العراق: الإدارة المالية للدولة والعبث!
تاريخ النشر: 9th, May 2025 GMT
يفترض أن يكون الدستور والقانون، المرجع الوحيد ذا الطبيعة الإلزامية الذي يحكم عمل الدولة، وينظم السلطات العامة فيها. لكن في العراق لا تبدو هذه الفرضية صحيحة؛ وعلى جميع مستويات إدارة الدولة؛ فقد ألزم الدستور الحكومة بتقديم مشروع قانون الموازنة العامة والحساب الختامي (حساب الإيرادات الفعلية والمصروفات الفعلية لسنة مالية منتهية) إلى مجلس النواب لإقراره.
ما يعكس عدم اهتمام مجلس النواب باقرار قوانين الحسابات الختامية، هو التنازع بين القوانين التي شرعها والمتعلقة بهذه المسألة؛ فبينما نص قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم 13 لسنة 2018 على أن «يعرض الحساب الختامي على المجلس في مدة لا تزيد على تسعة أشهر من تاريخ انتهاء السنة المالية» (المادة 21/ أولا). نص قانون الإدارة المالية رقم 6 لسنة 2019 على أن «يعلن وزير المالية تاريخ غلق الحسابات الختامية للسنة المالية المنتهية على أن لا يتجاوز (31/1) من السنة اللاحقة»، وأن يصدر ديوان الرقابة المالية تقريره عن هذه الحسابات «في موعد أقصاه نهاية شهر حزيران من السنة اللاحقة» (المادة 28/ أولا وثالثا). وبالتالي يفترض أن تعرض هذه الحسابات وتدقيقها خلال ستة أشهر وليس تسعة أشهر!
وسبق للمحكمة الاتحادية العليا أن أثبتت بقرارها (190/ اتحادية/ 2023) أن الحساب الختامي «يشكل عاملا أساسيا، إن لم يكن العامل الأول، في وقف هدر المال العام والحد من ظواهر الفساد المالي والإداري الذي تعاني منه مؤسسات الدولة». وأنها من خلال التحقيقات التي أجرتها قد ثبت لديها «عدم التزام كل من وزارة المالية ومجلس الوزراء بإنجاز الحسابات الختامية ضمن التوقيت المحدد في الدستور والقانون»، وألزمت رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية بتقديمها وفقا لتلك التوقيتات!
في عام 2023 أُقرت موازنة اتحادية لمدة ثلاثة أعوام، وبالرغم من أن قانون الإدارة المالية قد اشترط أن يقدم مجلس الوزراء مشروع قانون الموازنة إلى مجلس النواب «قبل منتصف شهر تشرين الأول من كل سنة»، واشترط أيضا أنه «لا يجوز أن يزيد العجز في الموازنة التخطيطية عن 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي» (المادة 6/ رابعا) لكن مشروع قانون الموازنة لم يصل إلى مجلس النواب إلا في 16 آذار/ مارس 2023، أي بعد أكثر من خمسة أشهر عن التاريخ المحدد في القانون، فيما زادت نسبة العجز المخطط في الموازنة عن 20٪ تقريبا من الناتج المحلي الاجمالي، أي سبعة أضعاف النسبة المحددة في القانون (وفقا لأرقام البنك الدولي فقد بلغ الناتج المحلي الاجمالي للعراق 250.84 مليار دولار في العام 2023، فيما بلغت نسبة العجز المخطط في الموازنة ما يقارب 49.6 مليار دولار). كما قرر القانون أنه من بين مصادر تمويل هذا العجز الهائل، قروض داخلية وخارجية بما يزيد قليلا عن 10 مليار دولار!
يفترض أن يكون الدستور والقانون، المرجع الوحيد ذا الطبيعة الإلزامية الذي يحكم عمل الدولة، وينظم السلطات العامة فيها قبل أيام قرر مجلس الوزراء العراقي تخويل وزيرة المالية صلاحية «سحب مبالغ الامانات الضريبية التي لم يمض عليها خمس سنوات»، والتي تبلغ ما يقارب 2.3 مليار دولار، لتمويل وتسديد الرواتب الحكومية «على أن تجري التسوية النقدية شهريا عند المطالبة بها»، وسوغت وزريرة المالية هذا القرار بالقول: «الإجراء طبيعي لتعظيم إيرادات الموارد والسيطرة عليها بكافة انواعها»!
والأمانات الضريبية مبالغ تودعها الشركات لحين إكمال التحاسب الضريبي، ولا تعد من الإيرادات العامة للدولة، إلا بعد مرور خمس سنوات على إيداعها دون المطالبة بها كما يقرر القانون. وبالتالي فان قرار مجلس الوزراء يُعد اجراء مخالفا للقانون من أوجه عدة، وليس «إجراء طبيعيا» كما قالت وزيرة المالية.
فضلا على أن استخدام أموال الأمانات الضريبية لتسديد الرواتب االحكومية يمثل دينا داخليا إضافيا ما يزيد حجم هذا الدين الذي وصل إلى أرقام غير مسبوقة في ظل الحكومة الحالية؛ فقد ارتفع الدين الداخلي عام 2023 2023 من 48.624 مليار دولار إلى 55.033 مليار دولار، وارتفع أيضا في نهاية النصف الأول من عام 2024 ليصل إلى 58.995 مليار دولار وفقا لأرقام وزارة المالية. فيما يقدم البنك المركزي العراقي أرقاما مختلفة، فعلى موقعه الرسمي بلغ الدين الداخلي في العام 2024 ما يقارب 63.883 مليار دولار وفقا لسعر الصرف الرسمي، في حين قرر قانون الموازنة أنه يجب أن لا يزيد الدين الخارجي والداخلي عن 10 مليار دولار! كما أن قانون إدارة الدولة اشترط أن الااقتراض لتمويل العجز يجب أن يكون «ضمن الحدود القصوى المقررة في قانون الموازنة العامة الاتحادية» (المادة 39/ اولا)!
كان يمكن للدولة أن تلجأ إلى إجراءات أخرى لتخفيض العجز الكبير في الموزانة العامة، خاصة بعد الانخفاض الكبير في أسعار النفط (بلغ سعر برميل النفط المقدر في قانون الموازنة 70 دولارا وانخفاض سعر النفط عن هذا السعر سيعني زيادة العجز في الموازنة بأكثر من 1.5 مليار دولار عن كل دولار واحد) من بينها خفض الإنفاق الحكومي، أو خفض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار، لكنها لم تفعل ذلك لأسباب انتهازية بحتة، تتعلق بقرب موعد الانتخابات، وعدم استعدادها للذهاب إلى اجراءات اقتصادية يمكن أن تفقدها بعض الأصوات؛ لهذا كان الحل هو كالعادة اللجوء إلى انتهاك أحكام القانون في سياق التواطؤ الجماعي على عدم احترام القانون بشكل منهجي، فالقانون بالنسبة للطبقة السياسية العراقية مجرد «سطر تكتبه وسطر تمسحه» متى شاءت، ومتى ما اقتضت مصالحها ذلك!
(القدس العربي)
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه العراق الموازنة العراق الموازنة السوداني سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الحسابات الختامیة إلى مجلس النواب قانون الموازنة مجلس الوزراء فی الموازنة ملیار دولار عام 2023 على أن
إقرأ أيضاً:
لجنة المالية النيابية تبحث مشروع الميزانية العامة الموحدة لعام 2025
???? طبرق – لجنة التخطيط والمالية بمجلس النواب تناقش مشروع الميزانية الموحدة لعام 2025
ليبيا – عقدت لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة بمجلس النواب اجتماعًا موسعًا برئاسة رئيس اللجنة عمر تنتوش، وبحضور نائب الرئيس المهدي مسعود الأعور، والمقرر عامر عمران، إلى جانب عدد من أعضاء اللجنة، وذلك لمناقشة مشروع الميزانية العامة الموحدة للدولة للعام 2025، المقدم من رئيس حكومة الاستقرار.
???? مشاركة واسعة لأعضاء اللجنة المالية ????
شارك في الاجتماع أعضاء اللجنة:
عبدالوهاب زولية
محمد الفيرس
الصادق الكحيلي
خليفة الدغاري
سالم قنان
محمد خليل
عبدالمنعم بالكور
فهمي التواتي
???? مناقشة أولية لمقترح الحكومة حول الموازنة ????
ركزت أعمال اللجنة على دراسة المقترح الحكومي لاعتماد الميزانية العامة الموحدة للعام 2025، في إطار التحضيرات لإقرارها بشكل رسمي من قبل مجلس النواب، وسط مداولات حول التقديرات المالية وأوجه الإنفاق والاستحقاقات المرتقبة.