حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة 19 ديسمبر 2025، الموافق 28 جمادي الثاني 1447 هـ، وهي بعنوان «فَظَلِلْتُ أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً».

كما حددت الأوقاف موضوع الخطبة الثانية، وهي تعالج قضية التفكك الأسري ضمن مبادرة صحح مفاهيمك.

نص موضوع خطبة الجمعة القادمة

الحمدُ للهِ الذي يرققُ القلوبَ بلطفهِ، ويربي عبادَهُ على مقامِ الأمانةِ، ويهديهم إلى معارجِ الصفاءِ والإخلاصِ، نحمدُهُ حمدًا يليقُ بجلالِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، الذي أقامَ الأمةَ على العدلِ والرحمةِ والمواساةِ، اللهمَّ صلِّ وسلمْ وباركْ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومنْ سارَ على نهجِهِ إلى يومِ الدينِ.

أما بعد:

فيا عبادَ اللهِ، إنَّ في مقاماتِ الإيمانِ لحظاتٍ يرقُّ فيها القلبُ، وتصفو فيها النفسُ، ويستيقظُ ضميرُ المؤمنِ ليحاسبَ نفسَهُ على دقائقَ لا يلتفتُ إليها أهلُ الغفلةِ.

وإذا كان أولئك القومُ يحاسبونَ أنفسَهم على المشاعرِ، فكيفَ بحالِ منْ لا يبالي بآلامِ الناسِ أو حقوقِهِم؟ وكيفَ بمنْ يتغافلُ عن أوجاعِ المجتمعِ، أو يعتدي على مالِ الجماعةِ، وهو منْ أعظمِ الأماناتِ؟

يا عبادَ اللهِ، إنَّ منْ أجلِّ منازلِ السالكينَ إلى اللهِ منزلةً يرقُّ فيها القلبُ، وتخشعُ فيها النفسُ، ويرى العبدُ ذنوبَهُ وإنْ صغرتْ جبالًا توشكُ أنْ تقعَ عليهِ، تلكَ هي منزلةُ المحاسبةِ، المحاسبةُ التي تجعلُ المؤمنَ حيَّ القلبِ، لطيفَ الشعورِ، شديدَ المراقبةِ لنفسِهِ، لا تمرُّ عليهِ اللحظةُ إلَّا وهو يفتشُ فيها عنْ موضعِ رضا ربِّهِ.

وفي هذا المقامِ الجليلِ جاءتْ قصةُ السريِّ السقطيِّ رحمهُ اللهُ، وهي قصةٌ تُكتبُ بماءِ العبرةِ، وتُحكى لتهذيبِ النفوسِ، وقدْ رواها الخطيبُ البغداديُّ في تاريخِ بغدادَ (9/188)، والذهبيُّ في سيرِ أعلامِ النبلاءِ (12/186)، وابنُ كثيرٍ في البدايةِ والنهايةِ (11/18)، كلهم عنْ أبي بكرٍ الحربيِّ قالَ: سمعتُ السريَّ يقولُ: احترقَ السوقُ فقصدتُهُ، فلقيني رجلٌ فقالَ: أبشرْ، فإنَّ دكانَكَ قدْ سَلِمَ، قالَ السريُّ: فقلتُ الحمدُ للهِ، ثمَّ مضيتُ غيرَ بعيدٍ، فوقعَ في قلبي أني فرحتُ لنفسي، ولمْ أواسيِ الناسَ فيما همْ فيهِ، فأنا أستغفرُ اللهَ منْ ذلكَ الحمدِ منذُ ثلاثينَ سنةً.

اللهُ أكبرُ… أيُّ قلبٍ هذا؟ رجلٌ يستغفرُ اللهَ منْ كلمةِ حمدٍ قالَها، لا لأنَّ الحمدَ معصيةٌ حاشا للهِ، بل لأنَّهُ رأى في تلكَ اللحظةِ أنَّهُ انفردَ بالفرحِ وتركَ مواساةَ الناسِ في المصيبةِ، فكانتْ فرحتُهُ ناقصةً في ميزانِ التقوى، لأنَّها فرحةٌ لمْ تمتزجْ برحمةٍ ولا بشعورٍ بالجماعةِ.

أيُّ ورعٍ هذا يا عبادَ اللهِ؟ أيُّ نقاءٍ في السريرةِ؟ أيُّ حساسيةٍ في القلبِ؟ رجلٌ ينظرُ إلى داخلِ نفسِهِ قبلَ أنْ ينظرَ الناسُ إلى ظاهرِ عملِهِ، فيرى في قلبِهِ ما لو رآهُ غيرُهُ لعدَّهُ هينًا، ولكنَّ المؤمنَ ينظرُ بعينِ الحقِّ، بعينِ التقوى، بعينٍ ترى ما لا يراهُ الغافلونَ.

وهذا المعنى الذي عاشَهُ السريُّ يومَ احترقَ السوقُ هو بذاتِهِ معنى منْ معاني حديثِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: “لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ“. (متفقٌ عليهِ، البخاري 13، ومسلم 45).

وهذا هو الفرقُ بينَ المؤمنِ والغافلِ، الغافلُ ينظرُ إلى نفسِهِ، والمؤمنُ ينظرُ إلى نفسِهِ وإلى الناسِ معها. الغافلُ إذا نجا فرحَ ولو هلكَ الناسُ، والمؤمنُ إذا نجا خافَ لأنَّ الفرحةَ إذا انفردتْ عنْ مواساةِ الناسِ أصبحَ فيها معنى الأنانيةِ الذي يكرهُهُ اللهُ لعبادِهِ.

ولذلكَ كانَ السلفُ يقولونَ: ربَّ حسنةٍ أورثتْ عُجبًا، فهي عندَ اللهِ سيئةٌ، وربَّ كلمةٍ صالحةٍ لمْ تصحبْها نيةٌ خالصةٌ، فكانتْ على صاحبِها وبالًا. فإذا كانَ هذا في الحسناتِ والكلماتِ، فكيفَ إذا كانَ في المشاعرِ والنياتِ؟

ولذلكَ كانتْ محاسبةُ النفسِ أصلًا منْ أصولِ الإيمانِ، قالَ تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوٰاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10]. قالَ الطبريُّ في تفسيرِهِ (20/77): “قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَابَتْ نَفْسٌ أَضَلَّهَا وَأَغْوَاهَا. وَقِيلَ: أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَصَالِحِ الْأَعْمَالِ، وخاب من دس نفسه في المعاصي، قال قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ. وَأَصْلُ الزَّكَاةِ: النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ، وَمِنْهُ زَكَا الزَّرْعُ: إِذَا كَثُرَ رِيعُهُ”.

وهذا ما أشارَ إليهِ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ في الحديثِ الذي رواهُ مسلمٌ (2564): “إِنَّ اللهَ تعالى لَا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ، ولكنْ إِنَّما ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم”. فالقلبُ هو موضعُ نظرِ الربِّ، ومنْ عرفَ هذا استقامَ قلبَهُ قبلَ أنْ يُصلحَ ظاهرَهُ، وراقبَ نيتَهُ قبلَ أنْ يزنَ عملَهُ.

يا عبادَ اللهِ، إنَّ القلبَ الذي لا يلينُ لمصابِ الناسِ قلبٌ قاسٍ، والقلبُ القاسي هو أبعدُ القلوبِ عنْ اللهِ تعالى، وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: “لا تُنْزَعُ الرَّحمةُ إلَّا منْ شقيٍّ”. (أبو داود 4942، والترمذي 1923، وأحمد 8001 صحيح).

رِقَّةُ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ وَمَقَامُ مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ: يا عبادَ اللهِ، إنَّ أعظمَ ما يميزُ قلوبَ المؤمنينَ هو تلكَ الحياةُ الداخليّةُ التي تحدثُ بينهمْ وبينَ اللهِ في الخلاءِ قبلَ الملإِ، تلكَ الومضةُ التي يجعلُ اللهُ فيها القلبَ حيًّا، فيستيقظُ على معنى لمْ ينتبهْ لهُ غيرُهُ، ويعلمُ أنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. قالَ ابنُ كثيرٍ في تفسيرِهِ (7/137): “لِيَحْذَرْ الناسُ عِلْمَهُ فيهمْ، فيَسْتَحْيُوا منَ اللهِ حقَّ الحياءِ، ويَتَّقُوهُ حقَّ تُقَاتِهِ، ويُراقِبُوهُ مُراقَبَةَ مَنْ يَعْلَمُ أنَّهُ يَراهُ، فإنَّهُ تعالى يَعْلَمُ العَيْنَ الخائنةَ وإنْ أَبْدَتْ أمانةً، ويَعْلَمُ ما تَنْطَوِي عليهِ خبايا الصدورِ منَ الضمائرِ والسرائرِ.

قالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ: إِنَّ المُؤْمِنَ قَوَّامٌ على نَفْسِهِ يَحاسِبُ نَفْسَهُ للهِ، وَإِنَّما خَفَّ الحِسابُ يَوْمَ القِيامَةِ على قَوْمٍ حاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ في الدُّنْيا، وَإِنَّما شَقَّ الحِسابُ يَوْمَ القِيامَةِ على قَوْمٍ أَخَذُوا هذا الأَمْرَ على غَيْرِ مُحاسَبَةٍ. المصنف لابن أبي شيبة ج8، ص257.

وقدْ قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: إنَّ المؤمنَ يرَى ذنوبَه كأنه في أصلِ جبلٍ يخافُ أنْ يقعَ عليه وإنَّ الفاجرَ يرَى ذنوبَه كذبابٍ وقع على أنفِه قال به هكذا، فطار (البخاري 6308).

يا عبادَ اللهِ، لقدْ كانَ السلفُ يرونَ أنَّ رحمةَ الناسِ جزءٌ منْ رحمةِ اللهِ لعبادِهِ. أخرج أبو داود (4941)، والترمذي (1924)، وأحمد (6494) في الحديث الصحيح: عنْ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أنَّهُ قالَ: “الراحمونَ يرحمُهُمُ الرحمنُ، ارحموا منْ في الأرضِ يرحمْكمْ منْ في السماءِ”. فكيفَ برحمةِ الناسِ عندَ الشدائدِ والمصائبِ؟ وكيفَ برحمةِ أهلِ السوقِ يومَ احترقتْ أموالُهمْ وضاعتْ أرزاقُهمْ؟

يا عبادَ اللهِ، إنَّ اللهَ تعالى حين وصفَ المؤمنين وصفهم بصفةٍ جامعةٍ مانعةٍ فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وهذه الآية كما قال السعدي (ص800): “هذا عقدٌ، عقدَهُ اللهُ بينَ المؤمنينَ، أنَّهُ إذا وجدَ منْ أيِّ شخصٍ كانَ، في مَشرقِ الأرضِ ومَغربِها، الإيمانَ باللهِ، وملائكتِهِ، وكُتبِهِ، ورُسُلِهِ، واليومِ الآخرِ، فإنَّهُ أخٌ للمؤمنينَ، أُخوَّةً توجبُ أنْ يحبَّ لهُ المؤمنونَ ما يحبُّونَ لأنفسِهمْ، ويكرهونَ لهُ ما يكرهونَ لأنفسِهمْ”.

وقد أثبت هذا المعنى رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم في الحديثِ الصحيحِ الذي رواه البخاري (6011) ومسلمٌ (2586): «مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ. مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى». وهذا التشبيه من أبلغِ تشبيهاتِ السنة، لأنه يبيِّن أنَّ مشاعرَ المؤمنين ليست منفصلةً، بل متصلةٌ كاتصالِ أعضاءِ الجسد، فإذا مرض عضوٌ واحدٌ لم تستقرَّ بقيةُ الأعضاءِ حتى يشفى.

وهكذا كان السلف، يرون أنَّ الأمةَ جسدٌ واحدٌ، وأنَّ الرحمةَ ركنٌ من أركانِ الإيمان. روى البخاريُّ (13) ومسلمٌ (45) عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ». قالَ ابنُ بطّالٍ: “لأنَّ الإنسانَ يحبُّ أنْ يكونَ أفضلَ الناسِ، فإذا أحبَّ لأخيهِ مثلَهُ، فقدْ دخلَ هو في جملةِ المفضولينَ، ألا ترى أنَّ الإنسانَ يجبُ أنْ ينتصفَ منْ حقِّهِ ومظلمتِهِ، فإذا كملَ إيمانُهُ وكانتْ لأخيهِ عندَهُ مظلمةٌ أو حقٌّ، بادرَ إلى إنصافِهِ منْ نفسِهِ، وآثرَ الحقَّ، وإنْ كانَ عليهِ فيهِ بعضُ المشقةِ”. (شرحُ صحيحِ البخاريِّ لابنِ بطّالٍ، ج1، ص45).

يا عبادَ اللهِ، لقد فهم الصحابةُ هذا المعنى فهمًا عميقًا، وتحول عندهم من شعارٍ إلى واقع. ففي الصحيحين: “أنَّ رَجُلًا أتَى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَبَعَثَ إلى نِسَائِهِ، فَقُلْنَ: ما معنَا إلَّا المَاءُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن يَضُمُّ -أوْ يُضِيفُ- هذا؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا، فَانْطَلَقَ به إلى امْرَأَتِهِ، فَقالَ: أكْرِمِي ضَيْفَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَتْ: ما عِنْدَنَا إلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، ونَوِّمِي صِبْيَانَكِ إذَا أرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، ونَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فأطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أنَّهُما يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أصْبَحَ غَدَا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ -أوْ عَجِبَ- مِن فَعَالِكُما. فأنْزَلَ اللَّهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الحشر 9. (البخاري 3798 واللفظ له، ومسلم 2054).

اللهُ أكبر… رفقةٌ ورحمةٌ، ومواساةٌ وبذلٌ، حتى آثروا الضيفَ على أنفسهم. لقد قاموا بشرحِ معنى الآيةِ التي قال فيها اللهُ تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلٰى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. قالَ القُرطبيُّ (ج18، ص26): “الإيثارُ: هو تقديمُ الغيرِ على النفسِ وحظوظِها الدنيويّةِ، ورغبةٌ في الحظوظِ الدينيّةِ. وذلكَ ينشأُ عن قوّةِ اليقينِ، وتأكيدِ المحبّةِ، والصبرِ على المشقّةِ”. (تفسير القرطبي ج18، ص26). وأضاف (ج18، ص26): ” أَلَا تَرَى أَنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ لَمَّا تَنَاهَتْ فِي حُبِّهَا لِيُوسُفَ عليه السلام، آثَرَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا فَقَالَتْ: أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ”.

يا عبادَ اللهِ، إنَّ من أعظمِ ما يُظهرُ وحدةَ الأمة أن يعيشَ كلُّ واحدٍ منا بضميرِ الجماعة، لا بضميرِ الفردِ المنعزل، ينظرُ ماذا تحتاجُ الأمة، لا ماذا يكسبُ هو فقط، ويتألمُ لما يصيبُ غيرَه، لا لما يسلمُ منه وحده.

أيها الأحبة، إنَّ المؤمنَ الحقَّ هو الذي يخرجُ من حدودِ نفسِه إلى حدودِ الأمة، يسمعُ أنينَها، ويرى حاجتَها، ويعيشُ همَّها، لأنه جزءٌ من جسدٍ واحد.

ولذلك كان العلماءُ يقولون: إذا صلحتِ القلوبُ صلحتِ الأمة. وإذا صلحتْ علاقةُ الناسِ ببعضِهم صلحتْ أخلاقُهم، وصلحتْ أسواقُهم، وصلحتْ مصالحُهم، وصلحتْ إدارةُ مالِهم العام، لأنَّ من يعطي الناسَ من قلبِه لا يأخذُ منهم ظلمًا بيده.

وهذا يا عبادَ اللهِ هو البابُ الذي ننتقلُ منه إلى معنى عظيمٍ من معاني دينِ اللهِ، ألا وهو: أنَّ قلبَ المؤمنِ إذا رقَّ لا يمكنُ أن يظلمَ الناسَ في أموالِهم، ولا أن يعتديَ على حقٍّ من حقوقِ الجماعة، لأنَّ قلبًا يرحمُ الفردَ لا يمكنُ أن يخونَ الأمة.

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيهِ كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، نحمدُهُ على نعمِهِ الظاهرةِ والباطنةِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلمْ وباركْ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ. أما بعدُ فيا عبادَ اللهِ، اتقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى، واعلموا أنَّ الإيمانَ ليسَ صلاةً فقط، ولا ذكرًا فقط، بلْ أمانةٌ تُحمَلُ، وحقوقٌ تُصانُ، ومصالحُ تُحفَظُ، ومنْ أعظمِ هذهِ الحقوقِ: حقُّ الجماعةِ، ومالُ الأمةِ، وما استرعانا اللهُ عليهِ منْ مصالحٍ عامةٍ تُبنى بها البلادُ وتقامُ بها المجتمعاتُ.

يا عبادَ اللهِ، إذا كانَ السريُّ السقطيُّ قدْ استغفرَ ثلاثينَ سنةً منْ كلمةٍ قالها فرحًا بسلامةِ دكانِهِ، لأنهُ رأى فيها غفلةً عنْ مواساةِ الناسِ، فكيفَ يكونُ حالُ منْ يعتدي على مالِ الجماعةِ؟ أو يستبيحُ حقًّا ليسَ لهُ؟ أو يستهينُ بأمانةٍ وضعتها الأمةُ بينَ يديهِ؟

وهكذا نفتحُ اليومَ بابًا منْ أبوابِ الشريعةِ العظيمةِ: بابَ حفظِ المالِ العامِّ، وهو بابٌ لا يقومُ إلا على رقّةِ قلوبٍ، وإيمانِ جماعةٍ، وتعظيمِ الأمانةِ كما أمرَ اللهُ تعالى.

يا عبادَ اللهِ، إنَّ المالَ العامَّ ليسَ كغيرهِ منَ الأموالِ، لأنَّهُ مالُ الأمةِ كلِّها، مالُ الضعيفِ قبلَ القويِّ، وحقُّ الأرملةِ واليتيمِ، وثمرةُ عملِ الشعبِ، وسرُّ قوةِ الدولةِ. وقدْ سماهُ العلماءُ مالَ اللهِ، لأنَّهُ يعودُ نفعُهُ على عبادِ اللهِ جميعًا.

قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. ودخلَ في الآيةِ مالُ الفردِ ومالُ الجماعةِ، لأنَّ الاعتداءَ على المالِ العامِّ ظلمٌ لجميعِ الناسِ. وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلٰى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. قالَ الطبريُّ (8/251): كلُّ ما استُودِعَ العبدُ حفظَهُ فهو أمانةٌ، ومالُ الأمةِ أمانةٌ في يدِ منْ وليَهُ.

حديثُ الغلولِ - أعظمُ بيانٍ في حُرمةِ المالِ العامِّ: عنْ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أنَّهُ قالَ: “إنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ اللَّهِ بغيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَومَ القِيَامَةِ“. البخاري (3118).

قالَ ابنُ حجرٍ في فتح الباري (6/252): (يتخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ)، أيْ يتصرَّفونَ في مالِ المسلمينَ بالباطلِ.

فمنْ أخذَ مالًا ليسَ لهُ، منْ وظيفةٍ، أو عهدةٍ، أو إدارةٍ، أو منصبٍ، فقدْ حملَ على ظهرهِ وزرًا ثقيلًا يراهُ الناسُ يومَ القيامةِ. قال تعالي: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. آل عمران 161. قال القرطبي (4/256): “أَيْ يَأْتِي بِهِ حَامِلًا لَهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَرَقَبَتِهِ، مُعَذَّبًا بِحَمْلِهِ وَثِقَلِهِ، وَمَرْعُوبًا بِصَوْتِهِ، وَمُوَبَّخًا بِإِظْهَارِ خِيَانَتِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ”.

“اسْتَعْمَلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ رَجُلًا مِنَ الأسْدِ، يُقَالُ له: ابنُ اللُّتْبِيَّةِ، قالَ عَمْرٌو: وَابنُ أَبِي عُمَرَ، علَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قالَ: هذا لَكُمْ، وَهذا لِي، أُهْدِيَ لِي، قالَ: فَقَامَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ علَى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عليه، وَقالَ: ما بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ، فيَقولُ: هذا لَكُمْ، وَهذا أُهْدِيَ لِي، أَفلا قَعَدَ في بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ في بَيْتِ أُمِّهِ، حتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَنَالُ أَحَدٌ مِنكُم منها شيئًا إلَّا جَاءَ به يَومَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ علَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ له رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إبْطَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ، هلْ بَلَّغْتُ؟ مَرَّتَيْنِ“. البخاري (3798).

قصةُ عمرَ بنِ الخطابِ والسراج: روى ابنُ سعدٍ في الطبقاتِ (3/283) انَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ إذا اشتغلَ في مصالحِ المسلمينَ أشعلَ سراجًا منْ بيتِ المالِ، فإذا جاءَهُ ضيفٌ أو أرادَ شأنًا خاصًّا أطفأَهُ وقالَ: “هذا منْ مالِ المسلمينَ، وهذا منْ مالي”. أيُّ ورعٍ هذا؟ أيُّ أمانةٍ؟ ورقةُ زيتٍ يخشى أنْ يحاسبَهُ اللهُ عليها.

قصةُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ - رسالةُ ابنهِ: روى ابن عبد الحكم الفقيه في سيرة عمر بن عبد العزيز ص200 وابنُ الجوزيِّ في المنتظمِ: “طلب ابْن لعمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أَبِيه أَن يُزَوجهُ وَأَن يصدق عَنهُ من بَيت المَال وَكَانَ لِابْنِهِ ذَلِك امْرَأَة فَغَضب لذَلِك عمر بن عبد الْعَزِيز وَكتب إِلَيْهِ لعمر الله لقد أَتَانِي كتابك تَسْأَلنِي أَن أجمع لَك بَين الضرائر من بَيت مَال الْمُسلمين وَأَبْنَاء الْمُهَاجِرين لَا يجد أحدهم امْرَأَة يستعف بهَا فَلَا أَعرفن مَا كتبت بِمثل هَذَا ثمَّ كتب إِلَيْهِ أَن انْظُر إِلَى مَا قبلك من نحاسنا ومتاعنا فبعه واستعن بِثمنِهِ”. وكانَ يعيشُ بأقلَّ مما يعيشُ بهِ أفقرُ الناسِ.

يا عبادَ اللهِ… هؤلاءِ رجالٌ أقاموا الدنيا بالأمانةِ، وصانوا الأمةَ بالصدقِ، وحفظوا المالَ العامَّ بالورعِ والخوفِ منَ اللهِ.

صورٌ معاصرةٌ لحفظِ الأمانةِ: الموظفُ الذي يعملُ بضميرٍ، فيعتبرُ الوقتَ مالًا عامًا، المديرُ الذي لا يعطي توقيعًا إلا بحقٍّ، العاملُ الذي لا يستهلكُ أدواتَ المؤسسةِ فيما لا يفيدُ الأمةَ، المسؤولُ الذي لا يجعلُ المنصبَ طريقًا للثراءِ.

يا عبادَ اللهِ… رجلٌ استغفرَ ثلاثينَ سنةً منْ كلمةٍ… لأنهُ لمْ يواسي الناسَ. فكيفَ بمنْ لمْ يرحمْ الناسَ؟ فكيفَ بمنْ ضيّعَ حقوقَهمْ؟ فكيفَ بمنْ مدَّ يدَهُ إلى مالِ الأمةِ؟

إنَّ الذي رقَّ قلبُهُ في قصةِ السريِّ هو الذي يحفظُ مالَ الناسِ، ويعظّمُ المالَ العامَّ، ويعلمُ أنَّ يدَهُ ليستْ ملكًا لهُ، بلْ هي أمانةٌ عندَ اللهِ.

الخاتمةُ: يا عبادَ اللهِ، لقدْ رأينا في قصةِ السريِّ السقطيِّ قلبًا رقَّ منْ كلمةٍ قالها، واستغفرَ منها ثلاثينَ سنةً، لأنها لمْ تُخالِطْ مواساةَ الناسِ، ولا شعورًا بجراحِ الأمةِ. فكيفَ يكونُ حالُ منْ يمدُّ يدَهُ إلى مالِ الأمةِ؟ أو يستهينُ بحقوقِ الناسِ؟ أو يفرحُ بنعمةٍ على حسابِ مصائبِ غيرِهِ؟

إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]، وقالَ سبحانهُ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. وكلُّ منْ كانَ في يدِهِ حقٌّ للناسِ فهو مسؤولٌ عنهُ، صغيرًا كانَ أو كبيرًا، ظاهرًا أو خفيًّا، قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: كلكمْ راعٍ وكلكمْ مسؤولٌ عنْ رعيتِهِ (متفقٌ عليهِ البخاري 2554، مسلم 1829).

يا عبادَ اللهِ، إنَّ الأمانةَ ليستْ كلمةً تُقالُ، بلْ دمعةٌ تُخفيها القلوبُ منْ خوفِ التقصيرِ، وانكسارٌ بينَ يدي اللهِ خشيةً منْ يومٍ لا ينفعُ فيهِ مالٌ ولا بنونَ، وحذرٌ منْ سؤالِ ربٍّ عدلٍ لا تخفى عليهِ خافيةٌ، قالَ تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

اللهمَّ احفظْ بلادَنا مصر وأموالَنا وأعراضَنا، وباركْ في أرزاقِ الناسِ، وادفعْ عنا الفتنَ ما ظهرَ منها وما بطنَ.

اقرأ أيضاًالأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبلة.. «التطرف ليس في التدين فقط»

نص موضوع خطبة الجمعة 5 ديسمبر 2025.. «العقول المحمدية»

«توقير كبار السن وإكرامهم».. نص خطبة الجمعة المقبلة 28 نوفمبر 2025

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: وزارة الأوقاف خطبة الجمعة القادمة موضوع خطبة الجمعة القادمة موضوع خطبة الجمعة المقبلة الخطبة الثانية مبادرة صحح مفاهيمك موضوع خطبة الجمعة بن عبد ال علیه وسل صلى الله إذا کان الذی لا ى الله

إقرأ أيضاً:

فتاوى وأحكام| هل خلع الحجاب بعد أداء العمرة يبطل ثوابها.. هل من ترك رمي الجمرات في الحج عليه فدية؟..إيه السبب إن ربنا مش بيستجيب دعائي؟..هل دعاء العائد من الحج مستجاب 40 يومًا؟

فتاوى وأحكام

هل من ترك رمي الجمرات في الحج عليه فدية؟
إيه السبب إن ربنا مش بيستجيب دعائي؟
هل دعاء العائد من الحج مستجاب 40 يومًا؟
هل ارتكاب المعاصي تسقط ثواب الطاعات؟

هل خلع الحجاب بعد أداء العمرة يبطل ثوابها 

نشر موقع صدى البلد خلال الساعات الماضية عددا من الفتاوى والأحكام التى تشغل أذهان كثيرا من المسلمين نستعرض أبرزها فى التقرير التالى.

فى البداية، تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا عبر موقعها الرسمي مضمونة:"ما الحكم لو نسي الحاج رمي الجمار في بعض أيام الرمي أو لم يتمكن منه؟ هل يجوز له أن يتداركه في يوم آخر؟".

وأجاب الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية، موضحًا:" أن وقت رمي الجمار للحاج يبدأ من يوم النحر وينتهي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، بحيث يرمي الحاج في يوم النحر جمرة العقبة بسبع حصيات، وفي كل يوم من أيام التشريق يرمي الجمرات الثلاث -الصغرى والوسطى والكبرى- كل واحدة بسبع حصيات، فإن لم يرم حتى خرج وقت الرمي وجبت عليه فدية.

وتابع المفتي: أمَّا إن فاته رمي ما أُمر برميه من الجمار فإنه يجوز أن يتداركه فيما بقي من أيام التشريق، مع وجوب الترتيب بين الرمي المتروك ورمي يوم التدارك بأن يبدأ بما فاته أولًا، ويقع ما تداركه أداءً لا قضاءً.

وتابع: تركُ الرمي بالكُلِّية بدون عذر حتى يخرج وقته يُوجِب على صاحبه فدية، ويخرج وقت الرمي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (17/ 255، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية): [أجمع العلماء على أن من فاته رمي ما أُمر برميه من الجمار في أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها وذلك اليوم الرابع من يوم النحر وهو الثالث من أيام التشريق، فقد فاته وقت الرمي ولا سبيل له إلى الرمي أبدًا، ولكن يجبره بالدم أو بالطعام على حسب ما للعلماء في ذلك من الأقاويل] اهـ.

وأجاب الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن سؤال ورد من سيدة، بشأن قيام والدها بالتوكيل لرمي الجمرات عنه وعن والدتها، لكنه نسي الرمي لهما، وما الحكم في هذه الحالة.

ما حكم نسيان رمي الجمرات؟وأوضح أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، خلال تصريحات تلفزيونية، اليوم الثلاثاء، أن نسيان رمي الجمرات لا يترتب عليه إثم، لأنه وقع عن غير عمد، ولكن يلزم فيه فدية.

وأشار أمين الفتوى بدار الإفتاء إلى أن الحكم في هذه الحالة هو ذبح شاة عن كل من لم يتم الرمي عنه، سواء كان عن نفسه أو عن زوجته، لافتًا إلى أن الفدية واجبة في حال ترك هذا النسك.

وأضاف أمين الفتوى بدار الإفتاء أنه في حال عدم القدرة على الذبح أو توكيل من يقوم به، يجوز الصيام بدلًا من ذلك، حيث يصوم كل واحد عشرة أيام.

وأكد أمين الفتوى بدار الإفتاء أن هذه الأحكام تأتي في إطار التيسير، مع الحفاظ على أداء المناسك بشكل صحيح، مشددًا على أهمية الحرص والانتباه أثناء أداء مناسك الحج.

قال الشيخ محمد متولي الشعراوي، إمام الدعاة، رحمة الله عليه، إن الله تعالى لا يرد دعاء المضطر فكثير من الناس يظنون أن دعاءهم غير مستجاب، والسبب فى ذلك أنهم يدعون وأنهم ليس في حالة اضطرار.

لماذا لا يستجاب الله دعائي؟ وتابع قائلا: "أتحدى أن يكون إنسان قد وصل إلى حال الاضطرار وفقد كل الأسباب ثم دعا الله ولم يستجب له، مستشهدا بقوله تعالى {إِذَا دَعَانِ}.

وأشار إلى أن الاستجابة للدعاء لها شرط ودليلها في ذلك الآية: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي}، أي أن على العبد أن يستجيب لله أولا حتى يستجاب له.

وأشار الى انه لا يليق بالعبد أن يتعامل مع الله وكأنه موظف عنده ينفذ المطلوب في الحال، بل قد يؤخر الله الاستجابة لحكمة، فإذا تأخر الدعاء فليعلم العبد أن الخير في هذا التأخير حتى لو ظن أن المطلوب خير عاجلا.

لماذا لا يستجاب الله دعائي رغم اني اقيم الليل واصلي الفجر حاضر كل يوم ؟
إن الله تعالى لا يقضي على المؤمن قضاء إلا كان خيراً له، وأنه لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة، وأنه ما من عبد يدعو الله في الأرض بدعوة إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل الله له دعوته، أو يصرف عنه من الشر مثلها، أو يدخرها له أحوج ما يكون إليها.

فعلى الإنسان منّا أن يحسن الظن بالله عز وجل الذي خلقه ورزقه وهو جنين في بطن أمه، ويثق أنه تكفل برزقه حتى تموت، فإن روح القدس نفث في روع النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.

وعلى كل إنسان دعا الله كثيراً أطمئن فدعواتك لم تذهب سدى، وأن الله يؤخر الإجابة لحكمة، ولمصلحة العبد أحياناً، فإن من عباد الله من لا يصلحه إلا الفقر، فلو أغناه لطغى. ولعل الله عوضه بصحة في بدنه، أو دفع بلاء لم تعلمه، وأراد أن يستنبط من قلبه عبوديته من دعاء وخوف ورجاء، فاصبر، وقل خيراً، وظن بالله خيراً، فإنه عند ظن عبده به. وإياك أن تسأم من الدعاء، فإنه لب التوحيد، ولو لم يكن لك من هذه المعاناة إلا تحصيل فضل الدعاء لكفى، فإنه ليس شيء أكرم على الله من الدعاء، وعليك بتقوى الله، فإنها أوسع أبواب الرزق، (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً).

هل دعاء العائدين من الحج مستجاب؟ سؤال أجابته دار الإفتاء المصرية، حيث أكدت أن زيارة العائدين من أداء فريضة الحج والتماس الدعاء منهم والتبرك به أمرٌ مستحبٌّ شرعًا؛ على ألَّا ينشغل القادم من الحج باستقبال الزائرين والضيوف عن القيام بمهامه وتكليفاته المنوطة به؛ وخاصة أداء الصلاة جماعة في المسجد -كما ورد في السؤال-، بل عليه أن يحافظ على أداء الصلاة جماعة في المسجد، ويحصل فضل الجماعة له بصلاته في بيته مع مَن حَضَر معه.

هل دعاء العائدين من الحج مستجاب؟وقالت الإفتاء إن الحج ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه على كلِّ مسلمٍ مُكَلَّف قادر مستطيعٍ في العمر مرةً واحدةً، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].

أدعية للحماية من الحوادث وموت الفجأة .. رددها دائما يحفظك اللهإيه السبب إن ربنا مش بيستجيب دعائي؟.. الشيخ الشعراوي يردهل دعاء العائد من الحج مستجاب 40 يومًا؟.. أسرار عظيمة تجعلك تطلب دعاءهدعاء تيسير الأمور المُعطلة.. ردّده يفرج الله همك ويريح بالكماذا يقال للتخفيف عن أهل الميت؟.. بـ25 دعاء تربت على قلوبهمهل دعاء العائد من الحج مستجاب لـ40 يوما؟.. الإفتاء تحدد المدة الزمنية

وأخرج الإمام البخاري في "صحيحه" عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».

وقد بينت نصوص الشرع الشريف أجرَ الحج المبرور وثوابه، منها: ما أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ».

حكم استقبال العائدين من الحج وطلب الدعاء منهم، وأوضحت الشخص الذي أكرمه الله تعالى بأداء فريضة الحج، ثم عاد إلى وطنه سالمًا، فإنه يُرجى له أن يكون مُجابَ الدعاء؛ وذلك لما حصله من الأجر العظيم والثواب الجزيل بمغفرة ذنوبه، ورجوعه من الحج كيوم ولدته أمه، لذا فإن عادة بعض الناس في استقبال العائدين من الحج؛ ليسألوهم الدعاء وليتبركوا بقدومهم من بيت الله الحرام -أمر مشروع، ولا حرج فيه؛ فقد بوَّب الإمام البخاري في "صحيحه" بابًا أسماه: "بَابُ اسْتِقْبَالِ الحَاجِّ القَادِمِينَ وَالثَّلَاثَةِ عَلَى الدَّابَّةِ"، وأورد فيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مَكَّةَ، اسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ خَلْفَهُ».

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3/ 619): [وكون الترجمة لتلقي القادم من الحج، والحديث دال على تلقي القادم للحج، ليس بينهما تخالف؛ لاتفاقهما من حيث المعنى، والله أعلم] اهـ.

وقال الإمام بدر الدين العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (10/ 133، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقال صاحب "التوضيح": وفيه: تلقي القادمين من الحج إكرامًا لهم وتعظيمًا؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر تلقيهم، بل سُرَّ به لحمله منهم بين يديه وخلفه.. نعم، يُمكن أَن يُؤْخَذ مِنْهُ تلقي القادمين من الْحَج، وَكَذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ مَن قَدِم مِن جِهَادٍ أَو سفرٍ، لِأَن فِي ذَلِك تأنيسًا لَهُم وتطييبًا لقُلُوبِهِمْ] اهـ.

ومما يؤكد جواز تلك العادة المستحبة -استقبال القادمين من الحج- ما أخرجه الإمام الحاكم في "المستدرك على الصحيحين"، عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَلَقِيَنَا غِلْمَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ أَهَالِيَهُمْ إِذَا قَدِمُوا».

وقد أخرج الإمام البيهقي في "شعب الإيمان"، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُقِيمُونَ مَا لِلْحُجَّاجِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ، لَأَتَوْهُمْ حِينَ يَقْدَمُونَ حَتَّى يُقَبِّلُوا رَوَاحِلَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ وَفْدُ اللهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ».

وهو ما جرت عليه عادة بعض البلاد؛ كما قال الإمام بدر الدين العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (10/ 133) في تلقي القادمين من الحج: [وتلك العادة إلى الآن يتلقى المجاورون وأهل مكة القادمين من الركبان] اهـ.

قال الشيخ محمَّد الخَضِر الجكني الشنقيطي في "كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري" (14/ 49، ط. مؤسسة الرسالة): [«لِأَنَّهُمْ وَفْدُ اللهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ»، وما للمنقطع حيلة سوى التعلق بأذيال الواصلين] اهـ.

تلقى الشيخ محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، سؤالاً عبر الصفحة الرسمية للدار على منصة يوتيوب، يستفسر فيه السائل عن مدى تسبب ارتكاب معصية معينة في إبطال وإحباط أثر باقي العبادات والطاعات التي يقوم بها المسلم.

وأوضح الشيخ محمد وسام في إجابته أن مسألة الثواب والقبول هي أمر بيد الله سبحانه وتعالى وحده، مؤكداً في الوقت ذاته أن العبد المطيع لله يكون عمله دائماً أقرب إلى القبول مقارنة بالمسلم العاصي.

وأشار إلى أن العبد إذا خلط في حياته بين فعل المعاصي وأداء الطاعات، وأتى بمزيج من الحسنات والسيئات، فإن أعماله كافة توزن بميزان العدل يوم القيامة؛ فمن رجحت كفة حسناته على سيئاته فهو من السعداء الناجين، ومن رجحت كفة سيئاته فهو تحت مشيئة الله تعالى وعفوه، إن شاء عذبه بقدر ذنبه وإن شاء غفر له وتجاوز عنه.

وشدد على أهمية الوعي بأن الحسنات يذهبن السيئات، وفي المقابل فإن بعض السيئات الكبيرة لها أثر سلبي في إحباط الطاعات وإذهاب أجرها وثوابها.

وتابع أمين الفتوى أن من أدى فريضة الصلاة على وجهها الصحيح، أو صام كما أُمِر، أو تصدق بصدقة وفق الوجه المشروع، قُبلت منه عبادته وصحت، وكانت مسقطة للفرض والواجب عليه فلا يُطالب بقضائها أو إعادتها مرة أخرى، لكنه إذا جاء يوم القيامة بسيئات عظيمة توازن تلك الطاعات، فقد تذهب هذه السيئات بثواب وأجر طاعته في الميزان.

هل خلع الحجاب بعد أداء العمرة يبطل ثوابها ؟في ذات السياق، أجاب الشيخ عبد الله العجمي، أمين الفتوى بدار الإفتاء، على سؤال آخر ورد عبر قناة الدار الرسمية، من سائلة استفسرت عن موقف عمرتها قائلة: "أديت مناسك العمرة وبعدما انتهيت منها خلعت الحجاب فهل بذلك سقطت العمرة؟".

وأكد الشيخ عبد الله العجمي في رده أن حكم ترك الحجاب معلوم للجميع ولا يحتاج إلى تفصيل، مشدداً على أن العبادة الصحيحة المستوفية للأركان لا تسقط ولا تبطل بارتكاب معصية بعدها، وتساءل مستنكراً: “لو صلى رجل فريضة العشاء ثم شرب سجائر بعدها فهل تسقط صلاة العشاء من عليه؟”.

وأضاف: "لو كانت الذنوب والمعاصي تبطل أجر العبادات السابقة بالكلية ما كان بقي للمسلمين أي عمل صالح".

واختتم فتواه مؤكداً للسائلة أن لها أجر وثواب العمرة كاملة طالما أُديت صحيحة، وعليها في المقابل إثم وذنب ترك فريضة الحجاب.

طباعة شارك هل من ترك رمي الجمرات في الحج عليه فدية رمي الجمرات إيه السبب إن ربنا مش بيستجيب دعائي هل دعاء العائد من الحج مستجاب هل ارتكاب المعاصي تسقط ثواب الطاعات هل خلع الحجاب بعد أداء العمرة يبطل ثوابها

مقالات مشابهة

  • فعالية حاشدة في الحوك بالحديدة بذكرى يوم الولاية
  • صنعاء تشتعل فرحا بذكرى عيد الغدير .. فيديو
  • الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبل.. «كن راضيا وإياك والتباهي»
  • فعالية في مديرية مبين في حجة بذكرى يوم الولاية
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة
  • تدشين فعاليات إحياء ذكرى يوم الولاية بمحافظة الحديدة
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • أذكار المساء اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026.. «رددها الآن»
  • الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"
  • فتاوى وأحكام| هل خلع الحجاب بعد أداء العمرة يبطل ثوابها.. هل من ترك رمي الجمرات في الحج عليه فدية؟..إيه السبب إن ربنا مش بيستجيب دعائي؟..هل دعاء العائد من الحج مستجاب 40 يومًا؟