استراتيجية ترامب الأمنية
تاريخ النشر: 14th, December 2025 GMT
علي الرئيسي
أصدر البيت الأبيض استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتتكون الاستراتيجية من 33 صفحة، يرى المراقبون أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تؤمن بالمستقبل؛ لذلك لا ترى ضرورة للاستثمار فيه.
وتكشف استراتيجية الأمن القومي عن أهداف شاملة دون تحديد موارد أو جداول زمنية أو آليات.
إن الطموح واضحٌ جليّ: "يجب أن تكون جميع سفاراتنا على دراية بفرص الأعمال التجارية الكبرى في بلدانها، ولا سيما العقود الحكومية الضخمة. هذا ما تنص عليه استراتيجية الأمن القومي. وينبغي على كل مسؤول حكومي أمريكي يتعامل مع هذه الدول وأن يُدرك أن جزءًا من وظيفته هو مساعدة الشركات الأمريكية على المنافسة والنجاح". لقد تحولت الدبلوماسية رسميًا إلى عملية لتطوير الأعمال.
تحدد استراتيجية الأمن القومي بتحديد "المواقع والموارد الاستراتيجية" في نصف الكرة الغربي للاستغلال، وتصف صحيفة "لوموند" الفرنسية ذلك بـ"الافتراس الاقتصادي". الاستراتيجية تعيد إحياء "مبدأ مونرو" الذي يجعل من نصف الكرة الغربي- وبالذات أمريكا الجنوبية والوسطى- مجالًا حيويًا للولايات المتحدة. وتزعم الاستراتيجية أن أهم المخاطر في تلك المنطقة تتمثل في الهجرة وتهريب المخدرات وقيام روسيا والصين من الاستفادة من موارد المنطقة.
ومما يغضب المحللين الغربيين أن الاستراتيجية تغفل تمامًا التنافس بين الدول العظمى كإطار للعلاقات الدولية. وهذا يعكس من وجهة نظرهم تخلِّى الولايات المتحدة بشكل خفي عن مشروع تشكيل النظام الدولي. كما تُعيد استراتيجية الأمن القومي توجيه خطابها الحاد نحو أوروبا، بينما تُخفِّف بشكل ملحوظ من حدة لهجتها تجاه روسيا وغيرها من الخصوم. وتحذر من أن أوروبا تُخاطر بـ"المحو الحضاري" من خلال الهجرة و"الاختناق التنظيمي". وتطالب الاستراتيجية الأوروبيين بتحمل "المسؤولية الأساسية" عن دفاعهم عن أنفسهم، بينما تُعلن في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة ستُعزز المقاومة للاتجاهات السياسية الحالية في أوروبا، من خلال دعم الأحزاب القومية والشعبوية في دول الاتحاد الأوروبي.
تركيز الاستراتيجية على أن الهجرة أو ما تسميه الاستراتيجية بـ"الغزو" وبالذات من الدول الإسلامية وآسيا وأفريقيا، ستُحوِّل أوروبا إلى قارة غير بيضاء، وهذا ما تقصده بـ"المحو الحضاري"، وهو نفس التعبير الذي استخدمه هتلر في كتابه "كفاحي"؛ أي أن ما يُريده ترامب هو ان تتخلص أوروبا من العرب والمسلمين والمهاجرين من أفريقيا وآسيا، حسب ما ذهب إليه توماس فريدمان في مقاله في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.
بالنسبة للشرق الأوسط، تدعي الاستراتيجية أنها تعارض الليبرالية العالمية، أي أن مبادئ الليبرالية لن تكون أساسًا للعلاقات الدولية وبالذات قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية (حيث كانت الإدارات السابقة تبتزّ الدول باسم نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان).
تقول الاستراتيجية إن الفترة التي كان فيها الشرق الأوسط يُهيمن على السياسات الأمريكية قد انتهى، ولم تعد أمريكا تحتاج إلى نفط المنطقة، غير أنها لن تسمح بدول معادية بالسيطرة على إمدادات الطاقة، كما إنها ستحافظ على حرية الملاحة وبالذات في مضيق هرمز والبحر الأحمر. طبعًا لا تغفل الاستراتيجية ضمان امن إسرائيل وتفوقها.
أما بالنسبة لإيران، تزعم الاستراتيجية أن إيران عامل عدم استقرار في المنطقة، ولكن البرنامج النووي الإيراني لم يعد يُشكل تهديدًا حقيقيًا، وأن إسرائيل ستعمل على احتواء المخاطر الإيرانية.
وتُفوّض الاستراتيجية المزيد من أعباء الأمن وإعادة الإعمار إلى الشركاء الإقليميين. وتتوقع من دول الخليج العربي تحمُّل الجزء الأكبر من مسؤولية إعادة إعمار غزة وسوريا.
وتعتمد الاستراتيجية على علاقات قائمة على المصالح المشتركة؛ حيث تدعو إلى قبول المنطقة وقادتها ودولها كما هي، مع العمل معًا في المجالات ذات الاهتمام المشترك.
وتنص الوثيقة على أن الولايات المتحدة ستتخلى عن "تجربتها الخاطئة في استبدال" الدول، وخاصة في المنطقة العربية، بهدف حملها على التخلي عن أنظمة حكمها التقليدية. وتؤيد تشجيع الإصلاح فقط عندما "ينشأ بشكل طبيعي".
وتتبنى الاستراتيجية رؤيةً لتعزيز التكامل الاقتصادي، مؤكدةً أن المنطقة ستصبح مركزًا متزايدَ الأهمية للاستثمارات الدولية في مختلف القطاعات؛ بما يتجاوز النفط والغاز، وتشمل: الذكاء الاصطناعي، ومعالجة المعادن الأرضية النادرة، والطاقة النووية، وتقنيات الدفاع.
باختصار.. تُشير الاستراتيجية إلى تحولٍ من التدخل العسكري واسع النطاق والتدخل السياسي في الشرق الأوسط نحو نهجٍ أكثر تركيزًا وفعالية، يعتمد بشكلٍ كبير على الشركاء الإقليميين لإدارة الأعباء الأمنية، مع إعطاء الأولوية للفرص الاقتصادية.
وتبقى الهجرة والمهاجرون الشغل الشاغل للإدارة الحالية؛ حيث بات واضحًا أن ما يشغل الإدارة هو ليس الصراع والتنافس مع الصين وروسيا، ولكن السيطرة على الهجرة والمهاجرين وبالذات من أمريكا اللاتينية، الذين يهددون هيمنة الجنس الأبيض الأوروبي على الولايات المتحدة، وكذلك هجرة العرب والمسلمين والأفارقة والآسيويين إلى أوروبا.
** باحث في قضايا الاقتصاد والتنمية
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
إسلام آباد تدين الهجوم الحوثي.. ولي العهد السعودي يتلقى اتصالا من رئيس وزراء باكستان
جدّدت باكستان إدانتها لاستهداف الميليشيات الحوثية سفينة سعودية في البحر الأحمر، وذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، من رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، الذي جدّد إدانة بلاده للهجوم، مؤكداً رفض إسلام آباد أي تهديد يستهدف حرية الملاحة البحرية، ودعمها الثابت والحازم لأمن المملكة وسيادتها.
وقالت المصادر السعودية إن الجانبين بحثا، خلال الاتصال، مستجدات الأوضاع الإقليمية، والجهود الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
وفي منشور على حسابه الرسمي بمنصة «إكس»، قال شريف: «إنني، إلى جانب المشير الميداني سيد عاصم منير، والشعب الباكستاني بأسره، نقف بثبات وعزم إلى جانب القيادة السعودية والشعب السعودي الشقيق في هذه المرحلة الحساسة».
وأضاف: «أن الجانبين اتفقا على مواصلة العمل والتنسيق الوثيق من أجل الحفاظ على الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة، وضمان انسياب حركة التجارة البحرية المشروعة عبر البحر الأحمر ومضيق هرمز والمنطقة بأسرها»