صحيفة التغيير السودانية:
2026-06-03@03:56:14 GMT

الهدنة.. جاهزة للتوقيع..

تاريخ النشر: 25th, October 2025 GMT

الهدنة.. جاهزة للتوقيع..

أحمد عثمان جبريل

 السلام ليس غياب الحرب، بل فضيلة في العقل، وحالة من الثقة والعدل..

سبينوزا

 1.

في لحظة ما، بدا حلم السودانيين كحالة جماعية أن تتوقف أصوات المدافع وصدى الرصاص في كل مدن السودان.. تلك الأصوات التي بدأت وكأنّها أصبحت جزءًا من روتين سوداني يومياً، اعتاد الشعب سماعه، وكأن هذه الحرب أصبحت قانون الطبيعة.

. لكن اليوم يلوح في الأفق أمل جديد، ألا وهو “إعلان عن هدنة قادمة وجاهزة للتوقيع في واشنطن”.. هدنة تحمل وعدًا باحتمالية توقف الدم، وتفتح باب الأمل لعائلات أنهكتها سنوات النزاع والنزوح.. لكن هل ستكون “الهدنة” مجرد كلمات على الورق أم بداية حقيقية للسلام؟ هذا هو السؤال الذي بدأ يؤرق كل سوداني.

 2.

منذ اندلاع الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، عاش السودانيون مأساة متواصلة، ملايين النازحين داخليًا وخارجيًا، بنى تحتية مدمرة، ومحاولات لوقف إطلاق النار انتهت سريعًا.. لكن المبادرة الرباعية هذه المرة يبدو أنها مكشرة عن أنيابها، حيث قدمت خارطة طريق واضحة “هدنة أولية ثلاثة أشهر، تليها خطوات نحو هدنة دائمة، ثم مرحلة انتقالية بقيادة مدنية، ما يجعل توقيع الهدنة ممكنًا إذا توافرت الإرادة الحقيقية.”

 3

لكن إعلان “جاهزية التوقيع” لا يعني أن الحرب توقفت، فالاختبار الحقيقي يكمن في التنفيذ.. فتح الممرات الإنسانية، مراقبة حيادية لوقف إطلاق النار، ضمانات بعدم الانتقام السياسي أو العسكري، وهذه هي معايير النجاح التي تحدد ما إذا كانت الورقة ستصبح حقيقة ملموسة أو مجرد شعار فارغ.

4

في المقابل، هناك من يجد في استمرار الحرب مصلحة، ليس بالضرورة عبر البنادق، بل من خلال النفوذ السياسي أو الاقتصادي أو الديني، وهو واقع يؤكد أن بعض القوى السياسية والإسلام السياسي ستعمل على عرقلة الهدنة قبل التوقيع وبعده، محاولين الحفاظ على امتيازاتهم وتقييد مشاركة الدولة المدنية، وهو ما يجعل الطريق إلى السلام محفوفًا بالتحديات الكبرى.

 5

ولذلك من الطبيعي أن يتساءل القارئ السوداني، السؤال المحوري.. هل هذه الهدنة فرصة حقيقية لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمساءلة، أم أنها مجرد وسيلة لإعادة ترتيب النفوذ بين النخب؟ هل سنختار صفحة جديدة من الحرية والأمان، أم نواصل الانقسام الذي استنزف الأمل؟

 6

التاريخ الحديث يعلمنا أن جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة لن تتنازل بسهولة عن السلطة، ورفضها لأي عملية انتقالية مدنية يمثل تهديدًا متواصلاً للسلام، وقد تتحرك سرًا وعلانية لتقويض أي اتفاق، مما يجعل من تنفيذ الهدنة مهمة ليست سهلة، بل معركة سياسية وفكرية قبل أن تكون عسكرية.

7

الجانب الإنساني أكثر إلحاحًا.. كل يوم تأجيل للسلام يعني أطفالًا نائمين على الأرض، عائلات مشردة، مستقبل يتآكل، ومجتمع دولي غالبًا صامت، يترك السودانيين وحدهم في مواجهة البنادق.. وهذا الواقع الصادم يوجب على كل مواطن أن يعي أن النجاح في السلام لا يعتمد على الورق، بل على الممارسة اليومية للعدالة والإنسانية.

 8

النجاح الحقيقي للهدنة لن يُقاس بالتوقيع فقط، بل بفتح الممرات الإنسانية، عودة النازحين، مشاركة سياسية حقيقية، شفافية ومساءلة، وحرية التعبير. أي إخفاق في هذه الخطوات سيكتب على أنه ليس فقط فشل العسكريين في الميدان، بل أيضًا فشل من في الغرف المغلقة الذين لم يمدوا يد السلام.

 9

المعلومات المؤكدة من مصادرنا الدبلوماسية تقول، إن إعلان “الهدنة جاهزة للتوقيع” هو نداء إلى العقل والضمير السودانيين، إلى الشعب الذي أنهكته الحرب وحلم بالسلام طويلًا، فهو لحظة اختبار حقيقي.. هل سيختار السودانيون كتابة صفحة نهوض الوطن، أم الاستسلام لدائرة الانقسامات التي أطاحت بالأمل؟.

ما يجب أن نقوله هنا “أن السلام ليس أمنية مؤجلة، بل حقيقة تنتظر من يكتبها بخطوط ثابتة، والتوقيع ليس مجرد نص، بل توقيع على حق الحياة، الحرية، والمستقبل الذي طال انتظاره.

إنا لله ياخ.. الله غالب.

الوسومأحمد عثمان جبريل

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

إقرأ أيضاً:

ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟

 

حين قررت إدارة ترامب وضع ملفي سوريا والعراق في حقيبة دبلوماسية واحدة وتسليمها لتوم باراك، لم تكن مجرد تسمية لمبعوث جديد، بل كانت إعلانًا صريحًا عن تغيير قواعد اللعبة في المشرق العربي. واشنطن اليوم تقلب الطاولة على أساليبها القديمة؛ وبدلاً من سياسة العقوبات والضغط المستمر، يبدو أنها تتجه نحو تفاعل مباشر قد يشمل صفقات وتقاربات غير متوقعة.
​الأهم هنا هو الوعي الأمريكي المستجد بأن دمشق وبغداد ملف واحد لا ينفصل، وأن إدارة هذه المنطقة لا يمكن أن تنجح بالانفراد، بل من خلال نسج شبكة مصالح مشتركة تجمع تركيا وسوريا والعراق معاً.
​هذا التحول يضع المنطقة أمام سيناريوهين: إما نجاح هذه الهندسة السياسية وبالتالي محاصرة النفوذ الإيراني وتقليص الدور الروسي لصالح عودة أمريكية قوية، أو الفشل الذي سيعني ارتداداً عنيفاً يغرق المنطقة في موجة توتر جديدة.
​المحك الحقيقي الآن لا يكمن في ذكاء الخطة، بل في قدرة إدارة ترامب على توفير الدعم والنفَس الطويل لتنفيذها، فهل نحن أمام رؤية استراتيجية متكاملة، أم مجرد مسكّن مؤقت للأزمة؟ الإجابة لن تتأخر كثيراً، وستكتبها التحركات الأولى لتوم باراك على الأرض وردود الفعل القادمة من دمشق وبغداد.

حين تبحث في كواليس واشنطن عن تفسير لجرأة التحركات الأخيرة في المشرق العربي، ستجد أن الإجابة تبدأ من طبيعة الرجل الذي اختاره ترامب لهندسة هذه المرحلة، وهو أن توماس باراك لا ينتمي إلى تلك الطبقة التقليدية من الدبلوماسيين الذين يديرون الأزمات بالورقة والقلم من خلف المكاتب المغلقة، بل هو أقرب لعقلية برجل الصفقات الميداني الذي يمتلك توليفة استثنائية من النفوذ السياسي والخلفية الشخصية، جعلته الأداة الأنسب لقلب الطاولة في المنطقة، و​هذا النفوذ يترجمه باراك اليوم من فوق مقعده كسفير للولايات المتحدة في أنقرة، وهو موقع يمنحه بالتبعية مفاتيح رئيسية للتحكم في خيوط الملف السوري، فبعد أن تسلم ملف سوريا كمبعوث خاص، جاء القرار الأخير بتوسيع صلاحياته ليشمل العراق أيضاً، ليصبح الرجل بمثابة المايسترو الذي يدمج الساحتين لأول مرة تحت رؤية تنسيقية واحدة ونافذة.

​لكن أبعد من المناصب هناك بعد إنساني وثقافي يمنح باراك تفوقاً نوعياً، فالرجل الذي يعود بجذوره إلى أصول لبنانية يفهم جيداً الشفرة الاجتماعية والسياسية للمجتمعات العربية، ولديه قدرة أعلى على بناء الجسور والتحدث بلغة يفهمها الفاعلون على الأرض، بعيداً عن الجفاء الدبلوماسي الغربي المعتاد، ​ومع ذلك لا ينبغي إغفال العقلية التي تحركه فباراك يتحرك بعقيدة سياسية صارمة تلخصها مدرسة أمريكا أولاً، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية ماركو روبيو بوضوح حين وضعه في خانة الموثوقين القادرين على تطويع هذه الأوراق المعقدة لصالح واشنطن، فنحن إذن أمام شخصية تجمع بين مرونة الجذور وحسم الأجندة، مما يجعله المحرك الفعلي لأي نظام إقليمي جديد يتشكل في دمشق وبغداد.

أما عن الجمع بين سوريا والعراق في حقيبة دبلوماسية واحدة ليس مجرد ترتيب إداري لتخفيف زحام المبعوثين، بل هو اعتراف أمريكي بواقع الأرض، فواشنطن أدركت أخيراً أن الفصل بين بغداد ودمشق كان خطأً استراتيجياً، طالما أن الحدود بينهما تكاد تكون ملغاة فعلياً أمام تحركات السلاح والفصائل وشبكات النفوذ، ​من هنا تسعى إدارة ترامب لفرض نفسها كوسيط وحيد لإدارة التنسيق الأمني والعسكري بين الدولتين، وهي خطوة ذكية لسحب هذا الملف من يد أطراف إقليمية أخرى، والأهم أن هذه المظلة الموحدة ستمنح واشنطن ورقة ضغط قوية، فبدلاً من تفاوضها مع كل دولة على حدة، ستصبح حوافز مثل رفع العقوبات أو أموال إعادة الإعمار عبارة عن صفقة إقليمية واحدة وشاملة، تُعرض على دمشق وبغداد معاً مقابل ثمن سياسي وأمني محدد.

واتذكر حين رفع ترامب العقوبات عن سوريا في مايو 2025، فكان يمهد لسياسة جديدة قائمة على الصفقات المباشرة، ومنذ ذلك الوقت بدأ توماس باراك يتحرك لفتح القنوات المغلقة مع دمشق، وجاء قراره الأخير ليوكد أن واشنطن تريد تحويل هذا التقارب إلى مسار دائم، و​الفكرة هنا بسيطة وذكية فبدلاً من ترك دمشق مجبرة على الارتماء في أحضان روسيا وإيران بسبب العزلة، قررت إدارة ترامب أن تجلس مع النظام السوري على طاولة حوار واحدة، لأن أمريكا تدرك أن أفضل طريقة لإبعاد طهران وموسكو هي تقديم بدائل حقيقية لدمشق، واللعب على ورقة الاستقرار ومحاربة التطرف، لتضمن واشنطن في النهاية أنها أصبحت اللاعب الأهم في المنطقة.

وأن جمع باراك بين منصب السفير في أنقرة ومهمته الجديدة في سوريا والعراق ليس مجرد جمع بين وظيفتين، بل هو اعتراف ذكي من واشنطن بأن مفاتيح الحل في المشرق العربي تمر حتماً عبر تركيا، فإدارة ترامب تدرك أنك لا تستطيع تفكيك العقدة السورية دون وجود شريك إقليمي قوي بوزن أنقرة على نفس الطاولة، 
و​الخطة هنا تعتمد على استغلال النفوذ التركي لترتيب الأوراق، بحيث تلعب أنقرة دور الجسر الذي يساعد في إعادة إدماج سوريا في محيطها العربي، وهذا التنسيق الثلاثي الناشئ بين واشنطن وأنقرة ودمشق يهدف إلى خلق معادلة مصالح جديدة، تضمن لتركيا أمن حدودها، ولأمريكا تقليص خصومها، ولدمشق العودة للمشهد، مما قد يفتح الباب أخيراً لتسوية حقيقية للأزمة السورية بعيداً عن التدخلات الخارجية الأخرى.

وما زلت اتذكر حين صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن باراك هو الرجل الأنسب لتطبيق أجندة أمريكا أولاً في المنطقة، لم يكن يتحدث بشعارات انتخابية، بل كان يلخص الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في كلمتين الا وهي دبلوماسية أقل كلفة ومكاسب أكبر، و​الفكرة هنا قائمة على فلسفة بسيطة وهي واشنطن لم تعد مستعدة لإنفاق تريليونات الدولارات في حروب عسكرية لا تنتهي بالشرق الأوسط، والبديل الذكي هو استخدام الدبلوماسية والصفقات المباشرة لحماية مصالحها الأساسية، وباراك سيتحرك لتركيز الجهود الأمريكية حول ملفات محددة ومباشرة، مثل مكافحة الإرهاب، تأمين خطوط الطاقة، وقطع الطريق أمام النفوذ الصيني والإيراني المتزايد، وهذا التحول المرن يسمح لإدارة ترامب بتحقيق أهدافها الإقليمية بأقل خسائر ممكنة، وفي نفس الوقت إعادة توجيه الموارد والتركيز نحو الداخل الأمريكي.

إذا جمعنا كل هذه الخيوط والمؤشرات معاً، وقارنا هذا التحرك بما كان يحدث في الماضي، يبدو واضحاً أن ما يفعله ترامب اليوم عبر توماس باراك ليس مجرد تبديل وجوه، بل هو انقلاب كامل في طريقة تفكير واشنطن تجاه منطقتنا، واننا أمام قواعد لعبة جديدة تماماً تختلف عن كل ما عشناه مع الإدارات الأمريكية السابقة.
ف​الملفات التي كانت واشنطن تديرها بالقطعة، فتقارب سوريا بمعزل عن العراق، صُهرت اليوم في بوتقة واحدة، والمنصب نفسه لم يعد مجرد لقب لمبعوث تقليدي، بل تحول إلى تفويض رئاسي ثقيل يتحرك به باراك وهو لا يزال ممسكاً بمقعد السفارة في أنقرة، ما يعني أن الدور التركي لم يعد على الهامش بل أصبح في قلب الطاولة.

و​لكن التحول الأبرز يكمن في العقلية نفسها، فالإدارة الأمريكية تجاوزت أخيراً لغة العقوبات والضغط التي أثبتت عقمها، لتفتح الباب لرفع القيود والتقارب المباشر، ولم تعد المعركة مقتصرة على فكرة مواجهة إيران من بعيد، بل تحولت إلى بناء تفاهمات عملية مع دمشق وبغداد على أرض الواقع، و​هذا التغيير يعكس نضجاً سياسياً مختلفاً لإدارة ترامب باتباعه استراتيجية واقعية تبحث عن الصفقات الممكنة بدلاً من الغرق في الشعارات، وتؤكد أن واشنطن قررت أخيراً أن تدير مصالحها في الشرق الأوسط بعيون ترى الواقع كما هو، لا كما تتخيله المكاتب المغلقة.

مقالات مشابهة

  • هدنة الضاحية صامدة وتراجع حرب الغارات والمسيَّرات جنوباً.. حزب الله: وقف شامل للحرب وانسحاب الاحتلال
  • العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
  • قبل ودية مصر.. «أنشيلوتي»: البرازيل جاهزة للتحدّي.. و«نيمار »يقترب من العودة قبل كأس العالم
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • السعودية وعُمان.. النموذج الخليجي المتقدم
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • لكل زمان بلعمه: المفكر المحصّن وتراجيديا السقوط الطوعي
  • التوابل ليست مجرد نكهات وفوائدها لصحة الجسم كبيرة
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟