كريم وزيري يكتب: صُنع في السماء السابعة
تاريخ النشر: 14th, December 2025 GMT
ليست عقيدة الجيوش نصوصًا جامدة تُحفظ في الأدراج، ولا شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي روح تسكن المقاتل، ومنهج تفكير يسبق السلاح، وإيمان راسخ بأن حماية الدولة مسؤولية لا تقبل المساومة، وعندما نتأمل عقيدة الجيش المصري، ندرك أننا أمام مدرسة خاصة، صُنعت عبر آلاف السنين، وتبلورت بتجارب قاسية، حتى باتت أقرب إلى منظومة قيم وطنية شاملة، يمكن القول إنها صُنعت في السماء السابعة، حيث يلتقي الواجب بالإيمان، والانضباط بالوعي، والقوة بالحكمة.
الجيش المصري ليس وليد اللحظة، ولا نتاج مرحلة سياسية بعينها، بل هو امتداد تاريخي لدولة عرفت معنى التنظيم العسكري قبل أن تُعرف الجغرافيا الحديثة، من جيوش الفراعنة التي حمت مصر علي مر العصور.
العقيدة القتالية للجيش المصري تقرم على مبدأ واضح لا لبس فيه جيش للدفاع لا للعدوان، وهذا المبدأ ليس مجرد توصيف دبلوماسي، بل قاعدة حاكمة لكل ما يُبنى عليه الجيش من تدريب وتسليح وانتشار، فالقوة هنا ليست استعراضًا، وإنما ردع، والجاهزية ليست تهديدًا، بل طمأنة، والرسالة الأساسية هي أن مصر لا تبدأ حربًا، لكنها لا تسمح أبدًا بفرضها عليها.
اللافت في العقيدة المصرية أنها لا تفصل بين الأمن القومي بمعناه العسكري، والأمن الشامل بمعناه الاجتماعي والاقتصادي، فالجندي الذي يحمل السلاح على الحدود، هو ذاته ابن هذا الشعب، الخارج من بيئته، العارف بقيمه وتقاليده، والمدرك أن حماية الوطن تعني أيضًا حماية استقراره ووحدته، ومن هنا جاء الارتباط الوثيق بين الجيش والمجتمع، وهو ارتباط لم تصنعه الدعاية، بل صاغته التجربة، ورسخته اللحظات الفارقة في تاريخ الدولة.
وفي قلب هذه العقيدة تقف فكرة الجاهزية الدائمة، فالجيش المصري لا ينتظر الخطر حتى يتحرك، بل يبني قدراته على افتراضات متعددة، وسيناريوهات متغيرة، وبيئة إقليمية مضطربة، لذلك كان التنوع في مصادر التسليح، والتوازن بين الأفرع الرئيسية، والتحديث المستمر للقدرات، انعكاسًا طبيعيًا لعقيدة تؤمن بأن الاستقلال في القرار العسكري لا يتحقق إلا بالقدرة على الحركة بحرية، دون ارتهان لطرف أو مدرسة واحدة.
لكن السلاح وحده لا يصنع عقيدة، ما يصنعها حقًا هو الإنسان، والمقاتل المصري هو حجر الزاوية في هذه المنظومة، يُربى منذ لحظة دخوله المؤسسة العسكرية على الانضباط، واحترام التسلسل، والإيمان بأن ما يقوم به ليس وظيفة، بل رسالة، ولهذا لا تُقاس كفاءة الجندي فقط بقدرته على تنفيذ الأوامر، بل بوعيه بطبيعة المرحلة، وإدراكه لحساسية الدور الذي يؤديه.
العقيدة المصرية تبرز بوضوح في تعامل الجيش مع التحديات غير التقليدية، وعلى رأسها الإرهاب، فهنا لم يكن الحل أمنيًا صرفًا، بل مقاربة شاملة، تمزج بين القوة العسكرية، والعمل الاستخباري، والتنسيق مع مؤسسات الدولة الأخرى، فالمعركة لم تكن ضد جماعات مسلحة فقط، بل ضد فكر، ومحاولة لاختراق الدولة من الداخل، وهو ما كشف مرونة العقيدة وقدرتها على التكيف دون التفريط في الثوابت.
كما أن العلاقة بين القيادة والجنود تمثل أحد أهم ملامح هذه العقيدة، فهي علاقة تقوم على الثقة المتبادلة، والوضوح، وتحمل المسؤولية، القيادة هنا لا تُدار من أبراج عاجية، بل من الميدان، حيث القرار مرتبط بالواقع، والإنسان حاضر في كل معادلة، وربما كان هذا ما منح الجيش المصري قدرته على الصمود في لحظات الضغط، والعبور من أزمات معقدة دون انكسار.
وحينما نقول إن هذا الجيش صُنع في السماء السابعة، فالمقصود ليس المبالغة، بل الإشارة إلى تلك المنطقة العليا التي تلتقي فيها الأرض بالسماء، والواجب بالعقيدة، والسلاح بالإيمان.
المصدر
المصدر: بوابة الفجر
كلمات دلالية: الجيش المصري القتال كريم وزيري عقيدة الجيش المصري دبلوماسي مؤسسات الدولة جماعات مسلحة مدرسة خاصة مقاربة شاملة جيش المصري الجیش المصری
إقرأ أيضاً:
إنريكي يكتب التاريخ.. باريس سان جيرمان يعتلي عرش أوروبا ويحصد اللقب الثاني تواليًا
واصل باريس سان جيرمان فرض هيمنته على الكرة الأوروبية بعدما توج بلقب دوري أبطال أوروبا للموسم الثاني على التوالي، عقب فوزه المثير على أرسنال الإنجليزي بركلات الترجيح بنتيجة 4-3، في المباراة النهائية التي أقيمت مساء السبت على ملعب بوشكاش آرينا بالعاصمة المجرية بودابست.
وشهد اللقاء إثارة كبيرة منذ الدقائق الأولى، حيث نجح أرسنال في التقدم مبكرًا عبر الألماني كاي هافرتز في الدقيقة الخامسة، بعدما استغل فرصة داخل منطقة الجزاء وسدد الكرة بنجاح في شباك الحارس ماتفي سافونوف.
ورغم البداية القوية للفريق اللندني، عاد باريس سان جيرمان تدريجيًا إلى أجواء المباراة، ونجح في إدراك التعادل خلال الشوط الثاني عن طريق النجم الفرنسي عثمان ديمبيلي في الدقيقة 64 من ركلة جزاء نفذها بإتقان على يمين الحارس دافيد رايا.
واستمرت النتيجة على حالها حتى نهاية الوقت الأصلي، قبل أن يلجأ الفريقان إلى شوطين إضافيين لم ينجح أي منهما في استغلال الفرص التي أتيحت له، لتبقى النتيجة متعادلة بهدف لكل فريق، ويحتكم الطرفان إلى ركلات الترجيح لحسم هوية البطل.
وفي اللحظات الحاسمة، أظهر لاعبو باريس سان جيرمان شخصية قوية وثباتًا كبيرًا، لينجحوا في حسم ركلات الترجيح بنتيجة 4-3، ويظفروا بالكأس الأغلى على مستوى الأندية الأوروبية للمرة الثانية تواليًا.
ويحمل هذا الإنجاز قيمة تاريخية للنادي الباريسي، الذي أصبح الأكثر تتويجًا بلقب دوري أبطال أوروبا بين الأندية الفرنسية، متجاوزًا إنجاز مارسيليا، ومؤكدًا مكانته كقوة كبرى على الساحة القارية خلال السنوات الأخيرة.
كما منح هذا اللقب المدرب الإسباني لويس إنريكي إنجازًا جديدًا في مسيرته التدريبية، بعدما قاد الفريق إلى الحفاظ على التاج الأوروبي للعام الثاني على التوالي، في تأكيد واضح على نجاح مشروعه الفني وقدرته على بناء فريق قادر على المنافسة وحصد الألقاب الكبرى.
وكان أرسنال قد بلغ النهائي بعد تجاوز أتلتيكو مدريد في نصف النهائي بنتيجة 2-1، بينما شق باريس سان جيرمان طريقه نحو المباراة النهائية عقب انتصاره المثير على بايرن ميونخ بنتيجة 6-5، ليختتم مشواره الأوروبي بأفضل صورة ممكنة ويتوج موسمه بلقب جديد سيدخل به سجلات التاريخ.