الناظر إلى تضاريس ولاية الجبل الأخضر الصعبة والجبال الشامخة في علوها وصلابتها، وجماليات المدرجات الزراعية، والأفلاج التي شقت على سفوح الجبال لسقي البساتين والمزروعات، تنعكس أمامه مشاهد كفاح الإنسان العماني، وبراعته وصبره في التعاطي مع الطبيعة وتذليل التحديات من أجل العيش والحياة بكرامة وعرق الجبين، وتوفير قوت يومه مما تجود به الأرض.

في الجبل الأخضر، تصنف الأفلاج بـ (العينية)، أي أن منابعها العيون المائية التي تنبع من الجبال، في تنصيف مغاير لمعظم الأفلاج في سلطنة عمان التي تصنف غالبيتها بالأفلاج (الداوودية والغيلية)، حيث شق لها المزارعون منذ الآف السنين، سواقي الأفلاج لتجري من منابعها لسقي المزروعات والأشجار التي زرعت في المدرجات، بطريقة هندسية غاية في الإبداع والتخطيط.

حكاية كفاح

حكاية شق الأفلاج وصنع المدرجات الزراعية على سفوح وقمم الجبل الأخضر، تروي سنين من العمل، توارثها أبناء ولاية الجبل الأخضر على مر السنين، لتضع أمام الأجيال حكاية الإنسان مع الطبيعة، وكيف أن الإنسان العماني كافح من أجل تطويع الطبيعة لظروف العيش، والاستفادة من طقس الجبل الأخضر المعتدل ليكون لوحة من الجمال على سفوح الجبال.

وقال حامد بن أحمد المياحي من سكان قرية العيينة بالجبل الأخضر: كل الأفلاج في الولاية (عينية)، مصدرها العيون المائية المنتشرة في الجبل، ومد الأجداد قبل آلاف السنين القنوات المائية من هذه العيون، لري المزروعات في المدرجات والمسطحات على الجبال، بطريقة هندسية تقف شاهد عيان إلى اليوم على براعة الإنسان العماني.

وأضاف: أتذكر قبل أكثر من 70 سنة عندما كنت أشارك آبائي وأجدادي في صيانة الأفلاج، وتأهيل المدرجات الزراعية، حيث كانت الطرق بدائية ولا نملك المعدات ولا الأدوات التي نحمل فيها المواد من حجارة أو تربة طينية، فقد كنا ننقل التربة الزراعية للمدرجات الخضراء والطين والحجارة على ظهورنا لصيانة الأفلاج وترميم المدرجات.

وأوضح أن العمل كان في السابق جماعيا، يشارك فيه الرجل والمرأة والأطفال، إذ يتكاتف الأهالي في كل شيء، فقد كنا نحمل الأتربة في (القفير) على ظهورنا، حتى الدواب كان لا يمكلها الجميع، ومن يملك دابة كان يستخدمها لجلب المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية من نزوى وبركة الموز إلى قمم الجبل الأخضر، أما أعمال صيانة الأفلاج والمدرجات، فقد كان الإنسان فقط من يقوم بكل تلك الأعمال.

إرث تاريخي

وأكد المياحي أن ما يراه الناس اليوم من مدرجات زراعية خضراء وجميلة وأفلاج جارية تروي المزروعات، لم تصل إلى هذا الجمال لولا كفاح الأهالي وعملهم على إيجاد هذه الأفلاج والمدرجات والحفاظ عليها منذ آلاف السنين حتى اليوم، عبر الصيانة المستمرة والعمل على بقائها كإرث تاريخي وحضاري توارثته الأجيال جيل بعد جيل.

وأشار إلى أن هناك العديد من الأفلاج في الجبل الأخضر بينها أفلاج وادي بني حبيب وسيق والعين وأبوكبير، والشريجة ولعور، وفلج القنتي، حيث تسقي هذه الافلاج قرى الجبل الأخضر إضافة إلى العيون المائية، والشعاب.

نظام السقي

وقال المياحي: في قديم الزمان كان السقي عبر نظام (الصحلة)، وهو عبارة عن نظام يشبه المكيال تقاس به المدد التي يتم فيها سقي المزارع تقسيما بين القرى والبلدات، وفي الوقت الحالي تغير النظام بالوقت.

وأوضح أن الكثير من العيون جفت وبسبب جفافها توقفت الكثير من الأفلاج عن الجريان، وبين أن قلة الأمطار في السنوات الأخيرة أدت لجفاف العيون التي تعتبر المصدر الرئيسي للأفلاج.

وطالب المياحي الجهات المعنية بإنشاء مزيد من السدود للحفاظ على المياه والتغذية الرجعية للعيون المائية، التي بدورها تسهم في الحفاظ على المزروعات.

مزروعات وفواكه

وتطرق حامد بن أحمد المياحي إلى المدرجات الخضراء والاهتمام بالزراعة في الجبل الأخضر، وقال: حرص الأهالي في الجبل الأخضر عبر التاريخ، على زراعة أنوع من الفاكهة مثل الرمان والعنب والخوخ والمشمش والزيتون والتين، والورد ومحاصيل موسمية متنوعة لسداد احتياجاتهم الغذائية، موضحا أنه عبر السنين قام الأهالي بتطوير المزروعات من خلال جلب شتلات ذات جودة وإنتاجية أكبر.

وأوصى المياحي الشباب بالحفاظ على موروث الأجداد، مؤكداً أن الأفلاج والمدرجات الزراعية في الجبل الأخضر، واحدة من أهم الموروثات العمانية، وهي نتاج عمل الأجداد وبراعتهم الهندسية، وعلى الأجيال أن تواصل الحفاظ على هذا الموروث الأصيل، والعمل على بقائه للأجيال القادمة، مؤكداً أن على الشباب أن يعتاد على العمل والزراعة، والكسب من الأرض، وعدم الاعتماد على الوافد في كل شيء.. موضحا: أن هذا التاريخ الأصيل الضارب في القدم، لن يدوم إلا بأهله، والحفاظ على الأرض والزراعة والأنظمة المعقدة في صيانة المدرجات والأفلاج والعيون مسؤولية الأجيال.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی الجبل الأخضر

إقرأ أيضاً:

الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة

أعرب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك عن قلق المنظمة البالغ إزاء التهديدات الجديدة التي أطلقتها مليشيا الحوثي الإرهابية ضد المملكة العربية السعودية وحرية الملاحة في ممرات الشحن الحيوية في البحر الأحمر، محذرًا من خطر حدوث تصعيد إقليمي أوسع نطاقًا.

وأفاد أن الأمم المتحدة تشعر أيضًا بقلق عميق إزاء عودة الأعمال العدائية وتجدد التصعيد في أنحاء واسعة من المنطقة، مشددًا على أن خفض التصعيد الفوري أمر ضروري.

وقال: “يجب على جميع الأطراف احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني”، مجددًا دعوة الأمم المتحدة إلى حث جميع الأطراف على معالجة خلافاتها من خلال الحوار والدبلوماسية”.

وأضاف” إن أي تعطّل في الملاحة في البحر الأحمر سيؤثر في تدفق شحنات الأمم المتحدة، ولا سيما المواد الإنسانية ومستلزمات عمليات حفظ السلام”، محذرًا من أن التأثير الأوسع سيكون على التجارة العالمية، وتجارة الطاقة، وحركة التجارة عمومًا.

وأشار دوجاريك إلى أن هذه التطورات تأتي في وقت يشهد فيه العالم بالفعل تأثير الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، وما يترتب على ذلك من تداعيات على الاقتصاد العالمي.

جريدة الرياض

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/07/23 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة كبسولة سكنية تحت الماء تمهد لإقامة بشرية طويلة فى أعماق البحار2026/07/23 آبل تستعد لإطلاق أول هاتف قابل للطي باسم آيفون ألترا2026/07/23 نموذج “GPT-5.6 Sol” من OpenAI يخترق ضوابط الأمان ويهجم على أنظمة خارجية2026/07/23 بيكهام وشاكيرا أعلى المشاهير ربحًا في كأس العالم 20262026/07/23 بعد تيك توك.. Snap تتوصل إلى تسوية في قضية إدمان وسائل التواصل الاجتماعي2026/07/23 جوجل تكشف عن جيل جديد من نماذج Gemini بقدرات فائقة في الأمن السيبراني2026/07/23شاهد أيضاً إغلاق عالمية ميتا تختبر تطبيقًا بالذكاء الاصطناعي لإنشاء قصص الأطفال قبل النوم 2026/07/22

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

مقالات مشابهة

  • الجيش الأمريكي يكشف الأهداف التي قصفها بإيران لليلة الـ13 تواليا
  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • الأخضر بكام الآن؟.. سعر الدولار مقابل الجنيه المصري اليوم الجمعة 24 يوليو 2026
  • حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
  • انطلاق فعاليات المؤتمر السنوي الثالث عشر لمستشفى طب وجراحة العيون بدمياط
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • وزيرة البيئة تبحث خطة تطوير المحميات مع "الهابيتات" وصون الطبيعة