شهدت تركيا، على مدار الأشهر الأخيرة، تحولات مهمة، يمكن حصرها في حدثين رئيسيين، أولهما؛ بدء إلقاء عناصر من حزب العمال الكردستاني أسلحتهم في شمال العراق، في 11 يوليو 2025، استجابةً للدعوة التاريخية التي أطلقها زعيم الحزب، عبدالله أوجلان، وثانيهما؛ تصعيد السلطات التركية ضغوطها على حزب الشعب الجمهوري المعارض، والمُستمرة منذ أواخر أكتوبر 2024، والحكم على رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، الموقوف منذ شهر مارس الماضي، في 16 يوليو الجاري، بالسجن لمدة سنة وثمانية أشهر بتهمة إهانة وتهديد المدعي العام لإسطنبول.

وهذان الحدثان لا يمكن فصلهما عن بعضهما بعضاً؛ إذ إنهما يندرجان في إطار مساعي الحكومة التركية لما يمكن وصفه بـ”إعادة هندسة” المشهد السياسي المُتشكّل في أعقاب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو 2023 والانتخابات البلدية في مارس 2024.

السلام مع الأكراد:

أُقيمت يوم 11 يوليو الجاري، في بلدة السليمانية بإقليم كردستان العراق، مراسم رمزية لبدء حزب العمال الكردستاني إلقاء السلاح؛ حيث ألقى نحو 30 رجلاً وامرأة من عناصر الحزب أسلحتهم عند مدخل كهف وتم إشعال النار فيها؛ وذلك في إشارة إلى بداية نهاية الصراع المُستمر مع الدولة التركية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وخلف عشرات الآلاف من القتلى. وجاءت هذه الخطوة استجابة للدعوة التاريخية التي أطلقها زعيم الحزب، عبدالله أوجلان، من سجنه في جزيرة إيميرلي التركية، في فبراير الماضي، لحزب العمال الكردستاني بإلقاء السلاح وحل نفسه. وهي الدعوة التي كررها أوجلان، في 9 يوليو الجاري، في تسجيل مصور، هو الأول له منذ عام 1999، والذي أكد فيه “انتهاء الكفاح المسلح بشكل طوعي والانتقال إلى المرحلة القانونية والسياسة الديمقراطية”، مشيراً إلى ضرورة إنشاء آلية لإلقاء السلاح تُسهم في تحقيق تقدم في عملية حل التنظيم.

وقد جاء هذا التطور التاريخي عقب المبادرة التي أطلقها زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهشلي، حليف حزب العدالة والتنمية الحاكم، في أكتوبر 2024، للتصالح مع الأكراد؛ وذلك بدعوته زعيم حزب العمال الكردستاني، أوجلان، للتحدث في البرلمان وإعلان إنهاء وجود الحزب المحظور في تركيا، وترك السلاح. وهي المبادرة التي أيدها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، واعتبرها “فُرصة تاريخية” لإنهاء النزاع الذي تجدد بين تركيا وحزب العمال الكردستاني عقب انهيار عملية السلام عام 2015.

ضغوط على المعارضة:

بالتزامن مع مبادرة التصالح مع الأكراد، زادت الحكومة التركية، في أواخر أكتوبر 2024، ضغوطها على حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة. وحتى مطلع شهر يوليو الجاري، تم إلقاء القبض على أكثر من 500 من أعضاء وموظفي البلديات المنتمين للحزب، بينهم 14 رئيس بلدية؛ بتهم فساد. وتركزت التوقيفات في البلديات الكبرى التي يُديرها حزب الشعب الجمهوري، مثل إسطنبول، وأزمير، وأضنة، وأديامان، وأنطاليا. وكان إلقاء القبض على رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، المنافس الأبرز للرئيس أردوغان، في 19 مارس 2025، أحد أبرز هذه التوقيفات؛ وهو ما أجج احتجاجات في إسطنبول وعدة مدن تركية كانت الأكبر منذ عقد.

وجاء القبض على إمام أوغلو بعد يوم واحد من إلغاء جامعة إسطنبول شهادته الجامعية بسبب مخالفات، وذلك قبل أيام من اختياره مرشحاً عن حزب الشعب الجمهوري في انتخابات الرئاسة 2028؛ حيث تُعد الشهادة الجامعية شرطاً للترشح لهذه الانتخابات. وفي تحدٍّ للسلطات التركية، نظم حزب الشعب الجمهوري انتخابات رمزية، في 24 مارس الماضي، صوت فيها نحو 15 مليون شخص، منهم 13 مليوناً من خارج الحزب كإشارة تضامن مع إمام أوغلو، وأعلن الحزب في أعقابها رسمياً ترشيح أوغلو في انتخابات الرئاسة 2028، على الرغم من وجوده في السجن.

أهداف أردوغان:

ربما تسعى الحكومة التركية، من هذه الإجراءات، إلى “إعادة هندسة” المشهد السياسي الراهن الذي تمخض عن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو 2023؛ حيث حسم أردوغان هذه الانتخابات الرئاسية في الجولة الثانية، كما تراجع عدد المقاعد البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، وهو ما تكرر في الانتخابات البلدية في مارس 2024؛ والتي تعرض فيها حزب العدالة والتنمية لأول هزيمة في تاريخه منذ وصوله إلى الحكم عام 2002، في مقابل تزايد شعبية حزب الشعب الجمهوري الذي حصل فيها على أعلى نسبة تصويت منذ عام 1977.

وقد تهدف عملية “إعادة الهندسة” إلى تعزيز فرص هيمنة الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية على الحكم، وذلك من خلال ما يلي:

1- تأمين المقاعد البرلمانية اللازمة لإعداد دستور جديد: عبّر الرئيس أردوغان، في أكثر من مناسبة، منذ عام 2021، عن رغبته في إعداد دستور جديد لتركيا بدلاً من الدستور الحالي الذي يصفه بـ”دستور الانقلابيين”؛ لأنه تم إعداده بعد الانقلاب العسكري عام 1980، بالرغم من خضوعه لـ18 تعديلاً منذ ذلك الوقت، كان 10 منها في عهد حكم حزب العدالة والتنمية. وأعاد أردوغان تأكيد هذه الرغبة، في 19 مايو الماضي، حين قال مخاطباً الشباب في أنقرة بمناسبة “يوم أتاتورك للشباب والرياضة”: “جميع رفاقنا يعملون حالياً على إعداد دستور جديد وسنواصل هذا العمل؛ لأن الدستور الحالي تم اعتماده عام 1982 ولم يعد يُلبي تحديات العصر الحديث”.

ويسعى أردوغان في الدستور الجديد إلى تغيير نظام انتخاب رئيس الجمهورية، بإلغاء شرط حصول المرشح على الأغلبية المطلقة (50%+1) حتى يفوز بالمنصب، والاكتفاء بفوزه بغالبية الأصوات؛ إذ يخشى حزب العدالة والتنمية من تكتل أحزاب المعارضة في المستقبل خلف مرشح رئاسي واحد في مواجهة مرشح الحزب الحاكم، مثلما فعلت المعارضة في انتخابات مايو 2023؛ ما قد يؤدي إلى خسارته منصب رئيس الجمهورية، الذي يُعد أهم منصب في تركيا منذ التحول إلى النظام الرئاسي.

بيد أن تمرير الدستور الجديد في البرلمان لعرضه على الاستفتاء الشعبي، يواجه تحدياً؛ إذ يُشترط، وفق المادة 175 من الدستور، تأييد ثلاثة أخماس إجمالي عدد أعضاء البرلمان (360 نائباً) لمشروع قانون تعديل الدستور لطرحه على الاستفتاء الشعبي؛ وهو ما يُشكل تحدياً أمام تحالف الشعب الحاكم (أحزاب العدالة والتنمية، والحركة القومية، وهدى بار)؛ حيث يبلغ عدد مقاعده في البرلمان 318 مقعداً؛ ما يفرض عليه الحصول على دعم أحزاب المعارضة التي تضع مجموعة من الشروط لدعم إعداد دستور جديد للبلاد، وعلى رأسها: العودة إلى النظام البرلماني القديم، والحفاظ على مبدأ علمانية الدولة، ورفض تعديل نسبة الفوز برئاسة الجمهورية.

وهنا يبرز أحد الأهداف الرئيسية من إعادة إحياء عملية السلام مع الأكراد؛ حيث يسعى الرئيس أردوغان لتأمين عدد المقاعد البرلمانية اللازمة لتعديل الدستور بالحصول على دعم حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، المؤيد للأكراد، الذي يمتلك 61 مقعداً في البرلمان، للدستور الجديد؛ ما يؤمن لأردوغان 379 مقعداً؛ وهو ما يتجاوز عدد المقاعد المطلوبة.

2- تهيئة البيئة القانونية لاحتمالية ترشح أردوغان لولاية رابعة: يشغل الرئيس أردوغان حالياً ولايته الأخيرة، وفق الدستور الذي يقصر مدد الرئاسة على ولايتين فقط، ومن المُفترض أن يترك الحكم بحلول عام 2028؛ لكن أردوغان ألمح للمرة الأولى لإمكانية ترشحه لولاية رئاسية رابعة، بعد فترة من التكهنات، خلال اجتماع لحزب العدالة والتنمية، في مدينة شانلي أورفا، في 11 يناير الماضي، حينما سأله المغني التركي الشهير إبراهيم تاتليس ما إذا كان يعتزم الترشح للرئاسة مرة أخرى، ليرد عليه أردوغان: “إذا كنت أنت مع ذلك، فأنا مع ذلك أيضاً”. ليعقبها بأيام تصريح المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، عمر تشيليك، عقب اجتماع اللجنة التنفيذية للحزب برئاسة أردوغان، “بأن تمهيد الطريق أمام الرئيس للترشح لولاية رابعة على جدول أعمالنا”، مضيفاً: “بصفتنا داعمين لرئيسنا، سنفكر في صيغة لذلك”.

ولكي يتمكن الرئيس أردوغان من الترشح لولاية رابعة، هناك طريقتان: الأولى، نجاح عملية إعداد دستور جديد للبلاد؛ ومن ثم تصفير مدد الرئاسة ليترشح أردوغان وفق الدستور الجديد، كما حدث عقب التعديلات الدستورية عام 2017؛ حيث ترشح أردوغان وفق دستور 2017 لولايتين رئاسيتين جديدتين في 2018 و2023 بخلاف ولايته الأولى بين 2014 و2018. أما الطريقة الثانية، فهي تبكير موعد الانتخابات وتفعيل المادة 116 من الدستور، التي تنص على أنه “في حال اُتخذ قرار تجديد الانتخابات من قِبل الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا (البرلمان) خلال الولاية الثانية لرئيس الجمهورية، يجوز له الترشح للرئاسة مرة أخرى”؛ وهو ما قد يلجأ إليه حزب العدالة والتنمية في حال فشل إعداد دستور جديد.

3- منع حزب الشعب الجمهوري من خوض انتخابات الرئاسة 2028: ربما يكون هذا هو هدف الضغوط الحالية ضد الحزب المعارض، وذلك عبر حرمانه من كوادره الرئيسية والفاعلة في البلديات الكبرى وعلى رأسها إسطنبول، التي تُعد أكبر مدن تركيا من حيث عدد السكان وبمثابة عاصمتها الاقتصادية، وبما يُمكن حزب العدالة والتنمية من تمرير أجندته السياسية وتعزيز حظوظه في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وربما يُعد سجن أكرم إمام أوغلو خطوة لتقليل فرص حزب الشعب الجمهوري في انتخابات الرئاسة المقررة عام 2028؛ حيث صعد نجم أوغلو في الساحة السياسية عقب نجاحه في الفوز برئاسة بلدية إسطنبول من حزب العدالة والتنمية عام 2019، وتزايدت شعبيته بصورة كبيرة عقب فوزه برئاسة بلدية إسطنبول للمرة الثانية على التوالي في انتخابات 2024، وبفارق أكبر عن انتخابات 2019، ليبدأ الحديث في عموم تركيا عن أنه قد يكون المرشح لخلافة الرئيس أردوغان، ويُشبه البعض المسيرة السياسية لإمام أوغلو بمسيرة أردوغان، الذي بدأ أيضاً مسيرته من إسطنبول. والجدير بالذكر أنه تم طرح اسم إمام أوغلو كمرشح رئاسي توافقي وبارز للمعارضة في مواجهة أردوغان، في انتخابات مايو 2023، لولا إصرار زعيم الشعب الجمهوري آنذاك، كمال كليجدار أوغلو، على الترشح.

4- حرمان المعارضة من ورقة الأكراد: منذ انهيار عملية السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني عام 2015، اتجه الأكراد نحو التنسيق غير المُعلن مع أحزاب المعارضة، وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري، في الاستحقاقات الانتخابية، سواء رئاسية أم تشريعية أم بلدية؛ وهو ما مكّن الأخير من تحقيق نتائج إيجابية غير مسبوقة، وإلحاق الهزيمة بحزب العدالة والتنمية في بلديتي أنقرة وإسطنبول، لأول مرة منذ وصوله إلى الحكم عام 2002، ولمرتين متتاليتين في 2019 و2024؛ حيث سحب حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، المؤيد للأكراد، مرشحيه، وطالب ناخبيه بالتصويت بدلاً من ذلك لمرشحي الشعب الجمهوري. وقد جعل هذا الأمر البعض يُطلق على حزب الأكراد “صانع الملوك”؛ حيث إن موقفه يؤدي دوراً حاسماً في نتائج الانتخابات؛ وهو ما أدركه حزب العدالة والتنمية الذي يسعى الآن لتأمين أصوات الكتلة الكردية لصالحه وحرمان المعارضة منها.

في الختام، يمكن القول إن نجاح مسعى حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان لـ”إعادة هندسة” المشهد السياسي في تركيا، ربما يتوقف على نجاح عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني، وهي العملية التي تواجه عدة تحديات؛ أبرزها انعدام الثقة بين الجانبين، وعدم وضوح مدى استجابة قواعد الحزب الكردستاني كافة لدعوة أوجلان؛ إذ إن إنجاز هذا الملف يُعد خطوة مهمة لتأمين الصوت الكردي لصالح الأجندة السياسية لحزب العدالة والتنمية. أيضاً، يُعد موقف الشارع التركي عاملاً حاسماً في هذا الصدد، فمن المُحتمل تجدد الاحتجاجات مرة أخرى في ظل استمرار الضغوط على حزب الشعب الجمهوري المعارض، ومواجهة إمام أوغلو سلسلة من القضايا التي يفصل فيها القضاء.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”


المصدر

المصدر: جريدة الوطن

كلمات دلالية: حزب العمال الکردستانی حزب العدالة والتنمیة حزب الشعب الجمهوری انتخابات الرئاسة الحکومة الترکیة أحزاب المعارضة الرئیس أردوغان بلدیة إسطنبول عملیة السلام یولیو الجاری فی البرلمان فی انتخابات مع الأکراد إمام أوغلو مایو 2023 على حزب الذی ی وهو ما

إقرأ أيضاً:

وزير النقل التركي في حوار للجزيرة نت: نضع قريبا حجر الأساس لمشروع طريق التنمية مع العراق

بين زيارتي لبغداد عام 2009 وزيارتي هذه الأيام، تبدلت ملامح العاصمة العراقية بشكل لافت، فقد اختفت الجدران الخرسانية الرمادية التي كانت ترتفع لأربعة أمتار على جانبي الطريق الممتد من المطار إلى "المنطقة الخضراء"، لتفسح المجال أمام حركة عمرانية تزخر بالحياة والازدهار.

غير أن هذه التحولات لم تكن الشاغل الوحيد في زيارتنا الخاطفة، والتي لم تتجاوز أربع ساعات برفقة وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو، إذ كان جدول الأعمال المشحون والمنضبط يفرض إيقاعا سريعا لا يدع مجالا لاستكشاف المدينة.

وجاءت هذه الزيارة لتضع حدا للتعثر الممتد لسنوات في مشروع "طريق التنمية" الإستراتيجي، والذي يربط ميناء الفاو على الخليج بمعبر أوفاكوي عند الحدود التركية بخطوط سكك حديدية وطرق سريعة.

وكان هذا المشروع قد واجه عقبات جيوسياسية معقدة، تداخلت فيها موازين القوى الداخلية وتجاذبات النفوذ الإقليمي والدولي، فضلاً عن بيروقراطية المؤسسات.

غير أن المشهد في بغداد شهد تحولا مفاجئا مع تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، وهو رجل أعمال شاب يبلغ من العمر 41 عاما، أطلق فور توليه السلطة حملة لمكافحة الفساد، متبنيا نهجا براغماتيا بعقلية تجارية مرنة، وانفتاحا ملحوظا نحو تعزيز الشراكات الإقليمية، وفي مقدمتها العلاقات مع أنقرة.

مراسل الجزيرة نت كمال أوزتورك، كان الصحفي الوحيد الذي واكب زيارة الوزير عبد القادر أورال أوغلو، وأجرى معه هذا الحوار على متن الطائرة خلال رحلة العودة.

ما الهدف من هذه الزيارة؟

تشكلت حكومة جديدة في العراق، ولا شك بأن العلاقات الدبلوماسية والرسمية مهمة، لكن التواصل المباشر واللقاءات وجها لوجه تكون دائما أكثر فاعلية في إنجاز الأعمال، وكان هناك وزيران معنيان بالنسبة لي، هما وزير النقل ووزير الاتصالات.

لقد أردت أن نحدد خارطة الطريق للأعمال التي سننفذها معا، قبل زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى تركيا في 28 من الشهر الجاري ولقاء رئيسنا.

وزير النقل التركي قال إن مشروع التنمية منجز من حيث المبدأ ولم يتبق سوى نقطة ربطه بتركيا (الجزيرة)ما أبرز الملفات التي حملتموها معكم؟

كان أثقل ملف في حقيبتنا هو مشروع طريق التنمية، وكان يمثل أولوية جدول أعمالنا، بالإضافة إلى ملف التعاون في مجال الطيران المدني، وبحث سبل التعاون في تشغيل السكك الحديدية.

إعلان

وناقشنا مواصلة الرحلة التجريبية إلى السعودية والتي أطلقناها برا عبر العراق، وتطويرها لتشمل نقل الركاب. وبحثنا أيضا مع وزير الاتصالات ملفات أنظمة الأقمار الصناعية والاتصالات، فضلا عن التطبيقات الرقمية.

ولتقريب الصورة، تخيلوا أنكم تفاوضتم على شراء سلعة وسددتم ثمنها وأصدرتم فاتورتها وأكملتم جميع الإجراءات، ثم جاءت مرحلة نقلها، ومهما كانت وسيلة النقل، فلا بد من تسهيل الإجراءات الجمركية، ولهذا طرحنا وناقشنا تشغيل خط السكك الحديدية الممتد من المطار إلى معبر كابيكوله التركي على الحدود البلغارية، ليس باعتباره مجرد مسار للنقل، بل بوصفه ممرا يشمل الإجراءات الجمركية أيضا.

مشروع التنمية تعثر لفترة طويلة ولم يحرز تقدما، فما الذي ناقشتموه بشأنه مع رئيس الوزراء ووزير النقل؟ وما التعهدات التي حصلتم عليها؟

بدلا من الحديث عن تعهدات، دعوني أوضح ما ناقشناه، فهذا المشروع منجز بنسبة تقارب 90% من حيث المبدأ، ولم يتبق سوى مسألة واحدة، وهي تحديد نقطة ربطه بتركيا.

فمنذ فترة طويلة يدور النقاش حول المكان الذي سيتم فيه هذا الربط في شمال العراق وجنوب تركيا، وكما تعلمون فإن لدى حكومة إقليم كردستان العراق بعض التوقعات في هذا الشأن. وكان ذلك الملف الأكثر إلحاحا الذي ينبغي حسمه.

لقد توصلت إلى حل لهذه المسألة مع نظيري العراقي ومع رئيس الوزراء، بل إننا قدمنا لهم أيضا مذكرة تفاهم بشأنها، وبمجرد تحديد نقطة الربط سنشرع في تنفيذ الجسر والبدء بالمشروع في أسرع وقت.

كما تحدثنا عن ربط منطقة فيشخابور من الجانب العراقي بمنطقة أوفاكوي على الجانب التركي الواقعة عند الحدود الجنوبية الشرقية لتركيا، ويجري العمل على افتتاح معبر حدودي جديد في هذه المنطقة وإنشاء الطريق عبره، ومن المرجح أن يتم اعتماد هذا المسار، وناقشنا أيضا نموذج تمويل المشروع.

ففي السابق، جرى بحث هذا المشروع بين الإمارات وقطر وتركيا والعراق على أساس تأمين تمويل دولي له، ولكن للأسف لم يتحقق أي تقدم حتى الآن، ويرجع ذلك إلى الانتخابات التي شهدها العراق، وإلى انشغال دول الخليج بتطورات الحرب على إيران.

ولذلك قلنا إن العراق يستطيع الاستفادة من ثرواته الطبيعية لتمويل المشروع، سواء عبر المعادن أو النفط، وسبق أن طرحنا هذه الفكرة لكنها بقيت معلقة، وخلال هذه الزيارة وكذلك خلال زيارة وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي (ألب أرسلان بيرقدار)، لمسنا لدى الجانب العراقي استعدادا أكبر لاعتماد صيغة التمويل مقابل النفط.

وفي هذا الإطار، اقترحنا إعداد تصور بعد إجراء الدراسات والحسابات اللازمة، بحيث يتم خلال زيارة رئيسنا توقيع مذكرة تفاهم هناك، وقدمنا لهم أيضا مسودة بهذا الخصوص، وإذا تمكنا من حسم هذه المسألة سريعا، فقد يتضح ملف التمويل من خلال التفاهم الذي سيجرى التوصل إليه خلال زيارة رئيسنا.

إننا نرغب في وضع حجر الأساس لهذا المشروع خلال العام الجاري، وقد أجرى رئيس الوزراء حساباته بصورة عملية، وأكد أنه ينظر إلى الأمر بإيجابية، ولدي قناعة كبيرة بأن هذا الملف سيُحسم خلال زيارة رئيسنا، وأعتقد أننا سنتمكن من بدء العمل بسرعة كبيرة، بمشاركة المقاولين الأتراك، وبالطبع بالشراكة مع الجهات المحلية.

كيف وجدتم موقف رئيس الوزراء الجديد من المشروع؟ أعتقد أنه ثالث رئيس وزراء تلتقونه منذ بدء المشروع.

نعم، هو نفسه قال إنها "الحكومة الثالثة"، وبالتالي فهو ثالث رئيس وزراء، وهو رجل أعمال قادم من عالم الأعمال، لقد عرضنا أمامه الخرائط وناقشنا المشروع بالاستناد إليها. ثم تناول هاتفه المحمول على الفور وأجرى بعض الحسابات، وقد أبدى نهجا يعكس عقلية رجل أعمال، تقوم على التركيز على إنجاز العمل دون الاستغراق في الإجراءات واللوائح.

بافتراض أن الظروف مواتية، متى يمكن البدء في مشروع طريق التنمية؟ وكم يستغرق إنجازه؟

ندرك بالطبع مدى صعوبة تنفيذ الأعمال في العراق، لكن ينبغي أن أشير بشكل خاص إلى وجود شركات ورجال أعمال أتراك عملوا في العراق في السابق، ولا يزالون يعملون فيه حتى الآن.

إعلان

لدينا حاليا في تركيا أربعة آلاف كيلومتر من خطوط السكك الحديدية قيد الإنشاء، وسننجز ثلاثة آلاف كيلومتر منها خلال نحو عام إلى عام ونصف، أي بحلول عام 2028.

وبوسعنا إنجاز مشروع كهذا خلال أربعة إلى خمسة أعوام، بافتراض أن التمويل جاهز وأن التصاريح اللازمة قد صدرت، إنه مشروع يمكن الانتهاء منه خلال أربعة أو خمسة أعوام، وهذه مدة طموحة لكنها ممكنة. وعندما نبدأ في المشروع برفقة المقاولين الأتراك، فسوف نتمكن من إنجازه، وقد طرح رئيس الوزراء العراقي بالفعل سؤالا مفاده: "هل يمكننا إنجازه في وقت أقصر؟"، فقلنا إننا سنناقش ذلك أيضا عندما نبدأ العمل.

كم يبلغ طول خط السكك الحديدية الذي ستنشئونه من ميناء الفاو في العراق إلى الحدود التركية؟

يبلغ طوله 1200 كيلومتر، وبالطبع ركزنا على الأعمال المطلوب تنفيذها في الجانب العراقي، لكن يتعين علينا نحن أيضا إنشاء خط آخر يبلغ طوله نحو 500 كيلومتر، من منطقة باغكوي إلى ولاية غازي عنتاب في تركيا. وقد انتهينا من إعداد مشروعاته وأدرجناه ضمن البرنامج الاستثماري، وسنعمل على تنفيذه سريعا.

هل ستنشئون هذا الخط بأنفسكم، أم سيُنفذ بالتمويل نفسه؟

سننشئ هذا الخط بأنفسنا.

وزير النقل التركي قال إن شركة تركية قد تتولى تشغيل مطار الموصل (الجزيرة)هناك أيضا ملف المطارات، وكان مطارا الموصل وبغداد من بين الموضوعات التي جرى بحثها، هل حدث أي تطور في هذا الشأن؟

جرى الاستثمار في مطار الموصل وانتهت أعمال الإنشاء، وهم يبحثون عن شركة متخصصة تتولى تشغيله، إن هناك ثلاث شركات تعمل في هذا المجال في تركيا، وكانت لديهم بالفعل مباحثات سابقة مع إحدى شركات القطاع الخاص، كما أُجريت أمس مباحثات تفصيلية مع الشركة التي تشغّل مطار إسطنبول، وأُحرز تقدم في هذا الملف.

وأتوقع أن تسفر المباحثات عن نتيجة، أي إن هناك احتمالا أن تتولى شركة تركية تشغيل مطار الموصل، أما مطار بغداد، فمن المخطط إعادة إنشائه بالكامل وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية.

وقال لنا نظراؤنا إنه قد يكون من الممكن أيضا إنشاء المطار في موقع مختلف، وإن هذه المسألة تحتاج إلى مناقشات أكثر تفصيلا.

تعمل الشركات التركية وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية في مناطق عديدة من العالم. فهل هي مستعدة للتقدم لتنفيذ مشروع مطار بغداد؟

إذا توفرت الشروط المناسبة، فستكون شركاتنا مستعدة للدخول في المشروع، وهذا ينطبق أيضا على نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية. وأيا كان النموذج، تبقى الثقة الأولوية الأولى لرأس المال، ومن المهم أن تُصان حقوقهم في البلد الذي يتوجهون إليه.

ولا شك أن الأمن المادي ضروري، لكنني أتحدث هنا عن الأمن المالي أيضا، أي توفير الضمانات اللازمة لهم إذا نشأ أي خلاف مستقبلا.

والعراق يدرك ذلك ويتخذ خطوات في هذا الاتجاه، وإذا توفرت هذه الضمانات، فستأتي شركاتنا، وأود أن أشير بصفة خاصة إلى أن شركات تركية لا تزال تستثمر هناك، وإن كان عددها أكبر في السابق، ومن الممكن أن يرتفع عدد هذه الشركات مجددا خلال المرحلة المقبلة وأن تدخل في استثمارات وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية، وفي مقدمتها مشروع مطار بغداد.

وزير النقل التركي قال إن أنقرة عرضت التعاون لتشغيل شبكة السكك الحديدية في العراق (الجزيرة)التقيتم أيضا وزير الاتصالات، فما المجالات المشتركة بين وزارتكم ووزارة الاتصالات؟

تضم وزارتنا أربعة أنماط للنقل، إلى جانب قطاع الاتصالات، وقد بحثنا مجموعة واسعة من الموضوعات، بدءا من أنظمة الأقمار الصناعية في الفضاء والتحول الرقمي، وصولا إلى تطبيقات الحكومة الإلكترونية ورقمنة الإجراءات اليومية.

كما ناقشنا إمكانية تقاسم الخدمات أو التعاون في مجال الأقمار الصناعية، وأكدنا اتفاقنا على ضرورة إنشاء شبكات للألياف الضوئية تمتد بمحاذاة مشروع طريق التنمية وتُمد تحت مساره، وعلمنا في هذا السياق أن وزارتي النقل والاتصالات العراقيتين متفقتان أيضا على هذه المسألة، وأن شبكات الألياف الضوئية أُدرجت ضمن المشروع.

هل تعتزمون تنفيذ مشروع يتعلق بأنظمة الأقمار الصناعية؟

لقد عرضنا الإمكانات والقدرات التي نمتلكها، وأكدنا استعدادنا للتعاون في هذا المجال. لكننا لم نناقش بعد خطوات عملية محددة في هذا الصدد، ويمكن بحث هذه المسائل خلال المرحلة المقبلة.

وفيما يتعلق بإدارة وتشغيل السكك الحديدية، أوضحنا أيضا أنه بإمكاننا من خلال شركة "تي سي دي دي تكنيك" التابعة لوزارتنا، تولي تشغيل شبكة السكك الحديدية في البلاد بأكملها، وقد أشاروا إلى أنه يمكن البدء في المرحلة الأولى ببرنامج تدريبي، ثم مناقشة هذا الموضوع لاحقا.

أعتقد أنكم ترغبون أيضا في إضافة خطوط نقل الطاقة إلى مشروع طريق التنمية؟

لقد أكدت هناك بصورة خاصة أن المشروع لا يقتصر على النقل وحده، فلا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خط للسكك الحديدية، أو طريق بري، أو خط لنقل الطاقة، أو الألياف الضوئية، أو الأنابيب.

إعلان

كما ذكّرت رئيس الوزراء بأن إدماج خط لأنابيب النفط أو الغاز الطبيعي ضمن المشروع يندرج أيضا ضمن القضايا المطروحة على جدول الأعمال، ومن المفيد أيضا مناقشة هذه المسألة مع دول الخليج، ولا سيما فيما يتعلق بالغاز الطبيعي.

عندما زار وزير الطاقة التركي العراق، هل بحث هذه القضايا مع رئيس الوزراء العراقي؟

نعم بحثاها بالطبع، وكما قلت فهذا ليس مجرد مشروع للنقل، بل هو وفق المفهوم الجديد، مشروع للترابط، أي لربط البلدين بعضهما ببعض في مختلف المجالات، ولا يقتصر تصورنا على ربط البلدين فحسب، بل يشمل أيضا تعزيز الترابط بين دول المنطقة في هذا الإطار.

وأود أن أضيف أن هناك أيضا ملف سكة حديد الحجاز الذي تتابعونه عن كثب، وقد استفسر نظراؤنا عن آخر تطورات المشروع، وعن المرحلة التي وصلنا إليها فيه، وما إذا كنا ننظر إلى مشروع طريق التنمية من هذه الزاوية برؤية مختلفة، وأوضحت لهم أن المشروعين ليسا بديلين لبعضهما البعض، بل يتعين تنفيذهما معا.

ولو كنا أكثر عملية، لكنا قد أنجزنا مشروع طريق التنمية منذ وقت طويل، ولما تصدر مضيق هرمز جدول أعمال العالم بهذا الشكل.

هذه هي أبرز القضايا التي ناقشناها، ويمكنني القول إننا وجدنا توافقا في الرؤى حول جميع القضايا تقريبا. وهذا أمر إيجابي، لكن يبقى علينا مواصلة العمل وتحويل هذه المشروعات إلى واقع ملموس.

مقالات مشابهة

  • أردوغان يتابع الصفقة بنفسه | محمد صلاح يقضي إجازته في اليونان .. وبشكتاش يترقب كلمة الحسم
  • المركزي التركي يثبت الفائدة عند 37% ويراقب مخاطر التضخم وأسعار الطاقة
  • وزير النقل التركي في حوار للجزيرة نت: نضع قريبا حجر الأساس لمشروع طريق التنمية مع العراق
  • ثمانية أيام قلبت المشهد.. ماذا جرى خلف الضربات المتبادلة بين إيران وواشنطن؟
  • الإعمار والتنمية : لا اتفاق حاسماً حتى الآن لاستكمال كابينة الزيدي
  • “سيناريو يُرعب تل أبيب”: وزير إسرائيلي يحذر من اصطدام بحري وشيك مع الجيش التركي.
  • أول استطلاع رأي بعد انشقاق أوزغور أوزيل: حزبه الجديد يحل ثانياً متفوقاً على “الشعب الجمهوري”
  • أردوغان يشن هجوماً حاداً على نتنياهو: “رأس شبكة إبادة ومصيره سيكون كمصير هتلر”.
  • تركيا.. أول استقالة بالهرم القيادي في حزب الشعب الجمهوري
  • المركزي التركي: ضغوط التضخم ومخاوف الركود تلقي بظلالها على توقعات النمو