د. دينا هويدي: قوة الكلمة والمعرفة تغير حياة الإنسان.. والمرأة شريكة فى صناعة الثقافة
تاريخ النشر: 19th, August 2025 GMT
في كل محطة من محطات مشوارها، تثبت أنّ الثقافة ليست ترفًا بل طوق نجاة، وأن المرأة ليست متلقية للمعرفة فحسب، بل صانعة لها. من بين أروقة قصور الثقافة، وإلى قلب المحافظات الحدودية، برز اسم الدكتورة دينا رأفت هويدي، مدير عام ثقافة المرأة بالهيئة العامة لقصور الثقافة، والمدير التنفيذي لمشروع "أهل مصر"، كأحد الأصوات المؤمنة بقدرة المرأة المصرية على قيادة التغيير وصناعة الأمل.
قرار وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو بتجديد الثقة فيها وتكليفها لفترة جديدة، لم يكن مجرد تكليف وظيفي، بل اعتراف بمسيرة حافلة بالجهد والإنجاز، وبقدرة أثبتت نفسها عبر مبادرات ومشروعات نوعية، فتحت أبواب التمكين الثقافي أمام آلاف الفتيات والسيدات من القرى والنجوع وحتى المدن الكبرى.
في هذا الحوار، تفتح د. دينا هويدي قلبها لـ"الوفد" لتتحدث عن مسيرتها المهنية، وإنجازاتها وتحدياتها، ورؤيتها لمستقبل المرأة المصرية ثقافيًا، وتجربتها الاستثنائية في الإشراف على ملتقى "أهل مصر"، الذي أعاد رسم صورة المرأة في المحافظات الحدودية، ومنحها منبرًا لتقديم نفسها كنموذج مُلهم وقوة فاعلة في المجتمع.
* كيف استقبلتِ قرار وزير الثقافة بتجديد الثقة وتكليفك لفترة جديدة كمدير عام للإدارة العامة لثقافة المرأة؟
كان قرار الوزير ا.د. أحمد فؤاد هنو بتجديد الثقة شرفًا كبيرًا لي. وهو شعور ممزوج بالفخر والامتنان والمسئولية. هذه الثقة تمنحني دافعًا مضاعفًا لبذل المزيد من الجهد والعمل الجاد لخدمة المرأة المصرية، خاصة في المناطق التي تحتاج دعمًا ثقافيًا وتنمويًا حقيقيًا.
* ما أبرز الإنجازات التي حققتيها خلال فترة توليك السابقة لهذا المنصب؟
أبرز الإنجازات تمثلت في تعزيز الوعي الثقافي للمرأة المصرية من خلال كل أنشطة الإدارة العامة لثقافة المرأة..أطلقنا ٩ مبادرات خاصة بالمرأة. كما قمنا بتنفيذ العديد من الأنشطة الثقافية الإبداعية من قوافل وأسابيع ثقافية وغيرها من الأنشطة الثقافية التي تستهدف المرأة المصرية في المقام الأول، كما ركزنا على المرأة في المناطق الحدودية والنائية بشكل خاص، وقمنا بتنفيذ برامج تمكين ثقافي تُخاطب احتياجاتها الحقيقية.
واستطعنا تحقيق ذلك من خلال العديد من المبادرات والمشاريع وعلى رأسها مشروع "أهل مصر" .
*ما هى أهم الأرقام القياسية اللافتة فى ثقافة المرأة
14241 مستفيدًا من المحاضرات التي أقيمت بجميع الأقاليم الثقافية، 277 مستفيدًا من الندوات المتخصصة، 1335 مشاركًا في الصالونات الثقافية، 2168 مشاركًا في الأسابيع الثقافية بـ4 محافظات، 1154 مستفيدًا من الحلقات البحثية، 5125 مستفيدًا من اللقاءات التفاعلية التي وصلت إلى 161 لقاء، 872 مشاركة في ورش الحكي، 443 مستفيدًا من ورش العمل، 222 مشاركًا في مناقشات الكتب بعشر محافظات.، 122 مستفيدًا من القوافل الطبية في الغربية، 196 مشاركة في ملتقيات المرأة الريفية بالمنوفية، 870 مشاركة في ملتقى العنف بمحافظات أسيوط وكفر الشيخ والغربية، 5059 مشاركة في الورش الفنية، إلى جانب 6667 مستفيدًا عبر الورش الفنية "أونلاين". كما وصلت القوافل الثقافية إلى الإسكندرية وشمال سيناء، مستهدفة 400 سيدة.
*كيف تقيمين حضور المرأة في الفعاليات بالمحافظات ؟
حضور واسع للمرأة في المحافظات، حيث متدت الفعاليات لتغطي غالبية محافظات مصر من الوادي الجديد، مرسى مطروح، الإسكندرية، شمال سيناء، البحر الأحمر، القاهرة، الجيزة، أسيوط، الأقصر، سوهاج، كفر الشيخ، دمياط، الفيوم، المنوفية، الغربية، البحيرة، الدقهلية، أسوان وغيرها، ما يعكس الانتشار الجغرافي الواسع لبرامج ثقافة المرأة.
* ما التحديات التي واجهتكِ في إدارة ملف ثقافة المرأة، وكيف تعاملتِ معها؟
أكبر التحديات كانت بعض العوائق المجتمعية المرتبطة بالمفاهيم التقليدية عن دور المرأة في المجتمع، لكننا اعتمدنا على الشراكات المجتمعية المحلية، وعلى فرق عمل مؤهلة وقريبة من الفتيات لبناء جسور من الثقة وقدمنا خدمات ثقافية سواء توعوية أو تدريبية على حرف كان نتاجها مشاريع صغيرة أضافت مصدر دخل للأسرة فزاد الإقبال على البرامج التي نقدمها.
* ما الجديد الذي ستعملين على تحقيقه في المرحلة القادمة؟
نعمل على إطلاق مبادرات أكثر استدامة تتيح للمرأة فرصًا أكبر للتعبير الثقافي، مع تعزيز التعاون مع مؤسسات دولية ومحلية لتوفير موارد ودورات تدريبية تخصصية للفتيات في مجالات الفن والتراث والإبداع.
* كيف ترين وضع ثقافة المرأة في مصر حاليًا؟ وهل هناك فجوة بين القرى والمدن؟
نحن نشهد عصرًا مزدهرًا وذهبيًا لدعم المرأة المصرية، ولكن لا تزال هناك فجوة تحتاج إلى تضييق من خلال تسهيل وصول الخدمات الثقافية والبرامج التوعوية إلى القرى والمحافظات الحدودية. المرأة المصرية واعية ومبدعة، لكن تحتاج الفرصة فقط.
* برأيك، ما أهم القضايا الثقافية التي يجب التركيز عليها لدعم المرأة؟
أهم القضايا هي محو الأمية الثقافية والتكنولوجية، تعزيز الوعي بالحقوق، والحفاظ على الهوية الثقافية مع تمكين المرأة من التعبير عن نفسها من خلال أدوات فنية وثقافية معاصرة وخلق مساحة لإبداعها.
* كيف توازنين بين الحفاظ على التراث الثقافي وإدخال مفاهيم معاصرة في برامج المرأة؟
نحن نعمل وفق رؤية شاملة تقوم على احترام التراث باعتباره الهوية الجذرية، وفي الوقت نفسه نسعى لتطوير البرامج من خلال إدخال مفاهيم الحداثة، والتكنولوجيا، والفن المعاصر، ما يجعل المرأة أكثر قدرة على التفاعل مع العصر دون فقدان جذورها.
أهل مصر
*بحكم أنكِ المشرف التنفيذي للملتقى، ما أبرز أهدافه، خاصة لفئة الفتاة والمرأة؟
الملتقى يهدف إلى دمج الفتيات من المحافظات الحدودية في الحراك الثقافي المصري، وتمكينهن من التعبير عن قضاياهن من خلال الثقافة والفنون والتركيز على إبراز وتقديم نماذج ناجحة ومُلهمة منهن.
* كيف تساهم هذه الملتقيات في دمج فتيات المحافظات الحدودية؟
أهل مصر أحد أهم مشاريع وزارة الثقافة والخاص بالمحافظات الحدودية والذي من خلاله تمكننا من الوصول إلى شريحة واسعة من الفتيات والسيدات في المناطق النائية والحدودية وتدريبهن على التعبير عن أنفسهن من خلال الورش الفنية الحرفية سواء تراثية أو معاصرة بالإضافة إلى ورش اكتشاف المواهب وهي ورش أدبية ومنها ورش الحكي المسرحي وأساسيات الكتابة الصحفية والتصوير الفوتوغرافي وغيرها.. وكان من أهم مخرجات هذه الملتقيات هي قصص النجاح وخلق جيل من رائدات أعمال متميزات بحرف تراثية ومعاصرة وتمكنهن من دخول سوق العمل بمشاريعهن الخاصة وبدعم من الإدارة ببرامج في استخدام الذكاء الاصطناعي في ريادة الأعمال والتسويق الإلكتروني،
وتوفير بيئة حاضنة وآمنة لعرض مواهبهن، ومن خلال التفاعل مع فنانين ومثقفين ومدربين محترفين، تُتاح لهن فرصة لاكتساب الثقة، والوعي، والانتماء الوطني. كما أن الورش الفنية والأدبية يتم فيها حدوث الدمج فإن الرحلات والزيارات أيضاً فرصة عظيمة للدمج بينهن ومن أبرز أنشطتنا لتحقيق هذا الدمج هو الأمسية الثقافية الثابتة في كل ملتقى والتي أديرها بنفسي ولكن هن الأبطال الحقيقيون لها. نتناول فيها الحديث عن عاداتهم وتقاليدهم وتراثها الثقافي والفني وأشهر الأكلات وأنواع الحلي والإكسسوارات ومناسباتها.
وتحمل عنوان: دور المرأة في الحفاظ على الموروث الفني والثقافي. وتشهد إقبالاً كبيرًا وتفاعلاً ممتازًا منهن.
*كيف يتم إعداد برنامج الملتقى وما هي مدته؟
يُعد البرنامج على مراحل تبدأ من اختيار موقع التنفيذ أي المحافظة، ثم تبدأ مرحلة الدراسة التي نقوم فيها بالتركيز على آخر الدراسات التي قامت بها مراكز الأبحاث المعتمدة عن أبرز قضايا المرأة وبناء عليه يتم تصميم الحقيبة التدريبية والتي تشمل اختيار مواضيع المحاضرات واللقاءات التفاعلية وورش العمل.. ثم مخاطبة الأقاليم الثقافية التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة لإمدادنا بأسماء الفتيات والسيدات من رواد القصور المشاركة ومخاطبة الجامعات والمعاهد لترشيح فتيات وسيدات من منسوبيها.. كما يتم تصميم برنامج تدريب متخصص في كل المجالات.. بالإضافة إلى ذلك نضع خطة مدروسة لزيارة مواقع أثرية وتاريخية بالإضافة إلى زيارة مشاريع الدولة التنموية، ولقاء مسىٔول رفيع وعادة ما يكون المحافظ أو من ينوب عنه... أما عن المدة الزمنية فيمتد الملتقى من ٥ إلى ٩ أيام، ويستهدف الفتاة والمرأة حتى سن 35 عامًا، ويشمل العديد من الأنشطة الثقافية والفنية والترفيهية.
* ما التحديات التي تواجهينها خلال الملتقيات؟
أهم التحديات هي بعض التحفظات المجتمعية، لكننا نجحنا بفضل التعاون مع أولياء الأمور من خلال أقاليمنا الثقافية بالمحافظات في تجاوز هذه العقبة. واجهنا أيضاً وما زلنا، العديد من التحديات ولكننا قادرون على إيجاد الحلول المناسبة لها بدعم كامل من القيادات ومعالي الوزير..
*بعد نجاح الملتقى الأخير، ما الذي يميزه عن الملتقيات السابقة؟
بكل تاكيد دعوة وزير الثقافة لفتيات وسيدات المناطق الحدودية في الملتقى للقائه شخصيًا.
لقاء وزير الثقافة ا. د. أحمد فؤاد هنو، واللواء خالد اللبان مساعد وزير الثقافة لشىٔون رئاسة الهيئة العامة لقصور الثقافة كان مهمًا وثريًا أضفى بعدًا خاصًا ودعمًا كبيرًا من سيادته للفتيات والسيدات من المحافظات الحدودية ولي أنا شخصيًا وفريق العمل بالكامل.
* كيف تقيمين طلب وزير الثقافة الجلوس مع فتيات الملتقى؟
سعيدة سعادة بالغة خاصة انها كانت مبادرة معالي الوزير. الوضع الطبيعي كان إننا نوجه لمعاليه الدعوة ولكننا اتفاجئنا إن سيادته هو من وجه لنا الدعوة للقائه في مركز الهناجر الثقافي بدار الأوبرا المصرية، وهذه ليست أول مرة يلتقي بينا في "أهل مصر- المرأة". كان لنا لقاء سابق معه أثناء تنفيذ ملتقى الاسكندرية وكان في برنامجنا زيارة مدينة العلمين للتعرف على مشاريع الدولة والنقلة الحضارية التي تمت هناك والمشاركة في مهرجان الثقافة "العالم علمين " وفوجئنا أثناء تنفيذ نشاط ترفيهي على الشاطيء بزيارته لنا وكانت مفاجأة أكثر من رائعة تنم عن وعي سيادته وتقديره للمرأة المصرية.. اللقاء هذه المرة أيضاً يعكس توجه الدولة المصرية للاهتمام بالفتاة والمرأة، وهو ما أعطى المشاركات دفعة معنوية هائلة، بالاضافة لدعم الوزير لهن .
* ما أهم قصة نجاح أو موقف مؤثر مررتِ به مع فتيات الملتقى؟
كل قصص النجاح مؤثرة وأبرز ما فيها إصرار الفتيات على أن يتحولن إلى رائدات اعمال والحمدلله بدعمنا لهن وإصرارهن حققن نجاحات مبهرة. أما على الهامش فتوجد العديد من القصص المؤثرة، لذلك نحرص أن نكون لهن دائماً نموذجاً يحتذى.
تركنا لهن أيضاً مساحة التعبير في المسرح وأبهرونا بأن هن اخترن التحديات من أجل مناقشتها في ورشة الحكي المسرحي تحت عنوان " أجنحة الأمل" وتناولت فيها كل مشاركة حكاية امرأة تعيش قصة كفاح رأتها وعايشتها وتصورهن لخروجها من أزمتها في رسالة إلى أن الأمل دائمًا موجود في التغيير إلى الأفضل وقد نال العرض تصفيقًا حارًا وإعجابًا من الحضور تعاطفًا مع بعض القصص... هذه اللحظات لا تُنسى.
*ما الدور الذي تقوم به الثقافة لدعم هذه المواهب؟
الثقافة تفتح الباب أمام هؤلاء الفتيات للتعبير والإبداع من خلال قصور الثقافة المنتشرة في كل الجمهورية وأندية المرأة في داخل هذه القصور، وتمنحهن منبرًا للتعبير عن مواهبهن كما توفر لهن فرصًا تدريبية بدعم من الوزارة في مواقعها الثقافية ومن خلال المبادرات والمشاريع و الأنشطة الثقافية والفنية التي تقدمها..
رؤية مستقبلية
* كيف ترين مستقبل البرامج الموجهة للمرأة في وزارة الثقافة؟
أرى أن المستقبل واعد جدًا، خصوصًا مع توجه وزارة الثقافة في إطار التوجه الوطني نحو استمرار دعم المرأة وتوعيتها وتثقيفها ونحن نعمل على تطوير منهجيات العمل لتكون أكثر فاعلية، وربطها باحتياجات الفتاة والمرأة في الوقت الحالي.
*هل هناك خطط تعاون لتعزيز دور المرأة ثقافيًا؟
نعم، هناك تعاون كبير مستمر وقائم مع وزارات ومؤسسات الدولة بشكل مستمر كوزارة التضامن الاجتماعي، والتربية والتعليم، التعليم العالي، والمجتمع المدني، لتنفيذ برامج تكاملية تصب في صالح المرأة والفتاة المصرية.
* ما رسالتك للفتاة المصرية من المحافظات الحدودية؟
رسالتي هي: "أنتِ قادرة على صناعة التغيير. وكل صوت صادق له مكانه، فقط ثقي بنفسك".
* من أين تستمدين قوتك ودافعك؟
أولاً .. ومن إيماني بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. ثانيًا أستمد قوتي من الفتيات أنفسهن. كل مرة أرى فيها فتاة تتطور أو تكتشف موهبتها، أشعر بأن ما أفعله يستحق كل جهد. ثالثًا من دعم أسرتي وزملائي وإشادات رؤسائي وسعادتهم بحجم وتنوع الإنجاز في كل فعالية.. رابعاً كل من شجعني ولو بكلمة فأنا استمد منه القوة.
هذا بالإضافة لإيماني وقناعتي بأن مصر دولة كبيرة وعظيمة وتستحق إخلاص كل أبنائها لها.
*كيف توفقين بين مسىٔولياتك المهنية وحياتك الشخصية؟
بالتنظيم والتخطيط الجيد وحسن إدارة الوقت وترتيب الأولويات. وفي الحقيقة أنا محظوظة بأسرة داعمة تتفهم طبيعة عملي، وأحاول دومًا أن أخلق توازنًا حتى لا يطغى جانب على آخر.
*لو لم تكوني في هذا المنصب، ما المجال الذي كنتِ ستختارين العمل فيه؟
قبل انضمامي للهيئة العامة لقصور الثقافة من ٤ سنوات كنت أعمل في مجال التدريس الأكاديمي في جامعات دولية وأجنبية وحصلت في ٢٠١٤ على الزمالة في التدريس للتعليم العالي من واحدة من أكبر أكاديميات بريطانيا التي تمنح هذه الرخصة. فأنا أعشق مهنة التدريس لإيماني بأنها رسالة فأنا أؤمن جدًا بقوة الكلمة والمعرفة في تغيير حياة الإنسان.
* هل لديكِ رسائل أخرى تريدين توجيهها؟
أحب أن أوجه رسالة شكر الى.. الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيدة حرمه على رعايتهما المرأة المصرية فهي تستحق..
وإلى وزير الثقافة ا. د. أحمد فؤاد هنو على استمرار دعمه لنا وكذلك اللواء خالد اللبان مساعد الوزير ولكل من آمن بأهمية الثقافة في بناء الإنسان، ولكل فتاة شاركت في برنامجنا وتركت بصمة.. أنتن الأمل الحقيقي لمصر.
*هل تحبين أن تضيفي شيئًا آخر؟
نعم، أود أن أؤكد أن المرأة ليست فقط مستفيدة من الثقافة، بل هي شريكة في صناعتها، ويجب أن يُنظر إليها دائمًا كمنتجة للمعرفة والفن والثقافة والإبداع، لا متلقية فقط. فثقافة المرأة لم تعد مجرد فعاليات تقليدية، بل تحولت إلى منصة حقيقية للتثقيف وبناء الوعي والتمكين، حيث جمعت بين التثقيف الصحي، التمكين المعرفي، والفنون، ومواجهة العنف، ودعم المرأة الريفية، لتبقى الثقافة أحد أهم أدوات بناء الإنسان المصري.
سجل مهني حافل بالخبرة والتميز
تشغل د. دينا هويدي منصب مدير عام ثقافة المرأة منذ عام 2022، وتشرف على البرنامج الرئاسي "أهل مصر" لفئة الفتاة والمرأة منذ 2023، إلى جانب مشروع تطوير قدرات المرأة في مجتمعات بدائل العشوائيات.
وهي باحثة وأكاديمية مرموقة، لها العديد من الأبحاث في مجالات الفنون والعمارة المنشورة في دوريات علمية دولية، كما حصلت على زمالة التدريس للتعليم العالي من إنجلترا عام 2014، إلى جانب عدد من الجوائز والتكريمات في الأداء الأكاديمي والإداري.
شغلت هويدى مناصب تحكيمية في مسابقات تصميم بمؤسسات أكاديمية عربية وأجنبية، وهي أيضًا خريجة البرنامج الوطني لتأهيل القيادات النسائية الذي نُفذ بالتعاون مع وزارتي التخطيط والثقافة، والمجلس القومي للمرأة، والاتحاد الأوروبي.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: العامة لقصور الثقافة المحافظات الحدودیة الأنشطة الثقافیة المرأة المصریة الفتاة والمرأة وزیر الثقافة ا أحمد فؤاد هنو الورش الفنیة ثقافة المرأة مستفید ا من المرأة فی مشارکة فی العدید من من خلال ا ثقافی ا أهل مصر
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.