في مشهد نادر وشجاع هزّ أركان واحدة من أضخم شركات التكنولوجيا في العالم، وقفت المهندسة المغربية الشابة ابتهال أبو السعد لتقول «لا» في وجه ما وصفته بـ»تواطؤ الذكاء الاصطناعي في جرائم الإبادة»، موجهةً اتهامًا مباشرًا لشركتها – مايكروسوفت – خلال احتفالها بمرور نصف قرن على تأسيسها.

ابتهال، خريجة جامعة هارفارد وأحد أبرز العقول الشابة في مجال الذكاء الاصطناعي، لم تكتفِ بالصمت كما يفعل الآلاف داخل كبرى شركات التكنولوجيا، بل اقتحمت منصة الاحتفال في العاصمة الأمريكية واشنطن، لتقاطع كلمة المدير التنفيذي لقطاع الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت مصطفى سليمان، وتوجه له اتهامًا قاسيًا: «تزعم أنك تستخدم الذكاء الاصطناعي من أجل الخير، لكن مايكروسوفت تبيع أسلحة ذكاء اصطناعي للجيش الإسرائيلي.

. أنتم تجار حرب».

لم تكن كلمات ابتهال مجرد صرخة غضب، بل موقف مبدئي ضد شراكة تقنية تقول إنها ساهمت في قتل أكثر من 50 ألف فلسطيني في قطاع غزة، ودعمت مشاريع مراقبة وتجسس استخدمت لتصفية مدنيين، بحسب ما جاء في رسالة مسرّبة نسبت إليها لاحقًا ونشرها موقع «ذا فيرج».

من الرباط إلى مايكروسوفت.. رحلة عبقرية وضمير

وُلدت ابتهال عام 1999م في العاصمة المغربية الرباط، وتفوّقت منذ سنواتها الأولى في مجال الرياضيات والعلوم، لتنال منحة دراسية إلى جامعة هارفارد حيث تخصصت في علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي.

وقبل ذلك، كانت قد خاضت تجربة ملهمة ضمن برنامج TechGirls التابع لوزارة الخارجية الأميركية، والذي يُعنى بتأهيل الفتيات في مجالات التكنولوجيا والهندسة.

في سنوات دراستها، أسّست منصات لتعليم البرمجة للأطفال ذوي الدخل المحدود، وأسهمت في تطوير منصة رقمية لحفظ السجلات الطبية للاجئين حول العالم، في مشروع إنساني يُجسد شغفها بالتكنولوجيا كأداة تغيير إيجابي.

وفي عام 2022م، انضمت إلى مايكروسوفت، حيث عملت ضمن فرق تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي في الخدمات السحابية “مايكروسوفت أزور” ومشاريع التحليل البياني والمراقبة، دون أن تعلم – حسب تعبيرها – أن بعض هذه التقنيات سيتم تسخيرها لأغراض عسكرية من قبل جيش العدو الإسرائيلي.

صرخة مدوّية تهز الصمت

في رسالتها التي تلت الواقعة، كتبت ابتهال: “لقد حطمتني صور الأطفال الأبرياء المغطاة بالرماد والدماء… لا يمكنني أن أواصل عملي بينما يُستخدم الذكاء الاصطناعي في قتل المدنيين”.

كشفت الرسالة عن عقد قيمته 133 مليون دولار بين مايكروسوفت ووزارة دفاع الكيان الصهيوني، لتخزين وتحليل بيانات ضخمة عبر خدمات “أزور”، وهو ما وصفته بأنه “مساهمة مباشرة في مراقبة واستهداف الشعب الفلسطيني”.

كما أشارت إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تطورها الشركة “تُستخدم حاليًا في أكثر مشاريع الجيش الإسرائيلي سريةً، ومنها بناء بنك أهداف ورصد السكان الفلسطينيين”، مؤكدة أن الاستخدام العسكري لهذه التقنيات تضاعف 200 مرة منذ اندلاع العدوان في أكتوبر 2023م.

تقدير واسع ودعم شعبي

لاقى موقف ابتهال إشادة واسعة من ناشطين وحقوقيين وصحفيين في العالم العربي، حيث وصفها الحقوقي الفلسطيني رامي عبدو بأنها “ضمير يقظ داخل إحدى أكبر شركات التكنولوجيا”، أما الأكاديمي المغربي هشام بنلامين علوي، فوصفها بـ”المرأة الحرة في زمن العبيد”، مشيدًا بتضحيتها بمستقبلها المهني مقابل موقف إنساني، كما كتب الحقوقي المغربي عبدالعالي الرامي: “شكراً يا ابتهال على كونك إنسانة في عالم وحشي”.

التكنولوجيا لا تعفي من الأخلاق

ما فعلته ابتهال يعيد فتح النقاش المؤجل حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ودور الشركات الكبرى في الحروب الحديثة، خصوصًا بعد تأكيد تقارير متعددة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُستخدم في تحديد الأهداف وضرب المواقع السكنية في غزة.

وإن كانت ابتهال قد غادرت منصة مايكروسوفت تحت أعين مشدوهة، فإن رسالتها – كما يقول المراقبون – لم تغادر وجدان الآلاف ممن باتوا يتساءلون: هل يمكن فصل الذكاء الاصطناعي عن دماء الأبرياء؟

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق

أكد المستشار مؤمن العقيلي، المحامي وعضو الجمعية المصرية لحقوق الإنسان، أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تمثل أدوات تقنية مفيدة يمكن الاستفادة منها في الحصول على المعلومات وإنجاز العديد من المهام، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن العقل البشري أو التفكير النقدي.

التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي

وأوضح خلال حواره في برنامج "خط أحمر" الذي يقدمه الإعلامي محمد موسى على قناة الحدث اليوم، أن الذكاء الاصطناعي يعتمد في الأساس على البيانات التي يُغذيه بها الإنسان، وقد يقدم أحيانًا معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة، لذلك لا يجوز التعامل مع مخرجاته باعتبارها حقائق نهائية، بل يجب مراجعتها والتحقق منها من مصادر موثوقة.

رغم دعوات الحظر.. مختبر أمريكي يدافع عن الذكاء الاصطناعي الصيني ويكشف الحقيقةأسوان تطلق برامج تدريب مجانية تؤهل الشباب لشهادات دولية في الذكاء الاصطناعيالأسهم الآسيوية ترتفع بدعم من إنفاق شركات التكنولوجيا الأمريكية على الذكاء الاصطناعيالوزراء يستعرض ترتيب الدول من حيث استخدام الذكاء الاصطناعي


وأضاف العقيلي أن الاستخدام الرشيد للذكاء الاصطناعي يقوم على اعتباره وسيلة مساعدة تدعم الإنسان في اتخاذ القرار، وليس أداة تحل محله، مشددًا على أن التفكير والتحليل والتأكد من صحة المعلومات سيظل دائمًا مسؤولية المستخدم نفسه.

طباعة شارك تطبيقات الذكاء الاصطناعي الذكاء الاصطناعي العقل البشري

مقالات مشابهة

  • أخبار التكنولوجيا | سامسونج تكشف عن نظارات بالذكاء الاصطناعي .. جوجل تسهل الانتقال من آيفون إلى أندرويد
  • ماذا لو فشل برشلونة في ضم ألفاريز؟.. الذكاء الاصطناعي يحدد 5 بدائل
  • الذكاء الاصطناعي يقود "نوكيا" إلى أرباح تفوق التوقعات
  • هل يهدد الذكاء الاصطناعي أرباح صناع المحتوى على يوتيوب؟
  • مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق
  • عجمان تدشن أول معاملة حكومية بلا واجهة باستخدام الذكاء الاصطناعي الوكيل
  • جامعة الدول العربية وملف الذكاء الاصطناعي
  • أبو العينين: خوارزميات الذكاء الاصطناعي ترسم ملامح القوة في العصر الحديث
  • مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه تطلق بالشراكة مع مايكروسوفت مرحلة جديدة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالها
  • بنك إسرائيلي يتخلص من مدرائه بعد اعتماده على الذكاء الاصطناعي