الجزيرة:
2026-06-03@00:25:53 GMT

الحاجة لـنظرية جديدة للمجتمع المدني العربي

تاريخ النشر: 12th, December 2025 GMT

الحاجة لـنظرية جديدة للمجتمع المدني العربي

لا تدعي هذه المقالة، إسهاما تأسيسيا لنظرية جديدة للمجتمع المدني العربي (الفلسطيني بخاصة)، ولا تحتمل دورا كهذا، بيد أنها إسهام في مراجعة جذرية يتعين على نشطاء هذا المجتمع ومنظريه، القيام بها، في ضوء حصاد تجربة الثلاثين عاما الفائتة، وبالأخص، ما شهده العامان الأخيران، من تطورات وانقلابات في المشهدين؛ الإقليمي والدولي، إثر طوفان الأقصى وحرب التطهير والإبادة.

بعض من دروس

شهد المجتمع المدني العربي طفرة واسعة في العقود الثلاثة الأخيرة، استحدثت انقلابا في مكوناته وطبيعة القادمين الجدد إلى ملعبه، وتبدلا في توازنات القوى بين أركانه، تزامنا مع انطلاق مسار برشلونة للشراكة المتوسطية، الذي تزامن وتوازى، مع الاختراق الحاصل في مسار مدريد، وصولا لأوسلو ووادي عربة.

غابت المنظمات ذات العضوية الجماهيرية الواسعة من نقابات واتحادات على اختلاف تصنيفاتها عن الواجهة، لتحل محلها، مؤسسات ناشئة، غالبيتها العظمى، تدور حول شخص واحد، أو حفنة قليلة من الأشخاص، الذين لا صفة تمثيلية لهم، بخلاف النقابات والاتحادات.

مؤسسات طغى على الكثير منها سمة "المؤسسة العائلية- Family Businesses"، أغدق عليها المانحون أموالهم، وحجبوها عن منظمات وازنة، إن لعوائق قانونية وإدارية، أو لمواقف مسبقة لهذه المنظمات من "التمويل الأجنبي"، وغالبا لمخاوف لدى مجتمعات المانحين، من ذهاب أموال دافعي الضرائب في بلدانهم، إلى غير الأهداف والبرامج التي يتطلعون لتنفيذها.

تكفي الإشارة إلى حالة تسيدت فيها جمعيات- لا تضم أكثر من حفنة من الأفراد- المشهد المحلي، وبما يفوق أدوار منظمات جماهيرية راسخة، عمر بعضها من عمر استقلالات بعض البلدان العربية.

ستتراجع فكرة "العمل التطوعي" في أوساط الشباب والأجيال الناشئة، تحت وابل كثيف من الأموال، وقدر نادر من المحاسبة والشفافية والمساءلة، وستصبح هذه المؤسسات هدفا لموجات من "الهجرة" من الأحزاب السياسية الجدية، المكلفة في الغالب- لا سيما في دول الفساد والاستبداد- إلى فضاءات العمل المدني المريح، مدفوع الأجر تحت مسميات مختلفة، ولتصبح قاعات الفنادق الفاخرة، بديلا عن الاحتشاد في الشوارع والميادين، والعمل بين صفوف الناس في مواقعهم.

إعلان

وستعمل حكومات وأنظمة عدة، على إغراق المجتمع المدني بمؤسسات من صنعها، وتحت إدارتها وإشرافها، إن بهدف مقاسمة المجتمع المدني الفاعل موارده، أو بالأحرى، لتجفيف موارد هذا النوع من مؤسسات المجتمع المدني، أو للعمل على احتوائه وتدجينه، وتوظيفه في غير "تفويضه" و"وظيفته" كفاعل مستقل بين المواطنين والسلطة التنفيذية. ستصبح ألوف وعشرات الألوف من هذه المؤسسات، أدوات للتشغيل ووسيلة لامتصاص فائض العمالة، ووظيفة لمن لا وظيفة له.

وسيجري استخدام المال المرصود لدولنا من المنح والمساعدات الأوروبية والأميركية بخاصة، لخدمة أجندات السياسة الخارجية والأمنية لدول المصدر، وفي مقدمتها "التطبيع" مع إسرائيل، إذ كان المال الوفير حاضرا دائما لدعم كل مشروع يستبطن مكونا إسرائيليا على طريقة المدن الصناعية المؤهلة "QIZ".

وتزامنا معها، وفي مطارح عديدة، تم "العزف على وتر" حاجة مجتمعاتنا العربية لمحاربة التطرف والإرهاب والهجرة، للوصول إلى ما يمكن تسميته، إعادة تشكيل الهوية والوعي الجمعي لشعوبنا ومجتمعاتنا، بما يتخطى موروثها الاجتماعي والثقافي والديني الراسخ.

وفي الوقت الذي كانت فيه دول الغرب، تضيق ذرعا باللاجئين والأجانب وتستهدفهم بالتمييز العنصري والكراهية، والإبعاد إلى دول أفريقية يعتصرها العوز والفاقة، كان المطلوب من مجتمعاتنا المدنية، تخفيف العبء عن دول المركز الغربي، والمنافحة لإدماج المهاجرين بين ظهرانيها، وهي التي بالكاد تجد ماء وطعاما لأبنائها وبناتها.

لقد جرت خلال السنوات الثلاثين، أعمق وأخطر عملية "تفتيت" للأجندات والأولويات الوطنية لمجتمعاتنا ودولنا وشعوبنا، وغرق المجتمع المدني العربي، في برامج تقررها سلفا "دول المنبع"، لتفرض عليها أولويات مصنعة، ولتغيب عن برامجها أولويات ضاغطة، ولتنشأ في ضوء ذلك كله، موجة من المنظمات والمؤسسات التي يمكن وصفها بـ "Doner Oriented Organizations"، تعمل بوحي من الحكمة المستلهمة من الأفلام والمسلسلات البوليسية الأميركية: "اتبع المال – "Follow the Money، وبصرف النظر عن نتائج وتأثير ما تقوم به من أنشطة وفعاليات.

كما أظهرت تجارب المجتمع المدني العربي، في دول الأزمات المفتوحة، أن كثرة من مؤسساته و"رموزه"، كانوا أول الملتحقين بـ"الطيور المهاجرة" إلى دول المنبع" وحواضن الاستقرار في الجوار القريب والبعيد (إلا من رحم ربي)، تاركين شعوبهم ومجتمعاتهم، تكتوي بنيران حروبها الداخلية وحروب الآخرين عليها.

وستنشأ ظاهرة "متعهدي المؤتمرات"، الخبراء بـ"حيل التذاكر والسفر"، وبعضهم بات مؤهلا للعمل مستشارا لأضخم شركات السياحة والفنادق والـ "Catering"، في العالم. وبعضهم تحول إلى "رؤوس جسور" لدول وعواصم، معروفة بكرهها للإسلام السياسي ومناوأتها الربيع العربي، وميلها الجارف للتطبيع مع الاحتلال الصهيوني، ورغبتها الجارفة في "شراء أصوات" النشطاء والمثقفين، فإن تعذر ذلك، "شراء صمتهم".

بالطبع، لا ينطبق كل ما ذُكر، على جميع المنظمات والمؤسسات المدنية، ولا يجوز إقامة تماثل بين أوضاع المجتمعات المدنية العربية في بلدانها المختلفة.

إعلان

كما أنه لا يقلل من أهمية الدور الذي يتعين أن يضطلع به المجتمع المدني في الدعوة للحرية واحترام الحقوق والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، واستكمال التحرر الوطني، وتعزيز الاستقلال، إنها محاولة للفت النظر إلى أن كثيرا من المؤسسات والفاعلين، قد "ضلوا طريقهم"، وأن الأوان قد حان، لوقفة مراجعة وتصويب مسار.

إنهم يسدون بإحكام طرق الإصلاح والتحول الديمقراطي في بلداننا، إنهم يمنعون عن شعوبنا، حقها في الاستقرار والازدهار، إنهم يقترحون طريقا واحدا للمستقبل، يمر حصرا بإسرائيل، فما الذي يتعين على المجتمع المدني العربي فعله؟

خمسة معايير للمراجعة

سنكتفي بإيراد خمسة من المعايير والأسس التي يتعين أن تنطلق منها المراجعات الهادفة إلى تصويب المسار؛ لضمان إسهام المجتمع المدني في إنجاز "ما ينفع الناس ويمكث في الأرض"، وهي:

أولا؛ استقلالية هذه المؤسسات عن السلطات التنفيذية في بلدانها، شرط حاسم لإنجاز تفويضها الذي يبرر وجودها، كما أن اعتمادها أرقى معايير المساءلة والشفافية والحوكمة الرشيدة، هو المقدمة الضرورية للفكاك من "العلاقة الزبائنية" التي تربطها إن بالحكومات أو بمصادر التمويل.

وإن إعادة الاعتبار للعمل "الطوعي" بدلا عن "العمل المأجور"، هي السبيل لإعادة تعريف نشطاء هذا المجتمع، بوصفهم "مناضلين" في مشروع وطني، وليس بوصفهم "زبائن" لملء المقاعد الشاغرة على موائد المؤتمرات والندوات.

ثانيا؛ على المجتمع المدني العربي، أن يدرك تمام الإدراك، وأن يبني رؤيته وإستراتيجياته، على قاعدة أن الكفاح ضد إسرائيل ومقاومة التطبيع معها، هو كفاح من أجل مستقبل حر ومزدهر للشعوب والمجتمعات العربية، وليس تضامنا مع الفلسطينيين في مواجهة الفاشية الصاعدة ونظام الفصل والتطهير والإبادة في إسرائيل، مع أنه تضامن واجب.

هو دفاع عن الذات والراهن والمستقبل والذاكرة والسردية، ولتذهب إلى الجحيم، كل التمويلات المشروطة بالتوقف عن ممارسة هذا الدور، أو التساوق مع حسابات الحكومات التي ترتبط بعلاقة تطبيعية مع هذا الكيان، ومن لم يستفد من دروس عامين من الإجرام والتجويع والترويع والتدمير، لن يستفيد أبدا.

ثالثا؛ لقد كشف الغرب الاستعماري عن وجه بشع خلال العامين الفائتين بخاصة. سقطت منظومته القيمية والأخلاقية المدعاة، ونطق قادته بخلاف كل ما روجوا له طيلة عقود ثلاثة أو يزيد، دعما لإسرائيل وهي في ذروة مقارفتها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولاذ بعض قادتهم بخطاب مثقل بالتعابير الموحية بصراع الحضارات والأديان، لتبرير استهداف أمة بأكملها، لا شعب بمفرده.

وإن لم يكن هذا الدرس حاضرا بقوة، عند صياغة "النظرية الجديدة" واشتقاق برامج العمل وتطوير الإستراتيجيات، فلا بارك الله في جهود من ينظرون إلى ما حدث، بوصفه "فاصلا قصيرا"، نعاود بعده استئناف يومياتنا كالمعتاد.

رابعا: إن التمييز واجب، بين حكومات غربية كشرت عن أنيابها ومخالبها طيلة عامي الإبادة والتطهير من جهة، ورأي عام عالمي، غربي بالأساس، من جهة ثانية، يشهد انقلابات وتغيرات جوهرية، تحاصر السردية الإسرائيلية، ويبدي التضامن بأجمل صوره مع كفاح فلسطين من أجل التحرر والاستقلال.

ومرة أخرى، إذا كانت محاربة التطبيع عربيا، هي حلقة في مسار كفاحي شعبي عربي، من أجل مستقبل حر ومزدهر ومستقل لدولنا وشعوبنا العربية، فإن ارتباط حركة التضامن العالمية مع فلسطين، بكفاح شعوب الغرب ومجتمعاته، ضد يمين شعبوي، ذي نزعة فاشية، معادية للآخر، وملتزمة بإسرائيل حتى وهي تمارس الإبادة والتطهير، هو أمر يتعين العمل على تظهيره، وتعميق عراه.

هؤلاء هم حلفاء المجتمع المدني العربي الحقيقيون، وليست الحكومات والصناديق المانحة، إن مهمة تطوير حركة فلسطينية- عربية- أممية، مناهضة للصهيونية والتطبيع والفاشية واليمين الشعبوي والفساد والاستبداد، هي الخطوة الأولى على طريق الإطاحة بهذا الحلف غير المقدس.

خامسا؛ على المجتمع المدني العربي أن يدرك، أن "الديمقراطية" لم تعد بضاعة قابلة للتصدير في الغرب، فهي في مأزق هناك، في موطنها الأصلي، وقد انحدرت مكانتها على لائحة أولويات العلاقة بين ضفتي المتوسط إلى أدنى السلم، وإستراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة، قالتها بصراحة: إن الإصلاح والديمقراطية ليسا على جداول أعمالنا في الشرق الأوسط، وسياسة تغيير الأنظمة، باتت من الماضي. إعلان

وما لم تقله "الإستراتيجية" بالوضوح الكامل، قاله توم براك بفجاجة: لا مطرح للديمقراطية في الشرق الأوسط (باستثناء إسرائيل بالطبع)، وإن "الملكيات المستنيرة"، هي خيار هذه المنطقة، المستند إلى إرثها وتقاليدها في الحكم والحوكمة، متناسيا حقيقة أن من بين 22 دولة عربية، ودول أخرى شرق أوسطية، هناك ثماني ممالك فقط.

وبفرض القبول بفرضيته، ماذا عن بقية الدول، وهل يقترح علينا "الموفد فوق العادة"، أن نعاود تجربة "الجملوكيات" التي اكتوينا بنارها في عشريات الركود والاستنقاع، وكانت سببا محركا لموجات الغضب والانتفاض في سنوات الربيع العربي؟

إنهم يسدون بإحكام طرق الإصلاح والتحول الديمقراطي في بلداننا، إنهم يمنعون عن شعوبنا، حقها في الاستقرار والازدهار، إنهم يقترحون طريقا واحدا للمستقبل، يمر حصرا بإسرائيل، فما الذي يتعين على المجتمع المدني العربي فعله؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات دراسات على المجتمع المدنی العربی

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • «واعي.نت».. منصة جديدة لنشر ثقافة الاستخدام الآمن للإنترنت وحماية الأطفال
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • “الطيران المدني” يستكمل متطلبات تشغيل أول طائرة إيرباص A321XLR في الشرق الأوسط وأفريقيا
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • الدفاع المدني اللبناني: انتشال 6 جثث من تحت أنقاض مبنى استُهدف جنوب لبنان
  • الحاجة إلى ثورة على روح الهزيمة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟