عربي21:
2026-07-24@22:44:37 GMT

هل صار «الاستبداد الغربي» مطلبا ديمقراطيا؟!

تاريخ النشر: 23rd, March 2025 GMT

قبل عقود كتب أحد الصحافيين أن الصهيوني الإرهابي إسحاق شامير لم يصل لرئاسة الوزراء في إسرائيل إلا ليُفرح رسامي الكاريكاتور! وقد يصح مثل هذا القول اليوم على رجل البزنس المنحرف الذي سقط في فخ المافيا الروسية منذ ما قبل انهيار الاتحاد السوفييتي. ذلك أنه يبدو أن «دونْ ترامب» (حسب التسمية التي أطلقها عليه توماس فريدمان تشبيها له بدونْ كورليوني زعيم المافيا النيويوركية في فيلم «العرّاب») لم يصل إلى الرئاسة في أمريكا إلا ليكون حالة تطبيقية للنظرية القائلة بأن الديمقراطيات الليبرالية، التي سماها كارل بوبر المجتمعات المنفتحة، إنما هي كائنات طرية هشة قابلة للفناء السريع، إلا أن تتعهدها شعوبها ونُخبها بالرعاية المستمرة وتحفظها من أعداء الداخل، قبل أعداء الخارج، بعين اليقظة المدنية وعناء السهر المؤسسي.



إذ لا تنتهي الحيرة ولا ينقضي العجب من هذه الشعوب التي كانت تنعم طيلة أحقاب بالحقوق والحريات وسيادة الاختيار الديمقراطي فإذا بها تقرر بغتة أن تستخدم نعمة الديمقراطية لاختيار رجال سوء ورداءة تنذر ميولهم الاستبدادية بسحق الحرية والقضاء على الديمقراطية ذاتها. فهل صحيح، كما يروج اليوم بعض المنظّرين، أن الشعوب لا صبر لها على لا-يقين الحياة الديمقراطية وطول إجراءاتها وكثرة تعقيداتها، وأنها تواقة إلى الزعيم المستبد الذي يبسّط المشهد ويختزل الطريق ويقوم وحده بالأمر كله؟

لست أرى هذا الرأي، رغم بداية ظهور «استبداد غربي» يوازي في اعتباطيته نموذج الاستبداد الشرقي القديم. ذلك أن الثابت في التاريخ الحديث والمعاصر أن الشعوب تتوق في الحالات العادية إلى الحرية والشعور بالأمان. إذ ليس من الطبيعة البشرية أن ترضى، مختارة، بالعبودية ومعيشة الخوف والقهر.

ولهذا كان الفرح الشعبي العارم في سوريا بسقوط حكم الشر والهمجية، وكانت الانتفاضة الطلابية الواسعة في صربيا ضد تسلط الحكام وفسادهم، وكانت الهبة الشعبية القوية في جورجيا ضد تصميم الحكومة على تأبيد تبعيتها للأخ الأكبر في روسيا. وليس تاريخ الشعوب طيلة القرنين الماضيين، سواء في أوروبا أم في مستعمراتها السابقة، سوى تأكيد لحقيقة السعي الإنساني الدائب، سلما وعنفا، بالمواجهة أو بالمداورة، نحو الكرامة والحرية والأخذ بزمام المصير.

وإني لَمن الموقنين بأن الطبيعة البشرية تقتضي الكرامة والحرية اقتضاء رغم علمي أن معظم الفلاسفة المعاصرين ينفون وجود طبيعة بشرية وأن سارتر كان يظن أن خلوّ الإنسان من طبيعة سابقة عليه متأصلة فيه هو من شروط قدرته على تحقيق ماهيته ونحت كيانه، أي بلوغ أقصى حريته.

وقد بينت حنا آرندت في كتابها «شرط الإنسان المعاصر» أن الإنسان كائن مشروط بأوضاع مادية سابقة عليه أو مستقلة عنه مثلما هو مشروط بما ينتجه هو ذاته من منتجات الحضارة والمدنية. وهذه المشروطيّة هي في نظرها الصفة الغالبة على الوجود الإنساني. ولكنها تؤكد أن القول بالشرط الإنساني لا يعني القول بالطبيعة البشرية. على أنها لا تذكر سببا لنفي الطبيعة البشرية إلا صعوبة تحديدها، قبل أن تقول «وبعد، فليس ثمة ما يسوغ لنا الافتراض بأن للإنسان طبيعة أو ماهية مثلما يكون للأشياء». إلا أن قولها هذا هو أحد الأدلة على خلط الفلاسفة المعاصرين بين الطبيعة والماهية، ظنا منهم أن القول بالطبيعة البشرية هو موقف جوهراني يحكم على الإنسان بالانحباس سلفا في ماهية ثابتة متحجرة ليس له منها فكاك.

ولكن الحق خلاف ذلك. والدليل أنه ما كان لتشومسكي أن يأتي بنظريته الثورية في اللسانيات لولا قوله بالطبيعة البشرية. أما الذي تسميه آرندت الشرط، أو الوضع، الإنساني فيُعادله، من المنظور الإسلامي، مفهوم المنزلة الإنسانية في تراوُحها بين العزم والعجز وبين تزكية النفس وتدنيسها. وليست الطبيعة البشرية إلا الفطرة التي فطر الله الناس عليها. الفطرة السليمة التي يستبين بها الإنسان الخير من الشر والعدل من الظلم والحق من الباطل.

الفطرة التي أنطقت الفاروق عندما أتاه الرجل القبطي يشكو عدوان ابن عمرو بن العاص عليه، فصاح مستنكرا: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا! فالحرية هي الوضع الطبيعي في أحوال الوجود الإنساني. الحرية هي الأصل والفطرة أيّا ما كان قول أرسطو (الذي لم يكن في تبريره للعبودية إلا ترجمانا لروح عصره).

صحيح أن لطرب بعض الشعوب الغربية حاليا لمواويل عرائس بحر الفاشية أسبابا اجتماعية واقتصادية معروفة. ولكن هذه الظاهرة لا تعدو أن تكون تنويعا جديدا، ومؤقتا، على المأساة التي كان لابوييسي قد أسماها «العبودية الطوعية».

(القدس العربي)

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الديمقراطية الاستبدادية الغربية استبداد الغرب ديمقراطية اقتصاد سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الطبیعة البشریة

إقرأ أيضاً:

الرئيس المصري يدعو أطراف الصراعات بالمنطقة للعودة إلى المفاوضات

القاهرة- دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أطراف الصراعات في منطقة الشرق الأوسط إلى وقف التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات، مؤكدا أن تحقيق السلام العادل يظل السبيل لضمان الاستقرار والازدهار للشعوب.

جاء ذلك في كلمة ألقاها بمناسبة الذكرى 74 لثورة 23 يوليو/تموز 1952 التي أطاحت بالنظام الملكي في مصر.

وقال السيسي: "أدعو دول العالم إلى بذل كل جهد لوقف الحروب والصراعات، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، والتصدي للنزعات التخريبية الرامية إلى اسـتمرار الكراهيـة، وسـفك الدماء والدمار".

وشدد على "ضرورة عدم توقف المساعي الجادة الحثيثة لتحقيق سلام عادل يضمن الاستقرار والازدهار لكل الشعوب، فالعالم يتسع للجميع".

وأكد السيسي أن "العنف لا يجلب إلا المزيد من العنف، ونتيجته المعروفة هي الخراب والدمار".

وطالب "جميع الأطراف المعنية، بالكف عن استخدام القوة، وضبط النفس، ووقف التصعيد، والعودة إلى طاولة المفاوضات، إعلاء لقيمة السلام وصونا لحقوق الشعوب".

وتأتي تصريحات السيسي في ظل استمرار التوترات الإقليمية، إذ تجددت المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران بعد انهيار اتفاق أولي لوقف التصعيد، أعقب الحرب الإسرائيلية الأمريكية على طهران أواخر فبراير/شباط الماضي، وشملت ضربات أمريكية وردودًا إيرانية استهدفت مواقع في المنطقة.

كما تشهد المنطقة تصاعدًا في التوتر باليمن، بعد استهداف أنصار الله الحوثيين، المدعومين من إيران، سفينة سعودية الخميس، بالتزامن مع استمرار الإبادة الإسرائيلية بقطاع غزة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025.

مقالات مشابهة

  • تكريم المشاركين في العمل الإنساني لضيوف قطر من غزة
  • ماسك يتوقع تفوق الذكاء الاصطناعي على البشرية خلال عقد
  • السيسي يدعو أطراف الصراعات بالمنطقة للعودة إلى المفاوضات
  • الروبوتات البشرية تبدأ بمزاحمة الإنسان على الوظائف في مصانع العالم
  • طارق صالح: ثورة 23 يوليو رسخت دور الجيوش الوطنية في حماية الشعوب
  • النفير القبلي يتصاعد في الساحل الغربي.. التفاف شعبي خلف معركة الجمهورية
  • هل لعبة كرة القدم هي افيون الشعوب ؟
  • إنفوجرافيك | تأثيرات خطيرة ومتعددة المستويات على القطاع الصحي والوضع الإنساني في البلاد، نتيجة الحصار المفروض على مطار صنعاء الدولي من قبل العدو السعودي واستمرار إغلاقه لأكثر من 11 عاماً
  • وزيرة البيئة تبحث خطة تطوير المحميات مع "الهابيتات" وصون الطبيعة
  • الرئيس المصري يدعو أطراف الصراعات بالمنطقة للعودة إلى المفاوضات