واشنطن بوست: أوروبا على حافة الهاوية وتواجه تهديدات في 2025
تاريخ النشر: 1st, January 2025 GMT
قالت صحيفة "واشنطن بوست" إن أوروبا تدخل العام الجديد وسط تهديدات عدة، من غضب ناخبيها إلى تفكك أحزابها السياسية التقليدية، فركود اقتصاداتها الرئيسية أو تباطؤها، مع انخفاض معدلات المواليد، وغرق جناحها الشرقي في حرب كارثية.
وأوضحت الصحيفة -في عمود للكاتب لي هوكستادر- أن الديمقراطيات الليبرالية في القارة تتعرض لضغوط شديدة من الحركات اليمينية الشعبوية، إذ تحكم أحزاب "متطرفة" الآن 7 دول من بين أعضاء الاتحاد الأوروبي بشكل كامل أو جزئي، مع ما يتبع ذلك من الإحباط بسبب فشل الحكومات في الحد من الهجرة، وتعزيز فرص العمل والإسكان وتحسين مستويات المعيشة.
وقالت الباحثة ألكسندرا دي هوب شيفر نائبة رئيس صندوق مارشال الألماني- الأميركي إن "هناك خيبة أمل وأزمة ثقة في هذا الجيل الشاب الذي يعتقد أنه ليس من المهم العيش في نظام ديمقراطي ما لم تقدم الحكومة الخدمات العامة والاقتصاد الجيد وأسعار الطاقة المنخفضة".
غير قابلتين للحكموأشار الكاتب إلى أن ألمانيا وفرنسا -اللتين اعتمدت القارة على قوتهما لفترة طويلة- غير قابلتين للحكم تقريبا الآن، وكمثال على ذلك عُيّن في فرنسا رابع رئيس وزراء في عام 2024 قبل بضعة أسابيع، ويعتقد كثيرون أنه لن يستمر طويلا كسلفه نظرا للبرلمان المنقسم في البلاد.
إعلانأما في ألمانيا فمعدل الخصوبة لعام 2023 انخفض إلى أقل من 1.4 طفل لكل امرأة، وهو الحد الذي تعتبره الأمم المتحدة "منخفضا للغاية"، ولكنه أقل صدمة من معدلات المواليد المتهاوية في إسبانيا وإيطاليا.
فجوة متزايدة الاتساع
وبذلك، تقترب أوروبا أكثر فأكثر من حافة الهاوية، إذ تتلاشى بسرعة افتراضات الماضي المريحة بشأن الاستقرار الاجتماعي وفوائد الرعاية الاجتماعية السخية والازدهار الواسع النطاق، مما يعمق الشعور بالقلق، خاصة مع زيادة التهديد الروسي للإنفاق الدفاعي، والضغط على المالية العامة، وفرض خيارات صعبة.
ولتحديث الجيوش الضامرة وإرضاء الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بأن تتحمل القارة المزيد من عبء ردع روسيا سيحتاج القادة الأوروبيون -كما يقول الكاتب- إلى الاعتماد على نمو غير موجود، أو ضرائب أعلى في بلدانهم المثقلة بالضرائب أصلا، أو التهام البرامج الاجتماعية، مما قد يعني بالنسبة لهم الانتحار السياسي.
أجراس الإنذار في كل مكان
ونبه هوكستادر إلى أن أوروبا لم تواجه منذ الحرب الباردة مثل هذه البيئة الأمنية المهددة، حيث تدق أجراس الإنذار في كل مكان تقريبا، لا بسبب تكثيف موسكو حربها الهجينة وتدخّلها في الانتخابات بمختلف أنحاء القارة فقط، بل أيضا لأن وعد واشنطن بالحماية بعد الحرب العالمية الثانية يبدو في أضعف أوقاته، خاصة مع استعداد ترامب للعودة إلى البيت الأبيض.
ولهذه الأسباب أصدرت حكومة السويد -التي دفعها الخوف من روسيا إلى التخلي عن قرنين من الحياد للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي– كتيبا بعنوان "في حالة الأزمة أو الحرب" يهدف إلى مساعدة السويديين على الاستعداد للأسوأ، وأصدرت النرويج وفنلندا تعليمات مماثلة تدعو إلى اتحاد المواطنين.
وخلص الكاتب إلى أن منطقة اليورو -التي تعاني من القيود التنظيمية المفرطة وشيخوخة السكان ونقص العمالة- تفقد أرضيتها لصالح الولايات المتحدة، وسط فجوة متزايدة الاتساع عكست التفاوت بين الاقتصاد الأميركي المزدهر -الذي من المتوقع أن ينمو بنسبة 2.8% في عام 2024- والاقتصاد الهزيل في منطقة اليورو، والذي من المتوقع أن يتوسع بنسبة 0.8% فقط.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
إقرأ أيضاً:
منير أديب يكتب: مسافة الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
الحروب لا تبدأ عندما تُطلق أول رصاصة، بل عندما تفقد المفاوضات قدرتها على إنتاج الحلول، وعندما يُصبح السلاح أكثر قدرةً على تغيير الوقائع من الكلمات، تتحول الدبلوماسية إلى شاهد على الأحداث بدلًا من أنّ تكون صانعتها، هذا هو المشهد الذي يقترب منه العالم اليوم؛ مساحة التفاوض تنكمش، بينما تتسع خرائط المواجهة العسكرية بصورة غير مسبوقة.
لسنوات، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تُدير أزماتها الكبرى وفق معادلة مزدوجة، تفاوض من جهة، وضغط عسكري من جهة أخرى، لم يكن الهدف الحرب، بل استخدام احتمالها لتحسين شروط السلام.
لكن ما يجري اليوم في إيران منذ أواخر فبراير الماضي يُوحي بأنّ هذه المعادلة بدأت تميل بصورة واضحة نحو القوة، وأنّ المؤسسة السياسية في واشنطن أصبحت أكثر اقتناعًا بأنّ بعض الخصوم لا يغيّرون سلوكهم إلا تحت وقع الضربات، وليس تحت ضغط البيانات الدبلوماسية.
داخل الإدارة الأمريكية يزداد نفوذ المدرسة التي ترى أنّ المفاوضات الطويلة تحولت إلى فرصة تمنح الخصوم وقتًا لإعادة بناء قدراتهم، وتطوير برامجهم العسكرية، وتوسيع نفوذهم الإقليمي، أصحاب هذا الاتجاه لا يرفضون التفاوض من حيث المبدأ، لكنهم يرفضون التفاوض الذي لا يغيّر شيئًا في موازين القوى، بالنسبة إليهم، القوة ليست بديلًا عن السياسة، بل هي أداتها الأكثر تأثيرًا.
هذه المدرسة ليست جديدة في الفكر الأمريكي، فقد حضرت في إدارات جمهورية وديمقراطية على السواء، لكنها تستعيد نفوذها كلما تصاعدت الأزمات، وازدادت الهجمات على المصالح الأمريكية أو مصالح الحلفاء. وهي ترى أنّ التردد في استخدام القوة يرفع كلفة المواجهة لاحقًا، وأنّ الضربة المبكرة أقل ثمنًا من حرب مؤجلة بعد سنوات.
في المقابل، لا تزال هناك أصوات داخل الإدارة الأمريكية ومؤسسات الأمن القومي والدبلوماسية تُؤمن بأن القوة تستطيع إسقاط أهداف، لكنها لا تستطيع بناء استقرار، وتعتقد أنّ أي حرب جديدة في الشرق الأوسط لن تكون نسخةً من الحروب السابقة، بل ستكون أكثر اتساعًا، وأعلى تكلفةً، وأشد تأثيرًا على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية، بالنسبة إلى هذا التيار، فإنّ السلام السيئ يبقى أفضل من حرب جيدة.
غير أنّ المشكلة لم تعد في وجود تيارين داخل واشنطن، بل في أنّ الوقائع الميدانية تمنح الأفضلية يومًا بعد آخر لأنصار القوة، فكل هجوم جديد، وكل تعثر تفاوضي، وكل تصعيد إقليمي، يُضعف حجج دعاة التسوية، ويُقوي موقف من يُطالبون بالانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الردع المباشر.
والمفارقة أنّ الأطراف الأخرى تسير في الاتجاه نفسه، فكل طرف يعتقد أنّ الوقت يعمل لصالحه، وأنّ خصمه هو الذي سيضطر إلى تقديم التنازل أولًا، وهكذا يتحول التفاوض من وسيلة للوصول إلى حلول إلى أداة لكسب الوقت، بينما تتحول القوة من ورقة ضغط إلى خيار يقترب تدريجيًا من التنفيذ.
هذا التحول يحمل دلالةً أخطر من مجرد احتمال اندلاع مواجهة جديدة؛ فهو يعكس تراجع الثقة في قدرة الدبلوماسية نفسها على إدارة الأزمات، فعندما يفقد القادة ثقتهم في نتائج التفاوض، يبدأون بالاعتماد على القوة لتغيير الوقائع، ثم يعودون إلى طاولة الحوار بعد أنّ تكون الخرائط قد تغيرت.
السؤال، هل تقع مواجهة عسكرية؟ وما حجمها؟ وأين تبدأ؟ وأين تنتهي؟ فالسيناريو الأكثر ترجيحًا ليس حربًا عالميةً شاملةً، وإنما سلسلة من المواجهات المتدرجة، تبدأ بضربات محدودة، ثم تتوسع إذا أخطأ أحد الأطراف في تقدير رد فعل الآخر، هذا النوع من الحروب أكثر خطورةً؛ لأنه لا يمنح أحدًا فرصةً لإعلان النصر، ولا يسمح في الوقت نفسه بإعلان نهاية واضحة للصراع.
ومن المرجح أنّ تُصبح المنطقة أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف أكثر منها مرحلة الحسم، عمليات عسكرية متقطعة، وهجمات عبر الوكلاء، وضغوط اقتصادية، وحروب إلكترونية، واستهداف للممرات البحرية، ومحاولات لإعادة رسم توازنات الردع، إنها مواجهة لا تبحث عن الانتصار الكامل، بقدر ما تسعى إلى منع الخصم من تحقيقه.
ومع مرور الوقت، ستزداد كلفة هذا المسار على الجميع، فالدول الكبرى ستدفع ثمن اضطراب الأسواق، والدول الإقليمية ستتحمل أعباء عدم الاستقرار، والاقتصاد العالمي سيدفع فاتورة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، بينما ستصبح الممرات البحرية جزءًا من ساحات الصراع لا مجرد طرق للتجارة.
ورغم هذا المشهد القاتم، فإنّ باب التفاوض لن يُغلق بالكامل، فالتاريخ يعلمنا أنّ القوى الكبرى تتفاوض غالبًا وهي تقاتل، وتتبادل الرسائل عبر الوسطاء حتى في أشد لحظات التصعيد، لكن الفارق أنّ التفاوض المقبل لن يُشبه التفاوض السابق؛ سيكون تفاوضًا تُحدده نتائج الميدان أكثر مما تحدده النصوص الدبلوماسية.
إنّ العالم يقف أمام لحظة انتقالية، ليس لأن الحروب أصبحت أكثر احتمالًا، بل لأن الإيمان بقدرة السياسة على منعها أصبح أضعف، وكلما انكمشت مساحة التفاوض، اتسعت مساحة المخاطرة، لأن الحرب، مهما بدت خيارًا محسوبًا عند بدايتها، كثيرًا ما تنتهي إلى نتائج لم يخطط لها أحد.
ربما يكون أخطر ما في المرحلة الحالية أنّ الجميع يتحدث عن السلام، لكن الجميع يستعد للحرب، وبين الخطابين تتحدد ملامح النظام الدولي الجديد؛ نظام تُكتب قواعده على طاولات التفاوض، لكن تُرسم حدوده في ميادين القتال.