معركة التعويضات.. هل ينجح لوبي الطيران في تقليص حقوق مسافري أوروبا؟
تاريخ النشر: 24th, November 2025 GMT
بينما تناقش مؤسسات الاتحاد الأوروبي هذه الأيام تعديلات على قانون حقوق المسافرين، تتصاعد المخاوف من تقليص التعويضات المستحقة عند تأخر الرحلات أو إلغائها، تحت ضغط شركات الطيران التي تصف القواعد الحالية بأنها عبء مالي غير عادل.
لكن نقاش تفاصيل حقوق ركاب الطائرات لم يعد أوروبيا بحتا؛ فكثير من المسافرين العرب وشركات الطيران التي تُسيّر رحلاتها من وإلى الاتحاد الأوروبي تخضع لنفس التشريعات، وأي تعديل في هذا القانون سينعكس على ملايين المسافرين في العالم، ويعيد طرح السؤال الأهم: من يحمي حق المسافر حين تتأخر رحلته أو يُلغى سفره أو تضيع حقائبه؟
قانون للمراجعةيتعلق النقاش الدائر بالقانون الأوروبي رقم 261 الذي أُقر عام 2004 لتنظيم حقوق المسافرين جوا داخل دول الاتحاد الأوروبي، وخارجه، والمعروف باسم "إي سي 261/2004" (EC261/2004).
غير أن شركات الطيران الأوروبية-المدعومة من الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)- غير راضية بما يمنحه القانون الأوروبي من تعويضات للركاب، وتقول هذه الشركات إن مقتضيات القانون لا تراعي الظروف التشغيلية لشركات الطيران، ولا التكاليف الباهظة الناتجة عن الأعطال الجوية أو الطارئة في السفر جوا.
ومنذ أكثر من عقد تطالب شركات الطيران الأوروبية بمراجعة بنود هذا القانون لتقليص قيمة التعويضات وتمديد آجال سدادها، وهو ما تناقشه حاليا عدة مؤسسات رسمية داخل الاتحاد الأوروبي، ومنها مجلس أوروبا الذي يمثل حكومات الدول الأعضاء بالاتحاد، والبرلمان الأوروبي وهو المؤسسة التشريعية المنتخبة.
ماذا يجري الآن؟ووفقا لمقترح التعديلات الجديد التي أقرها مجلس أوروبا، قد يُرفع الحد الأدنى للتأخير الذي يُستحق عنده التعويض من ثلاث ساعات إلى أربع أو حتى ست ساعات، مع خفض قيمة التعويض بما يصل إلى 100 يورو بدلاً من قيمة كانت تتراوح من 250 و600 يورو، على ألا يتجاوز الحد الأقصى الجديد للتعويض 500 يورو للرحلات الطويلة، و300 يورو للرحلات القصيرة.
إعلانكما تتضمن التعديلات على القانون توسيع الاستثناءات التي تسمح لشركات الطيران بعدم دفع التعويض في حالات مثل إضرابات المراقبين الجويين وغيرهم أو الظروف التشغيلية الطارئة، وهو ما سيتسبب للمسافر ليس فقط حرمانه من بعض حقوقه؛ بل وأيضا تتضمن بعض البنود المثيرة للجدل السماح بفرض رسوم على معظم أنواع الأمتعة التي يحمل المسافرين معهم داخل الطائرات، وهو ما يتعارض مع أحكام سابقة لمحكمة العدل الأوروبية، والتي اعتبرت حقيبة المقصورة جزءا من الحق الأساسي في السفر.
هذه التغييرات أثارت اعتراضات واسعة من العديد من منظمات المسافرين الأوروبية التي أطلقت عريضة إلكترونية أطلقتها منظمة المدافعين عن حقوق المسافرين APRA (Association of Passenger Rights Advocates)، وقد جمعت هذه العريضة أكثر من 82 ألف توقيع حتى كتابة هذه السطور.
مسار التعديلاتالعريضة حذّرت من أن التعديلات قد تحرم نحو 60% من المسافرين جوًا من حقهم في التعويض، وتعتبرها "تراجعا تاريخيا عن أهم المكاسب القانونية للمسافرين خلال العقدين الماضيين"، في وقت صوّت فيه مجلس أوروبا فعلا في يونيو/حزيران 2025 على بعض بنود مشروع تعديل قانون حماية المسافرين الأوروبي، غير أن البرلمان الأوروبي أقر في الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين الثاني الماضي ما وصفه بمبادئ توجيهية للتفاوض مع مجلس أوروبا بشأن إحداث تغييرات على حقوق ركاب الطائرات في الاتحاد.
ويتمسك أعضاء البرلمان الأوروبي بما هو منصوص عليه حاليا من حق المسافرين في التعويض المالي بعد تأخر الرحلة ثلاث ساعات بغض النظر عن المسافة التي ستقطعها الطائرة، ويضيفون أن المسافة ستكون مؤثرة فقط في إجمالي قيمة التعويض الذي سيطالب به المسافرون بحيث يتراوح بين 300 و600 يورو.
ويرفض المشرعون الأوروبيون تعديلات اعتمدها مجلس أوروبا من قبيل فرض رسوم على تسجيل الوصول (Check-in) سواء عبر الإنترنت أو لدى الوصول إلى المطار، وذلك بغرض تصحيح أخطاء إملائية في أسماء الركاب أو لتمكين الأطفال دون سن 14 من الجلوس إلى جوار الركاب المرافقين لهم، كما يشدد أعضاء البرلمان على حق الركاب في الاختيار بين الحصول على بطاقة صعود للطائرة تكون ورقية أو رقمية، وليس فرض بطاقة صعود رقمية فقط.
وحسب بيان صحفي للبرلمان الأوروبي الصادر في 13 أكتوبر/تشرين الأول الماضي فإنه أمام البرلمان ومجلس أوروبا مهلة ثلاثة أشهر للاتفاق عن التعديلات، مع إمكانية تمديد المهلة شهرا واحدا فقط.
وترى المنظمات الأوروبية الداعمة للمسافرين أن ما يجري يمثل خطوة للوراء بعد سنوات من تطوير منظومة الحماية الأوروبية التي كانت تعتبر الأفضل عالميا. فقد وفر القانون الأوروبي منذ عام 2004 إطارا واضحا لتعويض الركاب المتضررين، ما جعل الاتحاد الأوروبي مرجعًا قانونيًا لبقية مناطق العالم. أما الآن فالمخاوف قائمة أن تتحول هذه المنظومة إلى شبكة أضعف وأكثر تعقيدا، تسمح بتفاوت كبير بين الدول وشركات الطيران في تفسير "الظروف الاستثنائية" التي تعفي من التعويض.
موقف شركات الطيرانوتدفع شركات الطيران عبر الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) باتجاه تقليص التعويضات عن الرحلات المتأخرة بحجة دعم التنافسية وخفض التكاليف التنظيمية، فقد عبّرت منظمة "إياتا" -التي تمثل شركات الطيران في العالم- في بيان صحفي لها في 18 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي عن قلقها البالغ من موقف البرلمان الأوروبي تجاه التعديلات على القانون رقم 261، قائلة إنه موقف "يرسخ العيوب القائمة في القانون ويزيد منها".
وحسب الاتحاد الدولي للنقل الجوي فإن "عيوب القانون الأوروبي لحقوق المسافرين أدت لارتفاع مستمر في التكاليف التي يتحمل المستهلكون وشركات الطيران"، ويضيف الاتحاد، أن مجلس أوروبا تحرك أخيرا لإدخال تغييرات على القانون من شأنها الحفاظ على القدرة التنافسية لشركات الطيران الأوروبية.
إعلانوأضاف بيان "إياتا" أن استطلاع رأي ركاب الطائرات أجراه الاتحاد في مايو/أيار الماضي، أظهر أن 72% من الركاب يفضلون الحصول على أقل سعر ويدفعون مقابل الخدمات الإضافية حسب الحاجة. وأشار الاستطلاع نفسه إلى أن 97% من الركاب كانوا راضين "إلى حد ما" أو "راضين جدًا" عن رحلتهم الأخيرة.
علاوة على ذلك، كشف تحليل للاتحاد الدولي للنقل الجوي، أن إحصائيات المنظمة الأوروبية لسلامة الملاحة الجوية "يوروكونترول" (Eurocontrol) تفيد أن أقل من 1% من الرحلات الجوية تتأخر لأكثر من ثلاث ساعات، وهو ما يعني -حسب إياتا- أن 99% من الركاب يدفعون ثمن نظام تعويض لا يستفيد منه سوى 1% منهم".
تأثر المسافرين العربإذا تم إقرار تلك التعديلات، فلن يقتصر أثرها على المسافرين الأوروبيين وحدهم أو أنها ستبقي حبيسة الأجواء الأوروبية؛ فالقانون الأوروبي يشمل كل الرحلات المغادرة من مطارات الاتحاد أو المتجهة إليه، بغض النظر عن جنسية الراكب أو شركة الطيران، وهذا يعني أن ملايين المسافرين من العالم العربي، سواء في رحلات مباشرة أو ترانزيت، سيتأثرون مباشرة لأنهم خاضعون لنفس القواعد في حالات التأخير أو الإلغاء، وأي تغيير في نظام التعويضات الأوروبي سيؤثر بالتالي على ملايين المسافرين العرب.
التخوف الأكبر أن تتحول هذه التعديلات إلى مرجع ضمني في مناطق أخرى، فتتبناها دول أو شركات خارج أوروبا كمبرر لتقليص التعويضات أو تمديد آجالها داخل المنطقة العربية، إذ لا تزال أغلب الدول تفتقر إلى تشريعات واضحة تنظم حقوق المسافرين أو تضمن تعويضهم عند الإلغاء أو التأخير.
لذلك، فإن مراجعة القانون الأوروبي قد تكشف عن فجوة أوسع في حماية المسافرين العرب، وتعيد طرح الحاجة إلى أطر قانونية وطنية وإقليمية أكثر توازنًا بين مصلحة الركاب ومطالب وتوجهات شركات الطيران.
بينما تتجه أنظار المسافرين والعديد من المنظمات المدافعة عن حقوقهم إلى ما يجري من نقاشات ومداولات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي فإن السؤال الملح يبقى هو: هل ينجح الاتحاد الأوروبي في الحفاظ على مكانته كمرجع عالمي لحماية المسافرين، أم تتقدم مصالح شركات الطيران وحرصها على الربح على حساب مصلحة المسافرين وتنعكس على التعديلات التي ستُقر في نهاية المطاف؟
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الدولی للنقل الجوی البرلمان الأوروبی القانون الأوروبی الاتحاد الأوروبی حقوق المسافرین الاتحاد الدولی وشرکات الطیران شرکات الطیران مجلس أوروبا فی العالم وهو ما
إقرأ أيضاً:
تقليص مراكز التأشيرات الأمريكية في إفريقيا يثير تساؤلات بالمغرب حول مصير طالبي التأشيرة
تتجه الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقليص عدد سفاراتها وقنصلياتها المخولة بمعالجة طلبات التأشيرات في القارة الإفريقية من نحو 50 مركزاً إلى 20 مركزاً إقليمياً فقط، وفق ما كشفته مذكرة داخلية لوزارة الخارجية الأمريكية اطلعت عليها وكالة « أسوشيتد برس ».
ويأتي هذا التوجه في إطار سياسة تشديد منح التأشيرات التي تنهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تستهدف تقليص الهجرة القانونية وغير القانونية، وتشديد الرقابة على حاملي التأشيرات المؤقتة الذين يتجاوزون مدة إقامتهم المسموح بها.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن القنصليات والسفارات التي لن تُصنف ضمن المراكز الإقليمية ستواصل تقديم الخدمات القنصلية للمواطنين الأمريكيين والحالات الطارئة والتأشيرات الدبلوماسية، لكنها ستفقد صلاحية معالجة أغلب طلبات التأشيرات العادية.
وتضم قائمة المراكز الإقليمية التي ستواصل معالجة جميع أنواع التأشيرات مدناً من بينها داكار في السنغال، وأكرا في غانا، ونيروبي في كينيا، ولاغوس في نيجيريا، وأديس أبابا في إثيوبيا، وجوهانسبرغ في جنوب إفريقيا. في المقابل، لا تظهر مدينة الدار البيضاء ضمن قائمة المراكز العشرين التي وردت في المذكرة المسربة.
وفي حال اعتماد القرار بصيغته الحالية وإلغاء معالجة التأشيرات الأمريكية العادية بالقنصلية الأمريكية في الدار البيضاء، فإن المواطنين المغاربة الراغبين في الحصول على تأشيرة للولايات المتحدة سيكونون مطالبين بحجز مواعيدهم وإجراء المقابلات القنصلية في أحد المراكز الإقليمية المعتمدة خارج المغرب، وهو ما قد يفرض عليهم تكاليف إضافية مرتبطة بالسفر والإقامة وإجراءات التنقل.
ولم تصدر السلطات الأمريكية إلى حدود الآن إعلاناً رسمياً يؤكد إدراج المغرب ضمن الدول التي ستتوقف فيها معالجة التأشيرات، كما لم يتم الإعلان عن المركز الإقليمي الذي قد يُحال إليه المواطنون المغاربة في حال تنفيذ القرار. وتشير الوثائق المتداولة إلى أن موعد دخول الإجراء حيز التنفيذ ما زال غير محدد بشكل نهائي، رغم توقع تطبيقه خلال شهر يونيو الجاري.
ويُنتظر أن يثير هذا التوجه مخاوف واسعة لدى الطلبة ورجال الأعمال والسياح المغاربة الراغبين في السفر إلى الولايات المتحدة، خاصة أن القنصلية الأمريكية بالدار البيضاء تعد منذ سنوات المركز الرئيسي لمعالجة طلبات التأشيرات الأمريكية بالمملكة.