محمد صابر عرب.. المؤرخ الذي حمل الثقافة كذاكرة وطن
تاريخ النشر: 14th, December 2025 GMT
في رحيل بعض الرجال، لا ينطفئ شخصٌ بقدر ما تُطفأ شعلة من شعل الذاكرة العامة، هكذا بدا خبر وفاة الدكتور محمد صابر عرب، وزير الثقافة الأسبق، والمؤرخ الكبير، وكأن التاريخ نفسه فقد واحدًا من حرّاسه الأمناء، لم يكن عرب سياسيًا عابرًا في مقعد الوزارة، ولا مثقف مناسبات، بل كان رجل معرفة عميقة، تشكّلت رؤيته عبر الأرشيف، والوثيقة، وسجالات التاريخ، فحمل الثقافة بوصفها فعل وعي، لا أداة دعاية، وذاكرة أمة لا ديكور سلطة.
مؤرخ من طراز خاص
وُلد الدكتور محمد صابر إبراهيم عرب عام 1945، وتخرّج في جامعة الأزهر، حيث ارتبط اسمه مبكرًا بقسم التاريخ والحضارة، وبدأ مسيرته الأكاديمية معيدًا عام 1974، ليتدرج علميًا حتى أصبح أستاذًا لتاريخ العرب الحديث عام 1994، وهو الموقع الذي ظل يشغله حتى رحيله.
تميّز عرب بانحياز واضح للمنهج التاريخي الصارم، القائم على الوثيقة والتحليل، بعيدًا عن السرد الإنشائي أو التوظيف الأيديولوجي للتاريخ، وقد انعكس ذلك في إشرافه ومناقشته لمئات الرسائل العلمية في مصر والعالم العربي، وفي حضوره الدائم كمرجع علمي رصين داخل الجامعات والمؤسسات البحثية.
دار الوثائق.. معركة الذاكرة
يمثل توليه رئاسة دار الوثائق القومية ثم الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية (1999–2011) محطة محورية في سيرته، ففي هذه السنوات، خاض واحدة من أهم معارك الحفاظ على الذاكرة الوطنية، عبر تطوير الدار، وإنشاء قواعد بيانات رقمية، وتأسيس مركز لترميم الوثائق، وبناء مقر جديد حديث لدار الوثائق بعين الصيرة.
لم يتعامل عرب مع الوثيقة باعتبارها ورقًا صامتًا، بل باعتبارها شاهدًا حيًا على التاريخ، ومصدرًا لا غنى عنه لفهم الدولة والمجتمع، ومن هنا، لعب دورًا محوريًا في الدفاع عن الأرشيف الوطني من الإهمال أو العبث، وشارك في مشروعات دولية كبرى مثل «ذاكرة العالم» تحت مظلة اليونسكو.
وزير الثقافة في زمن الاضطراب
تولى الدكتور محمد صابر عرب حقيبة وزارة الثقافة من مايو 2012 حتى يونيو 2014، في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ الدولة المصرية الحديث. جاء إلى المنصب محمّلًا بخبرة أكاديمية وإدارية ثقيلة، وفي مواجهة مشهد ثقافي منقسم، وضغوط سياسية حادة.
لم يكن وزيرًا صداميًا، ولا خطابيًا، لكنه تمسّك بفكرة مركزية: حماية استقلال الثقافة. رفض تحويل المؤسسات الثقافية إلى أدوات استقطاب أو دعاية، ودافع عن دورها التنويري، رغم ما واجهه من انتقادات وهجمات. كان حضوره هادئًا، لكن مواقفه كانت واضحة، تنطلق من إيمان راسخ بأن الثقافة لا تُدار بعقلية الغلبة.
إنتاج علمي غزير ومتنوّع
خلّف محمد صابر عرب تراثًا علميًا ضخمًا، تجاوز ثلاثين كتابًا، شكّلت مراجع أساسية في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، من بينها: الحركة الوطنية في مصر 1908–1914، حادث 4 فبراير 1942، العرب في الحرب العالمية الأولى، الدولة في الفكر الإباضي، الدين والدولة في الفكر الإباضي، بين التاريخ والسياسة.
كما قدّم دراسات عميقة عن الفكر الإصلاحي، خاصة في كتاباته حول محمد عبده وطه حسين، فضلًا عن إسهاماته المهمة في تاريخ الخليج العربي، والعلاقات العربية–العربية، والتاريخ العُماني.
لم يكن إنتاجه مجرد رصد للوقائع، بل محاولة دائمة لفهم العلاقة الشائكة بين التاريخ والسياسة، والسلطة والفكر، وهو ما عبّر عنه بوضوح في عنوان أحد كتبه: بين التاريخ والسياسة.
حضور عربي ودولي
شارك الراحل في عشرات المؤتمرات الدولية والعربية، ومثّل مصر في محافل ثقافية عالمية، من باريس إلى المكسيك، ومن دمشق إلى سيول. وترأس وفودًا رسمية في مناسبات ثقافية كبرى، وأسهم في حوارات الحضارات، وملفات التراث، والتوثيق، والتحول الرقمي للذاكرة العربية.
تكريم يليق بالسيرة
حصل الدكتور محمد صابر عرب على جائزة الدولة التقديرية عام 2012، واختير شخصية العام الثقافية في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017، كما نال درع الكمال الثقافي من الحكومة الجزائرية، وغيرها من الجوائز التي عكست تقديرًا عربيًا واسعًا لدوره العلمي والثقافي.
وداعًا لحارس الذاكرة
برحيل محمد صابر عرب، تخسر الثقافة المصرية مؤرخًا نادرًا، جمع بين الأكاديمية والإدارة، وبين المعرفة والمسؤولية، دون أن يتورط في استعراض أو ادعاء. كان يؤمن بأن الثقافة طوق نجاة، كما سمّى أحد كتبه، وبأن الأمم التي تفقد ذاكرتها، تفقد مستقبلها.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الذاكرة العامة الدكتور محمد صابر عرب وزير الثقافة الأسبق المؤرخ الكبير وزیر الثقافة وزیر ا
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.