جريدة الرؤية العمانية:
2026-07-24@11:44:29 GMT

حين يُلام المجتهد

تاريخ النشر: 5th, July 2025 GMT

حين يُلام المجتهد

                  

خالد بن حمد الرواحي

ليس من السهل أن تُتَّهم بالتقصير، بينما تبذل جهدك كل يوم؛ أن تُقابَل محاولاتك الصامتة بالنقد، ويُغضّ الطرف عن اجتهادك، ثم تُحمَّل وحدك مسؤولية الإخفاق. كم من موظف جلس في مكتبه يراجع خطواته، يتساءل بصمت: ماذا فعلتُ خطأ؟ بينما جذور المشكلة لم تكن فيه، بل فيما حُرم منه من دعم وتوجيه.

وهذه ليست مجرد مشاعر عابرة أو حالات فردية معزولة؛ بل تؤكد مؤشرات عالمية أن القيادة كثيرًا ما تكون العامل الحاسم في أداء فرق العمل، وفي جودة ما يُنجَز من نتائج.

ووفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة جالوب (Gallup) ، وهي من أبرز المؤسسات العالمية المتخصصة في قياس مؤشرات بيئة العمل، فإن القيادات المباشرة مسؤولة عن نحو 70% من التفاوت في أداء الموظفين وتفاعلهم الوظيفي.
هذه النسبة تكشف أن الموظف لا يكون دائمًا سبب الإخفاق، بل كثيرًا ما يكون أسلوب القيادة هو العامل الأهم في النجاح أو الفشل.

في زوايا كثيرة من المؤسسات، تُلقى تهم "الضعف" و"التقصير" بسهولة. يُلام الموظف لأن الأرقام لم تكن كما يُراد لها أن تكون، أو لأن الإنجاز تأخّر قليلًا. لكن قلّ من يسأل: هل كان الهدف واضحًا؟ هل مُنِح الموظف ما يحتاجه؟ هل وُفّرت له بيئة تمكين حقيقية؟ هل تلقّى تغذية راجعة؟ هل كان خلفه قائد يوجّهه ويدعمه... أم تُرك ليواجه وحده؟

الناس لا تفشل لأنها لا تريد النجاح، بل كثيرًا ما تفشل لأنها تُوجَّه بطريقة خاطئة؛ لأن من يُفترض به أن يُنير الطريق لم يضع الخريطة، ولم يرافق المسير، ولم يقل: "أنا معك". الموظف لا يحتاج فقط إلى تعليمات، بل إلى فهم، وأمان وظيفي، وإحساس بأن جهوده محل تقدير وتوجيه.

أذكر أن موظفًا قال ذات مرة، بصوت خافت ومكسور:

"لم أطلب ترقية، ولا شكرًا... كنت فقط بحاجة إلى من يخبرني أنني أفعل شيئًا له قيمة."

كانت كلماته تختصر حكاية كثيرين يعملون في الظل، بينما تغيب عنهم ثقافة التحفيز، ويغيب عن قادتهم أبسط فنون التواصل الإنساني.

تخيّل مشهدًا بسيطًا: موظف يبدأ يومه بحماس صادق، لكنه لا يعرف إلى أين يتّجه. يعمل بصمت، بلا دعم أو وضوح في التوقعات، ثم يُحاسَب في نهاية الشهر على نتائج لم يُشرح له كيف يحققها، ولم يتلقَّ أي توجيه بشأنها منذ البداية. أيّ ظلمٍ إداريٍّ أكبر من هذا؟ وأيّ بيئة تلك التي تذبل فيها الطاقات بدلًا من أن تزدهر؟

ما سبق ليس استثناءً، بل يتكرّر بشكل يومي في بيئات عمل كثيرة، حيث تُترك الجهود تتآكل بصمت في ظل غياب الدعم والوضوح.

ضعف الأداء لا يأتي دومًا من كسل الموظف، بل من تراكم ظروف خذلته: أهداف غامضة، مهام لا تناسب قدراته، بيئة محبطة، وقيادة لا تراه إلا وقت المحاسبة.

القائد الحقيقي لا يختبئ خلف تقصير غيره، بل يقف في مقدّمة المراجعة، شجاعًا بما يكفي ليقول: "ربما قصّرتُ أنا أولًا". لا يبدأ بالمحاسبة، بل بالمصارحة. يسأل: هل وضعتُ أهدافًا واضحة؟ هل منحتُ الفريق بيئة عادلة وآمنة؟ هل بنيتُ ثقافة عمل تسمح لهم بالخطأ والتعلّم؟ هل كنتُ حاضرًا حين احتاجني أحدهم؟

لأن القيادة لا تبدأ بإصدار الأوامر، بل تبدأ بالقدرة على تحمّل الأثر الإنساني لكل قرار.

وهنا تبرز حقيقة يغفلها كثيرون: أن الفرق بين المدير والقائد لا يكمن في المنصب، بل في النهج. المدير يراقب المهام، يتابع النتائج، وينتظر التقارير. أما القائد، فهو من يصنع بيئة تُلهم الإنجاز، يرافق الفريق لا يراقبه، ويقول لهم باطمئنان: "أنا معكم، لن تُتركوا وحدكم".

ليس الموظف من يُحاسَب دائمًا... أحيانًا هو من خُذِل. وإن كنتَ اليوم تقود فريقًا، فاسأل نفسك بصراحة: هل أنا سبب في إلهامهم أم في إحباطهم؟ هل أخلق مناخًا يسمح لهم أن يُبدعوا، أم أضيّق عليهم المساحة؟
لأن الفريق، في نهاية الأمر، مرآة حقيقية لأسلوب من يقوده، لا مجرّد أرقام أو تقارير صامتة.

الأداء القوي لا يُبنى بالإجبار، ولا يُنتزع بالأوامر الجافة، بل يُبنى بالرؤية، وبالثقة، وبالقدرة على الإصغاء.
وما يحتاجه الموظفون اليوم ليس مزيدًا من التعليمات، بل مساحة آمنة يقولون فيها بثقة: نحن نفهم ما نفعله، ونعرف لماذا نفعله، ونشعر أن هناك من يقدّر ذلك.

فيا من تقود... قبل أن تسأل أحدهم: "لماذا لم تنجح؟"

جرّب أن تسأله بصوت أكثر إنسانية: "هل ساعدتُك كما يجب؟ هل كنتُ قائدًا كما تستحق؟"

لأن كثيرًا من الذين نراهم ضعفاء... لم تُتح لهم الفرصة الصحيحة، ولا القائد الصحيح.

 

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

مشاريع طلابية واعدة تؤكد نضج بيئة الابتكار وتقدم حلولًا علمية وعملية مستدامة

تزخر سلطنة عمان بنماذج ملهمة للمشاريع الطلابية الناجحة التي تحولت من أفكار على الورق إلى نماذج يستلهم بها في مجالات التكنولوجيا، والطب، والطاقة المتجددة، والاستدامة البيئية.

وقدّمت جامعة السلطان قابوس نماذج متميزة من الشركات الطلابية الناشئة التي تُجسّد روح الابتكار وريادة الأعمال في أوساط الطلبة الجامعيين، مستعرضة حلولًا علمية وعملية في مجالات متعددة تشمل الطب، والتعليم، والاستدامة البيئية، والطاقة المتجددة، تأكيدًا على التزامها بدعم المشاريع الطلابية وتحفيز الابتكار التقني والمعرفي، وتعزيز الاقتصاد المعرفي القائم على الإبداع وريادة الأعمال.

تُعد شركة "علاج" من أبرز المشاريع الطبية الناجحة، حيث انطلقت من معضلة طبية تواجه شريحة واسعة من المرضى، تتمثل في صعوبة التئام الجروح، خصوصًا لدى المصابين بأمراض مزمنة مثل السكري، وتشير الدراسات إلى أن كثيرًا من الحلول التقليدية المتاحة لا تُعالج الجروح بفعالية، وقد تؤدي إلى تفاقم الضرر أو تطيل فترات الشفاء.

ومن هذا المنطلق، سعى الفريق القائم على مشروع “علاج” إلى تطوير مرهم طبي مبتكر يعتمد على مزيج فريد من حرير العنكبوت والزيت الأساسي للُبان، ما يمنحه خواصًا علاجية مضادة للبكتيريا ومسرّعة لالتئام الجروح. وتستمر جهود البحث والتطوير لتقديم أشكال علاجية أخرى مستقبلًا، مما يعزز الأمل في تطوير منتج طبي عماني المنشأ، قادر على المنافسة في الأسواق العالمية.

أما شركة "طحلب المستدامة"، فتُقدم نموذجا بيئيًا فريدًا يربط بين الابتكار والاستدامة البيئية والاقتصاد الأخضر، وتتركز فكرة المشروع حول استغلال الطحالب والأعشاب البحرية في إنتاج أعلاف عالية الجودة، مخصصة لقطاع الاستزراع السمكي، مع قابلية التوسع لاستخدامها في قطاعات صناعية أخرى، كما تهدف إلى تحويل هذه الموارد الطبيعية غير المستغلة إلى منتجات اقتصادية، معززة بذلك مفاهيم الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الأعلاف المستوردة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتطمح الشركة إلى التوسع في الأسواق الإقليمية والدولية، مدعومةً بالإمكانات الغنية التي تزخر بها سواحل سلطنة عمان.

وفي المجال الأكاديمي، جاءت شركة “علمفاي” لتلبي الحاجة المتزايدة لبيئات تعليمية ذكية ومخصصة، حيث تطرح منصة تعليمية مبتكرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تستهدف طلبة الجامعات، وتعمل المنصة على تحليل المحتوى الأكاديمي وتحويله إلى وحدات تعليمية متنوعة تشمل النصوص والفيديوهات والخرائط الذهنية، مما يسهل على الطلبة استيعاب المفاهيم الأكاديمية المعقدة، كما توفر خطة تعلم مخصصة لكل طالب وفقًا لاحتياجاته ووقته المتاح، وتتضمن اختبارات تحليلية وتقارير دورية تسهم في تعزيز الأداء الأكاديمي، ويتميز المشروع بشموليته، إذ يدعم فئات مختلفة من الطلبة، بما في ذلك ذوي الإعاقة السمعية والبصرية وصعوبات التعلم، مما يعكس التزام الفريق بتقديم تعليم عادل وميسر للجميع.

ويقدم مشروع "أورا بي في"، حلًا مبتكرًا لمشكلات أنظمة الطاقة الشمسية التقليدية، من خلال تطوير خلايا شمسية ذات كفاءة أعلى وتكلفة أقل مقارنة بخلايا السيليكون، وتستند هذه التقنية إلى مواد صديقة للبيئة، تتميز بقدرتها على العمل في ظروف الإضاءة المنخفضة وسهولة تركيبها على مختلف الأسطح، كما يعكس المشروع توجهًا استراتيجيًا نحو تصنيع محلي مستدام يعزز استقلال سلطنة عمان في مجال الطاقة، ويسهم في تحقيق مستهدفات التحول للطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات الكربونية.

كما نجح طلبة عمانيون في ابتكار جهاز (بايوتِك) يعمل على حل مشكلة تكدس النفايات حول الحاوية والمشاكل الكبيرة التي تندرج تحتها، ويعمل ابتكار الشركة الطلابية «رُقي» من جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى على تحويل الحاوية من حاوية عادية إلى حاوية ذكية بمميزات عالية لمواكبة التكنولوجيا التي تحث عليها رؤية «عُمان 2040»، حيث يتم تركيب الجهاز على حاويات القمامة، وعند امتلاء حاوية القمامة يقوم الجهاز بإرسال رسالة نصية للشركة المسؤولة عن إدارة النفايات أو لعامل النظافة وذلك لتفادي تجمع النفايات بشكل كبير حول الحاوية.

ونجحت الشركة الطلابية "محور" من جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بشناص في تطوير مادة مستدامة من "النانو سيراميك" عبر إعادة تدوير مخلفات البناء، هذا الابتكار الذي يجمع بين الحفاظ على البيئة والكفاءة الصناعية العالية، استطاع أن يثبت جدارته في المحافل الوطنية بتأهله ضمن أفضل 25 مشروعًا في الملتقى الطلابي السنوي للجامعة، وصولًا إلى التصفيات النهائية بمسابقة "إنجاز عُمان" ضمن أفضل الشركات الطلابية على مستوى سلطنة عمان، واضعًا بذلك لبنة جديدة في صرح الاقتصاد الدائري العُماني.

وتعد هذه النماذج الناجحة من المشاريع من مفاتيح تمكين طلابها لتحويل أفكارهم البحثية والعلمية إلى مشاريع ريادية قابلة للتطبيق، تدفع عجلة الاقتصاد الوطني وتُسهم في دعم أهداف رؤية «عمان 2040»، كما تصبح أداة فاعلة لتنمية مهارات الطلبة؛ إذ إنها تستنهض طاقاتهم، وتُفعّل الجوانب الإدراكية والفكرية والمهارية لديهم، وتساعدهم على توظيف قدراتهم، والارتقاء بمكتسباتهم المعرفية بتجسيدها في مشاريع علمية ومعرفية متنوعة، كما أنها تحدد ميولهم العلمي وتحقق تنمية كبيرة لخبرة المشاركين ومواهبهم وقدراتهم في المجالات الدراسية والحياة الاجتماعية.

مقالات مشابهة

  • مشاريع طلابية واعدة تؤكد نضج بيئة الابتكار وتقدم حلولًا علمية وعملية مستدامة
  • دراسة: الاحتلال دمّر البنية التحتية بغزة لإنتاج بيئة موت مستدامة