في تطور لافت، يؤكد اليمن أنه لم يعد رقماً هامشياً في معادلة الصراع الإقليمي، حيث دشّنت القوات المسلحة اليمنية المرحلة الرابعة من عمليات الردع البحري، معلنة بوضوح أن استهداف السفن المرتبطة بالعدو لم يعد مشروطاً بالجنسية أو الموقع، بل مرتبط بالفعل والتعامل. القرار يحمل في طياته تحولاً نوعياً في قواعد الاشتباك ورسالة حازمة لكل من لا يزال يتعامل مع موانئ الكيان الصهيوني بأن مصالحه لم تعد آمنة في البحر الأحمر أو خارجه.
هذا التصعيد لا يأتي في فراغ، بل تتويجاً لتراكمات موقف يمني منسجم مع قضايا الأمة وفي طليعتها القضية الفلسطينية. لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر ملاحي، بل بات ساحة رد حقيقية على العدوان المستمر على غزة ووسيلة ضغط فعالة على داعمي الكيان الغاصب.
الخطوة اليمنية تمثل انتقالاً من مرحلة الدفاع إلى صناعة التأثير وتغيير الموازين، وهي تعكس إرادة سياسية وعسكرية تمضي بثبات نحو فرض معادلة توازن جديدة، حيث تصبح الكلفة السياسية والاقتصادية لأي انحياز للمحتل باهظة وغير مضمونة النتائج.
إنها ليست استعراضاً للقوة بقدر ما هي تموضع واعٍ ضمن مشروع تحرري واضح المعالم، يمنح الشعوب هامشاً من الكرامة والسيادة في وجه مشاريع الهيمنة، ويعيد تعريف مفهوم الردع ليصبح أداة لفرض احترام الحقوق لا فقط لدرء العدوان.
اليمن اليوم لا يخوض معركة موسمية ولا يعبر عن حالة انفعال آنية بل يرسم ملامح مشروع متكامل يتقاطع فيه السياسي بالعسكري ويتداخل فيه الوطني بالقومي والديني فقد بات واضحا أن الاستراتيجية اليمنية لم تعد تقتصر على ردود الأفعال، بل تجاوزتها إلى فعل المبادرة المدروسة التي تربك العدو وتعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة.
المرحلة الرابعة من الردع اليمني جاءت تتويجا لمراحل سابقة من الالتزام والتصعيد المحسوب، فكل بيان يصدر عن القوات المسلحة اليمنية أصبح يحمل ثقله في الميدان ويرسم اتجاها للمعركة الكبرى التي تخوضها غزة المقاومة نيابة عن الأمة، لا تتحدث اليمن، بل تنفذ، لا تهدد بل تفعل وما تفعله اليوم في البحر الأحمر يمثل ذروة العقل الاستراتيجي الذي بات يملك أدواته ويحدد توقيته بنفسه.
في ظل صمت عربي مطبق وتخاذل دولي مقزز تحضر اليمن كصوت مختلف صوت لا تشتريه الصفقات ولا تكسره التحذيرات، صوت يأتي من عمق المعاناة والإيمان بالقضية ومن فهم حقيقي لطبيعة المعركة، اليمن لا يتفاوض على الكرامة ولا يقايض على السيادة ولا يفرط بحق فلسطين وغزة حتى يتوقف العدوان ويرفع الحصار.
الرسالة وصلت للعالم بأسره أن من أراد أن يتعامل مع الاحتلال، فعليه أن يتحمل تبعات قراره ومن أراد الأمن لمصالحه فليوقف دعمه لهذا الكيان، فالمرحلة لم تعد تحتمل الرمادية والمواقف المتلونة المعركة اليوم مفتوحة والمبادرة لم تعد بيد الكبار التقليديين، بل بيد الشعوب الحرة التي تقرر أن تتحرك وأن ترد وأن تدافع بشرف وشجاعة.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
أحمد جبارة مسرحي يمني يحمل رسالة لخدمة الأجيال
صنعاء "د.ب.أ": رغم الظروف القاسية التي تعاني منها بلاده، يحرص الفنان والمخرج المسرحي اليمني أحمد علي جبارة 61 عاما على صنع البسمة وزراعة الأمل في محيطه، كرسالة سامية تأبى الانكسار أو الخفوت.
حكاية المسرح والعمل الفني لم تكن مجرد شغف اختاره جبارة في مرحلة لاحقة من حياته، وإنما سيرة لافتة بدأت معه منذ حوالي نصف قرن عندما كان يقف في ساحات المدرسة حاملا شارة الكشافة، ليبدأ منها رحلة ثرية مستمرة حتى اليوم في بلد يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية بالعالم.
ولد أحمد علي جبارة في مدينة تعز جنوب غربي اليمن عام 1965، وكانت بدايته الأولى من مدرسة الثلايا الأساسية، حيث التحق وهو في عمر التاسعة بالحركة الكشفية.
في هذه المدينة العريقة التي توصف حاليا بأنها عاصمة الثقافة اليمنية، كانت البدايات الحقيقية لاكتشاف موهبة جبارة، فقد شارك في فرق الإنشاد والمسرح الكشفي، وبرز صوته المميز في الفعاليات المدرسية والوطنية.
في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) يتحدث جبارة بأنه في تلك الفترة- مطلع السبعينيات - لم تكن الكشافة مجرد نشاط مدرسي، وإنما بمثابة مدرسة متكاملة لبناء الشخصية، إذ تعلم من خلالها قيم الانضباط والعمل الجماعي والثقة بالنفس والقدرة على التعبير والمواجهة والإبداع.
مازال جبارة يتذكر كيف تأثر في بدايات مشواره المسرحي والكشفي بعدد من القادة الكشفيين والمدرسين العرب، خصوصا المعلمين المصريين والسودانيين الذين نقلوا خبراتهم إلى اليمن في مجالات الكشافة والمسرح والرياضة، وأسهموا في تشكيل الوعي الفني والثقافي خلال السبعينيات والثمانينيات.
في عام 1980، وهو في الـ 15 من عمره انتقل جبارة إلى العاصمة صنعاء، والتحق بفريق المسرح العسكري الذي كان محطة مهمة في مسيرته الفنية.
وهناك تلقى تدريبات متخصصة على يد عدد من المسرحيين والمخرجين، بينهم الفنانان الفلسطينيان يوسف لبد وحسين الأسمر، إلى جانب نخبة من الأكاديميين والفنانين اليمنيين والعرب.
ومثلت تلك الحقبة نقطة تحول لجبارة من مرحلة الموهبة والهواية إلى مسار التكوين الاحترافي، حيث تعمق في فنون الإخراج والتمثيل المسرحي.
وفي عام 1984 كان من بين الأعضاء المؤسسين لفرقة المسرح الوطني في تعز، التي تأسست بإشراف الخبير المسرحي المصري إميل جرجس، ليواصل بناء تجربته الفنية في المدينة التي احتضنت بداياته.
بعد إتمامه مرحلة الثانوية العامة، حصل أحمد جبارة على منحة لدراسة المسرح في الكويت نهاية عقد الثمانينيات، فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، قبل أن تتغير ظروف الدراسة بسبب حرب الخليج عام 1990، لينتقل إلى العراق ويواصل تعليمه في أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد.
هناك تخصص في المسرح، وفي عام 1993 حصل على درجة بكالوريوس تمثيل وإخراج مسرحي، وعاد إلى وطنه حاملا معه تجربة أكاديمية انعكست لاحقا على أعماله ومشاريعه الفنية والتربوية في اليمن.
بعد عودته إلى اليمن، التحق موظفا بوزارة التربية والتعليم، وهناك بدأ مرحلة جديدة من حياته تمثلت في تحويل المسرح المدرسي إلى مشروع لاكتشاف المواهب وصناعة جيل جديد من المبدعين.
وفي عام 1995 أسس أول مهرجان للمسرح المدرسي في تعز بمشاركة نحو 15 مدرسة، بدعم من قيادة مكتب التربية والتعليم، ليصبح لاحقا مهرجانا مركزيا يتوسع عاما بعد عام.
المسرح وسيلة تربوية
لم يكن جبارة يقتنع فقط بمجرد إقامة عروض مسرحية ترفيهية، وإنما يرى في المسرح وسيلة تربوية لبناء شخصية الطالب وتعزيز ثقته بنفسه وقدرته على الحوار والتفكير والإبداع.
كما أسس فرقا مسرحية مدرسية على فترات متفرقة في تعز، ودرب العديد من الطلاب الذين أصبحوا لاحقا ناشطين في المجال الثقافي والفني.
وإلى جانب ذلك، امتدت تجربة جبارة إلى خارج تعز، حيث شارك في تدريب معلمي المسرح المدرسي في صنعاء، كما كان ضمن المدربين والمشرفين على مهرجانات المسرح المدرسي المركزية على مستوى اليمن.
وشارك في هذه التجارب إلى جانب عدد من المسرحيين اليمنيين، بينهم المخرج المسرحي الراحل فريد الظاهري (عام 2007) والكاتب والناقد المسرحي عبدربه الهيثمي الذي توفي في فبراير 2026.
إنجازات وحضور عربي ومحلي
ومن أبرز محطات تجربة الفنان جبارة الفوز بجائزة أفضل عرض مسرحي متكامل في المهرجان الثالث للمسرح اليمني في العاصمة صنعاء، عام 1995.
وبعدها بعشر سنوات، فاز بجائزتي أفضل إخراج مسرحي وأفضل تصميم ملابس في المهرجان الثالث للمسرح المدرسي لدول مجلس التعاون الخليجي واليمن، وذلك في المملكة العربية السعودية عام 2005.
يفيد جبارة أيضا بأن تجربته المسرحية امتدت إلى المسرح الجامعي، حيث شارك مع جامعة تعز في عدد من الأعمال المسرحية، من بينها مسرحية "لا تصالح" المأخوذة عن قصيدة الشاعر الراحل أمل دنقل (توفي عام 1983)، والتي جرى تحويلها إلى لوحة مسرحية، وشاركت بها جامعة تعز في مهرجان الجامعات العربية بجامعة جنوب الوادي في مصر عام 2002، وحصلت على المركز الأول.
ورغم ظروف الحرب التي أثرت على القطاع المسرحي والفني بشكل كبير، واصل جبارة نشاطه وشغفه ونجح في الفوز بجائزة أفضل عمل مسرحي متكامل عن مسرحية (ميس) في مهرجان المسرح اليمني بمدينة عدن، عام 2018، وكذلك الفوز بجائزة أفضل مخرج مسرحي عن مسرحية (الخلاص) في مهرجان المسرح اليمني بحضرموت عام 2020.