من الأمراض المزمنة كبالغين. كما أنهم معرضون لخطر تدهور النمو المعرفي.



لا يمكن لتدفق المساعدات أن يُصلح الضرر، ولكنه يمكن أن يمنع تفاقمه. يجب أن يستمر. لقد ترك الدمار الذي أحدثته حرب إسرائيل سكان غزة بلا بديل سوى الاعتماد على المساعدات.

في شباط/ فبراير، قدرت الأمم المتحدة أن الحرب تسببت في أضرار مادية بقيمة 30 مليار دولار واضطرابات اقتصادية بقيمة 19 مليار دولار، بما في ذلك فقدان العمالة والدخل الضائع وزيادة التكاليف. ستتطلب إعادة الإعمار 53 مليار دولار. في هذه المرحلة، هذا مجرد تخمين. من المستحيل حساب التكلفة الحقيقية، لكنها ستكون هائلة.

ستكون المهمة الأولى ببساطة إزالة الأنقاض. وقد قدر تقييم للأمم المتحدة في نيسان/ أبريل، استنادا إلى صور الأقمار الصناعية، وجود 53 مليون طن من الأنقاض متناثرة في جميع أنحاء غزة - أي 30 ضعف كمية الأنقاض التي تمت إزالتها من مانهاتن بعد هجمات 11 سبتمبر. قد يستغرق إزالتها عقودا. أنتجت الحرب التي استمرت سبعة أسابيع بين إسرائيل وحماس في عام 2014، وهي الأطول والأكثر دموية قبل الحرب الحالية، 2.5 مليون طن من الأنقاض.

لن تكون إعادة بناء اقتصاد منتج أقل صعوبة. خذ الزراعة على سبيل المثال. تقول وكالة الزراعة التابعة للأمم المتحدة إن 80% من الأراضي الزراعية في غزة و84% من دفيئاتها قد تضررت في الحرب. تم القضاء على الماشية بالكامل تقريبا.

وجد تقييم بالأقمار الصناعية في الصيف الماضي أن 68% من طرق غزة قد تضررت (لا شك أن هذا الرقم أعلى اليوم). الطريقان الرئيسيان من الشمال إلى الجنوب - أحدهما على طول الساحل والآخر أبعد إلى الداخل - كلاهما غير سالكين في بعض الأماكن. حتى لو تمكن المزارعون من البدء بزراعة المحاصيل بكميات صغيرة بعد الحرب، فسيكون من الصعب تسويق منتجاتهم. والصورة قاتمة بنفس القدر في قطاعات أخرى: فقد تم تحويل المدارس والمستشفيات والمصانع إلى أنقاض.

تنص اتفاقيات جنيف بوضوح على حق المدنيين في الفرار من منطقة حرب. إلا أن ممارسة هذا الحق في غزة محفوفة بالمخاطر: إذ يخشى الفلسطينيون خوفا مبررا من أن إسرائيل لن تسمح لهم بالعودة أبدا. ولا يخفي أعضاء نافذون في حكومة بنيامين نتنياهو رغبتهم في تطهير المنطقة عرقيا وإعادة بناء المستوطنات اليهودية التي فُككت عام 2005.

وختمت المجلة: "قد لا ينفذ نتنياهو حديثه عن إعادة احتلال غزة، الذي ألمح إليه في تسريبات إعلامية في وقت سابق من هذا الشهر. قد لا يحقق حلفاؤه من اليمين المتطرف حلمهم بإعادة بناء المستوطنات اليهودية التي فُككت عام 2005. لكن، بمعنى ما، حقق أصحاب الأيديولوجيات في حكومته هدفهم بالفعل. لقد ترك سلوك إسرائيل في الحرب سكان غزة أمام خيار صعب: إما مغادرة القطاع، أو البقاء في مكان أصبح شبه غير صالح للسكن".

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة إسرائيلية غزة المساعدات الاحتلال غزة الاحتلال المستقبل المساعدات حرب الابادة صحافة صحافة صحافة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة للأمم المتحدة الأمم المتحدة قبل الحرب سکان غزة إلى أن فی غزة

إقرأ أيضاً:

هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو

لا يخرج الحاكم العسكري لبوركينا فاسو الجنرال إبراهيم تراوري من جدل إلا عاد إليه، فمنذ أن قاد هذا الشاب ذو الندبة الغائرة في الخد الأيسر انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوغوداميبا -الذي كان هو الآخر قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب على سلفهما- ظل هذا الجنرال شخصية مثيرة للانقسام ومحط أنظار الداخل والخارج.

ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا العريقة في غرب أفريقيا. التحق بالسلك العسكري عام 2010، وحقق صعودا سريعا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود في 30 سبتمبر/أيلول 2022 انقلابا أطاح بشركيه في الحكم، ليتولى قيادة بوركينا فاسو بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع الرحلات صعودا من صفوف المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم في القارة.

بيد أن تراوري لم يدخل القصر الرئاسي في واغادوغو حاملا مفاتيح سلطة مستقرة، بل ورث بلدا حبيسا غارقا في أزمات متشابكة. ومنذ ذلك الحين، انخرط الجنرال الشاب في حروب ومواجهات متشابكة، لم تتوقف عند جبهة واحدة، بل ظلت تتسع بإضافة ملفات جديدة إلى قائمة الصراعات المفتوحة، بعضها مرتبط بالهوية والتاريخ والأعراق، قبل أن تفرض القضايا الأخيرة نفسها كأكثر محطاته إثارة للجدل.

الحرب الرابعة.. العرب وطلاب الشريعة

وفيما تتعدد الأزمات وتنقطع الطرق أمام الضابط الشاب، يبدو أن العرب ودارسي الشريعة الإسلامية هما هدف الحرب المقبلة للرجل الذي يخوض معارك على أكثر من جبهة دون أن يحرز حتى الآن الاختراق والنصر اللذين بشر بهما في ملفات بلاده الأكثر إلحاحا.

ففي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، فتح تراوري ملفات بالغة الحساسية والتعقيد، تصدرها تاريخ العبودية في الذاكرة الأفريقية، إلى جانب واقع التعليم الديني في بوركينا فاسو، ما أعاد طرح تساؤلات حول توجهاته وأولويات المرحلة المقبلة.

إعلان

وفيما وصفه كثيرون بمغالطة تاريخية كبرى، قال تراوري في 19 يوليو/تموز الجاري، إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكدا أن "آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962″، في تصريحات أعادت إلى الواجهة نقاشا تاريخيا وسياسيا محتدما بشأن تاريخ القارة مع العسف الأوربي.

ولم تقتصر تصريحات تراوري على إعادة قراءة الماضي، بل امتدت إلى إعادة رسم سياسة بلاده تجاه التعليم الديني؛ إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلبة البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والشروع في إعادة نحو 800 طالب يواصلون حاليا دراساتهم الإسلامية في عدد من الدول العربية.

ولوّح بإجراءات غير مسبوقة بحق من يرفضون العودة، محذرا من أن الإصرار على استكمال الدراسة في الخارج قد يعرّضهم لفقدان الجنسية البوركينابية.

وبرر هذه الخطوة -غير المألوفة في البلاد- بقوله إن دارسي الشريعة العائدين من الخارج يحملون معهم، بحسب وصفه، رؤى متشددة وأفكارا مؤدلجة تسعى إلى فرض أجنداتها داخل المجتمع، في حين يفتقرون إلى المهارات المهنية التي يحتاجها سوق العمل، في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة.

لم تمر تصريحات الجنرال تراوري مرور الكرام على مسامع المستعربين الأفارقة، خصوصا ما يتعلق منها باعتبارهم -ضمنا- مشاريع إرهاب، وأن دراستهم في الجامعات العربية لا تفيد بوركينا فاسو.

وقد مثّلت تصريحات تراوري الأخيرة افتتاحا لجبهة رابعة في سلسلة المعارك التي يخوضها منذ وصوله إلى السلطة. وبينما التزمت العواصم العربية الصمت إزاء مزاعمه بشأن تاريخ العرب في أفريقيا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات، إذ عدّها كثيرون مغالطةً تاريخية، تُحمّل العرب وزر حقبة العبودية، فيما تُغفل مسؤولية القوى الغربية عن قرون من تجارة الرقيق والاستعمار في أفريقيا.

ولم يكن الجدل أقل حدة في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأفريقية، ولا سيما بين المستعربين وخريجي الجامعات العربية، الذين رأوا في حديثه عن دارسي العلوم الشرعية والثقافة العربية والإسلامية تشكيكا ضمنيا في مساراتهم العلمية، وتصويرا لهم بوصفهم حواضن محتملة للتطرف، واختزالا لسنوات تحصيلهم في الخارج في أفكار متشددة، مع إنكار ما يمكن أن تقدمه من إسهامات علمية ومعرفية لبلادهم.

وكانت المفارقة أن "الثائر البوركينابي" اختار لغة مستعمره السابق وعدوه الحالي ليتحدث بها عن تاريخ استعباد وهمي، متناسيا تاريخا قريبا من تجارة الرقيق الأفريقي وشحنه عبر السفن الأوروبية إلى منافي الجريمة والألم.

وفيما تتفاقم آثار تصريحات تراوري، سواء فيما يتعلق بضعف مصداقيتها التاريخية، فإنها أيضا متفاقمة في اتجاه الإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد المؤسسات والرموز الإسلامية في بلاده، وشملت حتى الآن:

سن قانون الحريات الدينية، الذي يحد من النشاط الدعوي والتعليمي ويمنع بناء المساجد في المؤسسات العمومية، كما يحظر التعليم الديني في المؤسسات التعليمية العمومية، ويعمل بمختلف مواده على تقوية وتعزيز الطابع العلماني للدولة والنظام. إغلاق أكبر مساجد العاصمة، وسط حالة من القلق والتوجس بشأن مستوى التقييد الأمني والقانوني التي تواجهها المساجد في عموم البلاد في ظل الأوضاع الجديدة. اعتقال كبار علماء البلد وعدد من الشخصيات والشباب الإسلامي وإرسالهم -وفق ما تردد في مواقع التواصل الاجتماعي- إلى معسكرات الجيش حيث لاقوا هنالك كثيرا من الجلد والإهانة والضرب. تهديد الطلاب المستعربين المغتربين في الدول العربية بسحب الجنسية إذا ما عادوا إلى البلاد لأنهم يمثلون خطرا عليها ولا يحملون معارف نافعة للبلاد. وبينما كان تراوري يشدد قبضته في الداخل، كانت رسائل مختلفة تُبعث إلى إسرائيل؛ فقد استقبل رسميا في واغادوغو السفير الإسرائيلي الجديد، سيمون سروسي، لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من الغموض أحاطت بطلب اعتماده. إعلان

فقد كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) أن طلب الاعتماد ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن يحظى بالموافقة بعيدا عن الأضواء.

ويبدو أن هذا الاستقبال العلني وضع حدا لمرحلة الحذر التي أحاط بها تراوري أي تقارب مع إسرائيل، حرصا على عدم المساس بصورته بوصفه قائدا مناهضا للغرب.

غير أن المشهد الجديد يعكس براغماتية متزايدة في إدارة العلاقات الخارجية، في وقت تسعى فيه إسرائيل لتكثيف حضورها الاستخباراتي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من اهتمام دول التحالف بتقنياتها وخبراتها في مجالات الأمن ومكافحة التمرد.

وفيما يتوقع أغلب المراقبين أن تضيق هذه الحرب الخناق على نظام تراوري فمن المتوقع أيضا ألا تكون حربه الأخيرة كما لم تكن الأولى.

الحرب الثالثة.. ثورة على أنقاض الديمقراطية

ليس العرب وتاريخهم في القارة، والرموز الإسلامية وما ارتبط بها من هيبة ومكانة في نفوس مسلمي بوركينا فاسو الجبهة الوحيدة التي يقاتل عليها تراوري، فللديمقراطية أيضا نصيبها من نيران الحرب التي تنطلق باتجاهات متعددة في ذلك البلد الأفريقي الحبيس.

وقد أعلن تراوري بشكل صريح رفضه التام للديمقراطية، حينما خاطب شعبه في فاتح أبريل/نيسان 2025 "لسنا في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية وعلى الجميع فهم ذلك".

ولكي يفهم الجميع ذلك بدأت مسارات التنفيذ الفعلي لتضييق متواصل على الحريات العامة في البلاد، فبعد وصوله إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، أطلق مرحلة انتقالية ممتدة لـ5 سنوات، قبل أن يصدر في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما بحل الأحزاب السياسية، بدعوى أن تكاثر الأحزاب أفضى إلى انحرافات، عززت الانقسام بين المواطنين وهشّشت النسيج الاجتماعي.

وفي الشهور اللاحقة شنت الحكومة حملة شعواء على الجمعيات والمنظمات الأهلية، أسفرت عن حل وتعليق 929 منها، بشبه وتهم منها عدم تجديد الهيئات أو التجسس أو شبهات تمويل الإرهاب وفقا للمبررات الحكومية.

ولم تكن المنظمات الطلابية بمنأى عن هذه الحرب العوان، حيث تم حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده للتضييق على الحريات في البلاد.

الحرب الثانية.. إبراهيم تراوري في مواجهة فرنسا

تمثل فرنسا إحدى الكلمات المفتاحية في خطابات "ثوار" منطقة الساحل، حيث تتوجه إليها سهام النقد والتهديد، خصوصا أن تاريخها الأفريقي كان استعماريا، نهب الثروات وأهان الشعوب.

ولم يخف تراوري منذ أيامه الأولى عداوته لباريس، غير أن مسار التوتر وصل نهايته في يونيو/حزيران 2026 حين أعلن قطع علاقات بلاده بفرنسا متهما باريس بأنها تضمر طموحات استعمارية جديدة تتجلى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين "الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد".

ولأن فرنسا بثقافتها وتاريخها أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الأفريقية، فقد كان المجلس العسكري في بوركينا فاسو حريصا على تحقيق مناط العلاقة المقطوعة، معتبرا في بيانه أن قرار القطع "يتعلق حصرا بالإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على المستوى الدبلوماسي، ولا يشكك بأي حال من الأحوال في الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين".

وفيما تزداد مشاعر الكراهية لفرنسا في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل خصوصا، وتتحول إلى ورقة يانصيب في أيدي الحكام الشباب في المنطقة، فإن ذلك العداء لم يجلب بعد للساحل الاستقرار، ولم يستطع الحليف الروسي ملء فراغ فرنسا في عالمها الأفريقي الذي صنعت أزماته، وصنعت كثيرا من قادته على أعينها.

الإرهاب الحرب الأولى.. خسائر متصاعدة وتصفيات عرقية

نالت بوركينا فاسو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات التي شنتها الجماعات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في العام الماضي، كما نالت أيضا 9 من 20 من الهجمات الأكثر دموية في العالم خلال عام 2024، وما زال كثير من سكان البلاد يعيشون بين نيران الجماعات المسلحة، ونيران المجلس العسكري.

إعلان

وتذهب هيومن رايتس ووتش إلى أن الضحايا بنيران المجلس العسكري يفوقون ضحايا الإرهاب بأكثر من الضعف، أما المهجرون والنازحون داخل البلاد وخارجها فقد أنافوا على المليوني شخص.

وفيما تعلن الحكومة الثورية في واغادوغو من حين لآخر تمكّنها من القضاء على مئات من المسلحين، فإن اللهب ما زال يقتات بقوة من الأرض والناس في بوركينا فاسو (أرض الرجال الصادقين).

ويتداخل في "ملف الإرهاب" في منطقة الساحل العرق بالسياسة، حيث يتهم كثير من خصوم المجلس العسكري قيادته بممارسة التصفية العرقية ضد قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد كبير من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذراع الأكثر عنفا ودموية تجاه الجيوش والحكومات في منطقة الساحل.

وحتى الآن لا يدعي الرئيس البوركينابي تحقيق انتصار على الإرهاب في بلاده، ورغم افتخاره أكثر من مرة بأنه استطاع تحرير محاور طرقية كانت بيد الجماعات المسلحة، فإن الهجمات ما زالت متواصلة، وما زال الجيش يفقد كل أسبوع تقريبا عددا من جنوده وهيبته، ولا تزال الحرب عوانا بين أطرافها في بوركينا فاسو.

وبين تلك الحروب الأربع يسير الثائر البوركينابي بسرعة خطابية فائقة، وبكثير من التضييق على الحريات وقليل من الانتصار في معارك متعددة الأوجه كثيرة الضحايا واللهب.

إرث سانكارا.. الحرب الأخيرة على صورة الثائر

في فترته الأولى، قدّم تراوري نفسه وقدمه أنصاره باعتباره امتدادا لإرث توماس سانكارا، الزعيم البوركينابي الذي لُقّب بـ"تشي غيفارا أفريقيا" بسبب خطابه المناهض للاستعمار ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومواقفه الرافضة للهيمنة الفرنسية والداعمة لحركات التحرر، بما فيها القضية الفلسطينية.

غير أن إرث سانكارا بدأ يتآكل بين يدي تراوري الذي أدار الظهر للقضية الفلسطينية، وتوجه إلى الحضن الإسرائيلي، كما أنه انغمس في راديكالية علمانية متطرفة، طالما انتقدها المتنورون الأفارقة على المستعمر الغربي وخصوصا فرنسا التي يقولون إنها جعلت من محاربة الإسلام ورموزه جزءا أصيلا من سياستها الثقافية في أفريقيا طيلة عقود من الزمن.

وفيما تزداد الأمور تعقيدا أمام خطوات تراوري فإنها أيضا تكشف عن غياب مشروع نهضوي أو فكري متماسك، عكس كما كان يميز سانكارا، بل تبدو السلطوية وخطاب القوة، والسير المتعجرف بين حقول ألغام السياسة والأمن أبرز ما يميز الثائر الشاب، والعدو الأكثر صراحة للاستعراب الأفريقي حتى الآن.

مقالات مشابهة

  • قرية سورية تتحدث اليونانية.. قصة الحميدية التي حافظت على لغة كريت وعاداتها (صور)
  • الأمم المتحدة: الأمن الغذائي تحسَّن في غزة لكنه لا يزال هشًّا
  • بريطانيا: غزة لا تزال تواجه أزمة غذائية حادة.. وإسرائيل مطالبة بتسهيل دخول المساعدات
  • ما هي تسريحات الشعر التي رسمت ملامح النجمات في صيف 2026؟
  • الخارجية البريطانية: على إسرائيل تمكين دخول المساعدات والسلع إلى غزة بالكميات المطلوبة ‏
  • هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
  • البابا تواضروس يرسم ملامح جيل المستقبل: العلم والانتماء والمعلم أساس بناء شخصية الطفل المصري
  • الولايات المتحدة تقدم مساعدات إنسانية تتجاوز 200 مليون دولار لمؤسستين دوليتين
  • حالة من القلق في واشنطن إزاء الهجمات الحوثية على ناقلات نفط سعودية
  • تصريحات إسرائيلية تثير القلق حول مستقبل جنوب لبنان بعد انتهاء العمليات