كيف ينبغي تقييم نتائج الحرب بين إيران وإسرائيل؟
تاريخ النشر: 30th, June 2025 GMT
كما كان متوقعا، خضع تقييم نتائج الحرب الأخيرة بين إيران ودولة الاحتلال في العالم العربي لمنطق الاستقطاب القائم وخصوصا لجهة الموقف من إيران، بما أدى لتقديرات متسرعة ومبالغ بها لصالح أحد الطرفين؛ من قبيل "النصر الكاسح" و"الهزيمة الساحقة" و"انهيار النظام" و"الاستسلام" وغير ذلك، ومما يبعث على الأسف أن الأمر شمل حتى بعض الباحثين والكتاب الذين يفترض بهم وينتظر منهم التقييم الموضوعي.
والبديهي أن تقييم نتائج حرب من هذا النوع لا يمكن اختزاله بهذه الطريقة المخلّة، وإنما ينبغي أن يُبنى على منهجية تعتمد عدة عناصر رئيسة؛ في مقدمتها سياق الحرب، وأهداف الطرفين (المعتدي والمعتدى عليه) منها، وتطوراتها الميدانية، وخسائر كل طرف، وقدرات وأسلحة الطرفين، وكيف وعلى أي أسس انتهت الحرب.
يمكن تلخيص سياق الحرب بعدة معطيات بالغة الأهمية لا يمكن تقييم نتائج الحرب بدون وضعها في الحسبان:
الأيام اللاحقة في الحرب أكدت على أن إيران امتصت إلى حد كبير الصدمة الأولى وبادرت إلى تفعيل منظومة الصواريخ الباليستية في سياق السعي لحرب استنزاف تبدو هي -أي إيران- أكثر قدرة من "إسرائيل" على تحملها
أولها، أن إيران لم تكن تريد المواجهة بل أُجبرت عليها، وكانت حتى اللحظة الأخيرة تسعى لتجنبها ولعلها ظنت أنها ستنجح في ذلك، وهو تقدير خاطئ بطبيعة الحال بعد ما أثبتته السنتان الفائتتان من متغيرات جوهرية في النظرية الأمنية- العسكرية لدولة الاحتلال في المنطقة وبعد التغيرات الكبيرة في الأخيرة. الأهم أن إيران كانت تسعى بما أوتيت من قوة وأوراق لتجنب مواجهة مباشرة وشاملة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي ترى أنها ستكون مدمرة وكارثية عليها.
وثانيها، أن الحرب أتت بعد إضعاف حلفاء إيران في المنطقة إلى حد كبير، على أقل تقدير وفق المنظور "الإسرائيلي"، وفي مقدمة ذلك سقوط النظام السوري، والضربات التي وُجهت لحزب الله في لبنان واختُتمت باتفاق وقف إطلاق النار، فضلا عن إضعاف حركة حماس والمقاومة في غزة. وبالتالي فقدت إيران الدرع الأمامي وورقة التدخل البري -المحتمل- في أي حرب مع "إسرائيل"، وبالتالي نسبة لا بأس بها من الردع وأوراق القوة.
وثالثها، أن إيران لم تخض الحرب ضد دولة الاحتلال منفردة، بل شاركت مع الأخيرة عدة أطراف عربية وغربية، إن كان على صعيد الرصد والاستطلاع، أو المشاركة الفعلية في إسقاط المسيرات والصواريخ الإيرانية (بإتاحة الأجواء و/أو المشاركة المباشرة)، أو الضربة الأمريكية الكبيرة على المنشآت النووية، وغير ذلك.
في تطورات الحرب، وجهت "إسرائيل" بلا أدنى شك ضربة كبيرة لإيران، باغتيال عدة قيادات عسكرية وازنة وعلماء بارزين في المشروع النووي بشكل متزامن، فضلا عن قصف مواقع حساسة، واتضح أنها قد حققت على مدى سنوات اختراقات أمنية مذهلة في الداخل الإيراني، بما في ذلك تشغيل جهاز الموساد مجموعات قادرة على استخدام مسيّرات وأسلحة مختلفة خلال الحرب. كما لا ينبغي تجاهل الضربة الكبرى التي وُجهت للمشروع النووي الإيراني بالقصف الأمريكي المباشر في آخر أيام الحرب.
بيد أن الأيام اللاحقة في الحرب أكدت على أن إيران امتصت إلى حد كبير الصدمة الأولى وبادرت إلى تفعيل منظومة الصواريخ الباليستية في سياق السعي لحرب استنزاف تبدو هي -أي إيران- أكثر قدرة من "إسرائيل" على تحملها لعدة أسباب. خلال الأيام الأخيرة في الحرب، ورغم غياب أي اغتيالات لشخصيات "إسرائيلية" وازنة واختلال ميزان الخسائر البشرية لصالح دولة الاحتلال، أثبتت إيران أن صواريخها قادرة على إحداث ضرر أكبر وبدقة أعلى مما كان يظن قادة الاحتلال. وقد صدرت عدة تقارير إعلامية "إسرائيلية" وغربية بهذا الخصوص، فضلا عن تصريحات ترامب وكذلك حديث نتنياهو -ومسؤولي حكومته- المتكرر عن "الحرب الصعبة" و"الثمن الكبير" الذي ينبغي دفعه في المواجهة مع طهران.
إضافة لما سبق، من المعايير المهمة في تقييم نتائج الحرب ثم تبعاتها على المديين القريب والبعيد؛ أنها لم تنته باتفاق لوقف إطلاق النار (رغم التسمية الشائعة)، بل فقط بتوافق ضمني من الأطراف الثلاثة بعدم الاستمرار بها. وبالتالي فلم تتوقف الحرب بناء على توافق على أي شروط، ولا بالاتفاق على مسار سياسي أو أمني مختلف بما في ذلك المفاوضات بين طهران وواشنطن على الملف النووي. أكثر من ذلك، فقد كان أول من دعا إلى وقف الحرب، بعد قصف المنشآت النووية، هو رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو، وهو أمر ينفي فكرة الانتصار الساحق لصالح "إسرائيل" بالحد الأدنى، فلو كانت الأخيرة مرتاحة تماما لنتائج الضربة الأمريكية ومخرجات الحرب حتى حينه لما كان وقف الحرب بهذه الطريقة والأسلوب.
في الأهداف المعلنة للحرب، كرر نتنياهو أكثر من مرة أهدافا مرتفعة السقف من قبيل تغيير النظام الإيراني، وتدمير مشروعه النووي، وكذلك منظومته الصاروخية، وإن كانت بعض التصريحات أظهرت تضاربا وتناقضا أحيانا في ذلك. كما كرر ترامب نفسه عبارة "الاستسلام الكامل وغير المشروط" من قبل إيران كشرط لوقف الحرب عليها. في المقابل، التزمت طهران سردية ضرورة وقف العدوان عليها و"معاقبة إسرائيل" للعودة للمفاوضات مع الإدارة الأمريكية.
المواجهة الأخيرة لن تكون النهائية على الأغلب بين الجانبين، إذ أنها لم تحسم أيا من الملفات الخلافية بشكل نهائي، فضلا عن استمرار الحرب على غزة وفي المنطقة (سوريا ولبنان واليمن) بما يبقي فتيل التصعيد مشتعلا، وتزداد احتمالات المواجهات المستقبلية في حال تأكد أن الضرر الذي حل بالمشروع النووي الإيراني أقل مما يرضي "إسرائيل"
وعليه، تكون إيران في المحصلة قد حققت أهدافها في هذه الحرب، أي وقف العدوان والرد على "إسرائيل" وتجنب حرب مباشرة وشاملة مع واشنطن، رغم أنه لا يمكن أبدا التقليل من أثر الضربات التي تلقتها، على المستويين الرمزي والفعلي، بما يخص الاختراقات والاغتيالات والبرنامج النووي وحتى منظومات الدفاع الجوي، بينما لم تحقق دولة الاحتلال الأهداف الكبيرة التي أعلنتها، واكتفت بأنها وجهت ضربات أمنية ناجحة وتحققت لها الضربة الأمريكية المنشودة للمنشآت النووية، وأثبتت من جهة أخرى أنها لا تملك حلا ناجعا للصواريخ الإيرانية رغم عديد منظومات الدفاع الجوي والدول التي تشاركها المنظومة الدفاعية.
ومن نتائج الحرب المباشرة بقاء النظام الإيراني متماسكا، واستنزاف الجبهة الداخلية "الإسرائيلية" بشكل غير مسبوق في تاريخ دولة الاحتلال، والضربة الكبيرة التي تعرضت لها المنشآت النووية، رغم صعوبة الجزم بما حصل لها على الواقع، ولكنها بالتأكيد تعرضت بالحد الأدنى لأضرار ستؤخر المشروع النووي لمدة زمنية ليست بالقصيرة.
وأخيرا، فإن المشهد النهائي للحرب كان عبارة عن ضربات محددة ومحسوبة من الولايات المتحدة وإيران، أخبرت كل منهما الأخرى قبلها عنها عبر تركيا، كما ذكر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في مقابلة تلفزية قبل أيام، بما يؤكد أن الجانبين لا يريدان حربا مفتوحة، فضلا عن أن كلا من إيران ودولة الاحتلال رغبتا في وقف الحرب عند هذه النقطة، بما يعني أن أيا منهما لم يتعرض لهزيمة واضحة أو يحقق نصرا جليا، وإنما كانت نتيجة المواجهة نقاطا لكل منهما إن جاز التعبير، وستختلف التقديرات بطبيعة الحال حول عددها وأثرها.
وعليه، في ما بعد الحرب، ستعكف كل من إيران ودولة الاحتلال على دراسة الحرب بشكل تفصيلي والسعي لاستدراك الأخطاء والثغرات التي أظهرتها خلالها؛ الخروق الأمنية والوضع الداخلي ومنظومة الحلفاء بالنسبة لإيران، ومعضلة الصواريخ الباليستية بالنسبة لدولة الاحتلال. وهو ما يعني في المقام الأول أن المواجهة الأخيرة لن تكون النهائية على الأغلب بين الجانبين، إذ أنها لم تحسم أيا من الملفات الخلافية بشكل نهائي، فضلا عن استمرار الحرب على غزة وفي المنطقة (سوريا ولبنان واليمن) بما يبقي فتيل التصعيد مشتعلا، وتزداد احتمالات المواجهات المستقبلية في حال تأكد أن الضرر الذي حل بالمشروع النووي الإيراني أقل مما يرضي "إسرائيل" وبالتالي الولايات المتحدة كذلك.
x.com/saidelhaj
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الحرب إيران الإسرائيلي النووية إيران إسرائيل النووي حرب مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد مقالات سياسة سياسة اقتصاد سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة دولة الاحتلال فی المنطقة وقف الحرب أن إیران فضلا عن فی ذلک
إقرأ أيضاً:
هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
لا يخرج الحاكم العسكري لبوركينا فاسو الجنرال إبراهيم تراوري من جدل إلا عاد إليه، فمنذ أن قاد هذا الشاب ذو الندبة الغائرة في الخد الأيسر انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوغوداميبا -الذي كان هو الآخر قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب على سلفهما- ظل هذا الجنرال شخصية مثيرة للانقسام ومحط أنظار الداخل والخارج.
ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا العريقة في غرب أفريقيا. التحق بالسلك العسكري عام 2010، وحقق صعودا سريعا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود في 30 سبتمبر/أيلول 2022 انقلابا أطاح بشركيه في الحكم، ليتولى قيادة بوركينا فاسو بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع الرحلات صعودا من صفوف المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم في القارة.
بيد أن تراوري لم يدخل القصر الرئاسي في واغادوغو حاملا مفاتيح سلطة مستقرة، بل ورث بلدا حبيسا غارقا في أزمات متشابكة. ومنذ ذلك الحين، انخرط الجنرال الشاب في حروب ومواجهات متشابكة، لم تتوقف عند جبهة واحدة، بل ظلت تتسع بإضافة ملفات جديدة إلى قائمة الصراعات المفتوحة، بعضها مرتبط بالهوية والتاريخ والأعراق، قبل أن تفرض القضايا الأخيرة نفسها كأكثر محطاته إثارة للجدل.
الحرب الرابعة.. العرب وطلاب الشريعةوفيما تتعدد الأزمات وتنقطع الطرق أمام الضابط الشاب، يبدو أن العرب ودارسي الشريعة الإسلامية هما هدف الحرب المقبلة للرجل الذي يخوض معارك على أكثر من جبهة دون أن يحرز حتى الآن الاختراق والنصر اللذين بشر بهما في ملفات بلاده الأكثر إلحاحا.
ففي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، فتح تراوري ملفات بالغة الحساسية والتعقيد، تصدرها تاريخ العبودية في الذاكرة الأفريقية، إلى جانب واقع التعليم الديني في بوركينا فاسو، ما أعاد طرح تساؤلات حول توجهاته وأولويات المرحلة المقبلة.
إعلانوفيما وصفه كثيرون بمغالطة تاريخية كبرى، قال تراوري في 19 يوليو/تموز الجاري، إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكدا أن "آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962″، في تصريحات أعادت إلى الواجهة نقاشا تاريخيا وسياسيا محتدما بشأن تاريخ القارة مع العسف الأوربي.
ولم تقتصر تصريحات تراوري على إعادة قراءة الماضي، بل امتدت إلى إعادة رسم سياسة بلاده تجاه التعليم الديني؛ إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلبة البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والشروع في إعادة نحو 800 طالب يواصلون حاليا دراساتهم الإسلامية في عدد من الدول العربية.
ولوّح بإجراءات غير مسبوقة بحق من يرفضون العودة، محذرا من أن الإصرار على استكمال الدراسة في الخارج قد يعرّضهم لفقدان الجنسية البوركينابية.
وبرر هذه الخطوة -غير المألوفة في البلاد- بقوله إن دارسي الشريعة العائدين من الخارج يحملون معهم، بحسب وصفه، رؤى متشددة وأفكارا مؤدلجة تسعى إلى فرض أجنداتها داخل المجتمع، في حين يفتقرون إلى المهارات المهنية التي يحتاجها سوق العمل، في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة.
لم تمر تصريحات الجنرال تراوري مرور الكرام على مسامع المستعربين الأفارقة، خصوصا ما يتعلق منها باعتبارهم -ضمنا- مشاريع إرهاب، وأن دراستهم في الجامعات العربية لا تفيد بوركينا فاسو.
وقد مثّلت تصريحات تراوري الأخيرة افتتاحا لجبهة رابعة في سلسلة المعارك التي يخوضها منذ وصوله إلى السلطة. وبينما التزمت العواصم العربية الصمت إزاء مزاعمه بشأن تاريخ العرب في أفريقيا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات، إذ عدّها كثيرون مغالطةً تاريخية، تُحمّل العرب وزر حقبة العبودية، فيما تُغفل مسؤولية القوى الغربية عن قرون من تجارة الرقيق والاستعمار في أفريقيا.
ولم يكن الجدل أقل حدة في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأفريقية، ولا سيما بين المستعربين وخريجي الجامعات العربية، الذين رأوا في حديثه عن دارسي العلوم الشرعية والثقافة العربية والإسلامية تشكيكا ضمنيا في مساراتهم العلمية، وتصويرا لهم بوصفهم حواضن محتملة للتطرف، واختزالا لسنوات تحصيلهم في الخارج في أفكار متشددة، مع إنكار ما يمكن أن تقدمه من إسهامات علمية ومعرفية لبلادهم.
وكانت المفارقة أن "الثائر البوركينابي" اختار لغة مستعمره السابق وعدوه الحالي ليتحدث بها عن تاريخ استعباد وهمي، متناسيا تاريخا قريبا من تجارة الرقيق الأفريقي وشحنه عبر السفن الأوروبية إلى منافي الجريمة والألم.
وفيما تتفاقم آثار تصريحات تراوري، سواء فيما يتعلق بضعف مصداقيتها التاريخية، فإنها أيضا متفاقمة في اتجاه الإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد المؤسسات والرموز الإسلامية في بلاده، وشملت حتى الآن:
سن قانون الحريات الدينية، الذي يحد من النشاط الدعوي والتعليمي ويمنع بناء المساجد في المؤسسات العمومية، كما يحظر التعليم الديني في المؤسسات التعليمية العمومية، ويعمل بمختلف مواده على تقوية وتعزيز الطابع العلماني للدولة والنظام. إغلاق أكبر مساجد العاصمة، وسط حالة من القلق والتوجس بشأن مستوى التقييد الأمني والقانوني التي تواجهها المساجد في عموم البلاد في ظل الأوضاع الجديدة. اعتقال كبار علماء البلد وعدد من الشخصيات والشباب الإسلامي وإرسالهم -وفق ما تردد في مواقع التواصل الاجتماعي- إلى معسكرات الجيش حيث لاقوا هنالك كثيرا من الجلد والإهانة والضرب. تهديد الطلاب المستعربين المغتربين في الدول العربية بسحب الجنسية إذا ما عادوا إلى البلاد لأنهم يمثلون خطرا عليها ولا يحملون معارف نافعة للبلاد. وبينما كان تراوري يشدد قبضته في الداخل، كانت رسائل مختلفة تُبعث إلى إسرائيل؛ فقد استقبل رسميا في واغادوغو السفير الإسرائيلي الجديد، سيمون سروسي، لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من الغموض أحاطت بطلب اعتماده. إعلانفقد كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) أن طلب الاعتماد ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن يحظى بالموافقة بعيدا عن الأضواء.
ويبدو أن هذا الاستقبال العلني وضع حدا لمرحلة الحذر التي أحاط بها تراوري أي تقارب مع إسرائيل، حرصا على عدم المساس بصورته بوصفه قائدا مناهضا للغرب.
غير أن المشهد الجديد يعكس براغماتية متزايدة في إدارة العلاقات الخارجية، في وقت تسعى فيه إسرائيل لتكثيف حضورها الاستخباراتي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من اهتمام دول التحالف بتقنياتها وخبراتها في مجالات الأمن ومكافحة التمرد.
وفيما يتوقع أغلب المراقبين أن تضيق هذه الحرب الخناق على نظام تراوري فمن المتوقع أيضا ألا تكون حربه الأخيرة كما لم تكن الأولى.
الحرب الثالثة.. ثورة على أنقاض الديمقراطيةليس العرب وتاريخهم في القارة، والرموز الإسلامية وما ارتبط بها من هيبة ومكانة في نفوس مسلمي بوركينا فاسو الجبهة الوحيدة التي يقاتل عليها تراوري، فللديمقراطية أيضا نصيبها من نيران الحرب التي تنطلق باتجاهات متعددة في ذلك البلد الأفريقي الحبيس.
وقد أعلن تراوري بشكل صريح رفضه التام للديمقراطية، حينما خاطب شعبه في فاتح أبريل/نيسان 2025 "لسنا في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية وعلى الجميع فهم ذلك".
ولكي يفهم الجميع ذلك بدأت مسارات التنفيذ الفعلي لتضييق متواصل على الحريات العامة في البلاد، فبعد وصوله إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، أطلق مرحلة انتقالية ممتدة لـ5 سنوات، قبل أن يصدر في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما بحل الأحزاب السياسية، بدعوى أن تكاثر الأحزاب أفضى إلى انحرافات، عززت الانقسام بين المواطنين وهشّشت النسيج الاجتماعي.
وفي الشهور اللاحقة شنت الحكومة حملة شعواء على الجمعيات والمنظمات الأهلية، أسفرت عن حل وتعليق 929 منها، بشبه وتهم منها عدم تجديد الهيئات أو التجسس أو شبهات تمويل الإرهاب وفقا للمبررات الحكومية.
ولم تكن المنظمات الطلابية بمنأى عن هذه الحرب العوان، حيث تم حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده للتضييق على الحريات في البلاد.
الحرب الثانية.. إبراهيم تراوري في مواجهة فرنسا
تمثل فرنسا إحدى الكلمات المفتاحية في خطابات "ثوار" منطقة الساحل، حيث تتوجه إليها سهام النقد والتهديد، خصوصا أن تاريخها الأفريقي كان استعماريا، نهب الثروات وأهان الشعوب.
ولم يخف تراوري منذ أيامه الأولى عداوته لباريس، غير أن مسار التوتر وصل نهايته في يونيو/حزيران 2026 حين أعلن قطع علاقات بلاده بفرنسا متهما باريس بأنها تضمر طموحات استعمارية جديدة تتجلى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين "الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد".
ولأن فرنسا بثقافتها وتاريخها أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الأفريقية، فقد كان المجلس العسكري في بوركينا فاسو حريصا على تحقيق مناط العلاقة المقطوعة، معتبرا في بيانه أن قرار القطع "يتعلق حصرا بالإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على المستوى الدبلوماسي، ولا يشكك بأي حال من الأحوال في الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين".
وفيما تزداد مشاعر الكراهية لفرنسا في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل خصوصا، وتتحول إلى ورقة يانصيب في أيدي الحكام الشباب في المنطقة، فإن ذلك العداء لم يجلب بعد للساحل الاستقرار، ولم يستطع الحليف الروسي ملء فراغ فرنسا في عالمها الأفريقي الذي صنعت أزماته، وصنعت كثيرا من قادته على أعينها.
الإرهاب الحرب الأولى.. خسائر متصاعدة وتصفيات عرقيةنالت بوركينا فاسو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات التي شنتها الجماعات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في العام الماضي، كما نالت أيضا 9 من 20 من الهجمات الأكثر دموية في العالم خلال عام 2024، وما زال كثير من سكان البلاد يعيشون بين نيران الجماعات المسلحة، ونيران المجلس العسكري.
إعلانوتذهب هيومن رايتس ووتش إلى أن الضحايا بنيران المجلس العسكري يفوقون ضحايا الإرهاب بأكثر من الضعف، أما المهجرون والنازحون داخل البلاد وخارجها فقد أنافوا على المليوني شخص.
وفيما تعلن الحكومة الثورية في واغادوغو من حين لآخر تمكّنها من القضاء على مئات من المسلحين، فإن اللهب ما زال يقتات بقوة من الأرض والناس في بوركينا فاسو (أرض الرجال الصادقين).
ويتداخل في "ملف الإرهاب" في منطقة الساحل العرق بالسياسة، حيث يتهم كثير من خصوم المجلس العسكري قيادته بممارسة التصفية العرقية ضد قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد كبير من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذراع الأكثر عنفا ودموية تجاه الجيوش والحكومات في منطقة الساحل.
وحتى الآن لا يدعي الرئيس البوركينابي تحقيق انتصار على الإرهاب في بلاده، ورغم افتخاره أكثر من مرة بأنه استطاع تحرير محاور طرقية كانت بيد الجماعات المسلحة، فإن الهجمات ما زالت متواصلة، وما زال الجيش يفقد كل أسبوع تقريبا عددا من جنوده وهيبته، ولا تزال الحرب عوانا بين أطرافها في بوركينا فاسو.
وبين تلك الحروب الأربع يسير الثائر البوركينابي بسرعة خطابية فائقة، وبكثير من التضييق على الحريات وقليل من الانتصار في معارك متعددة الأوجه كثيرة الضحايا واللهب.
إرث سانكارا.. الحرب الأخيرة على صورة الثائر
في فترته الأولى، قدّم تراوري نفسه وقدمه أنصاره باعتباره امتدادا لإرث توماس سانكارا، الزعيم البوركينابي الذي لُقّب بـ"تشي غيفارا أفريقيا" بسبب خطابه المناهض للاستعمار ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومواقفه الرافضة للهيمنة الفرنسية والداعمة لحركات التحرر، بما فيها القضية الفلسطينية.
غير أن إرث سانكارا بدأ يتآكل بين يدي تراوري الذي أدار الظهر للقضية الفلسطينية، وتوجه إلى الحضن الإسرائيلي، كما أنه انغمس في راديكالية علمانية متطرفة، طالما انتقدها المتنورون الأفارقة على المستعمر الغربي وخصوصا فرنسا التي يقولون إنها جعلت من محاربة الإسلام ورموزه جزءا أصيلا من سياستها الثقافية في أفريقيا طيلة عقود من الزمن.
وفيما تزداد الأمور تعقيدا أمام خطوات تراوري فإنها أيضا تكشف عن غياب مشروع نهضوي أو فكري متماسك، عكس كما كان يميز سانكارا، بل تبدو السلطوية وخطاب القوة، والسير المتعجرف بين حقول ألغام السياسة والأمن أبرز ما يميز الثائر الشاب، والعدو الأكثر صراحة للاستعراب الأفريقي حتى الآن.