رحل الشيخُ عمر إدريس، فبكت عليه أديس أبابا كما لم تبكِ عالِمًا من قبل، وغصَّت شوارعُها بجموعٍ من المسلمين والمسيحيين، يجتمعون على حبّ رجلٍ لم يفرّق بين أحدٍ منهم، بل كان لهم أبًا وملاذًا وضميرًا حيًّا يسكب الطمأنينة في النفوس، كما يسقي المطر أرضًا عطشى. لقد كان الشيخُ عمر إدريس في حياته مدرسةً في التوحيد الروحيّ، يَجمعُ بين صفاءِ القلبِ الصوفيّ ووعيِ العالِم المصلح، فلا عجب أن تلقّاه الناسُ في وداعه كما يُودَّع الأولياء، بالبكاء والسكينة والذكر.

لم يكن الشيخُ عمر إدريس مجرد مفتي إثيوبيا أو رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في البلاد، بل كان “ضميرًا وطنيًّا” يعبّر عن إسلامٍ عاشَ مع الناس لا فوقهم، وجعل من العلم طريقًا للرحمة لا للحكم، ومن الفقه ميزانًا للتسامح لا سيفًا للتفرقة. في مساجد العاصمة أديس أبابا، وبالأخص جامع الأنور الكبير وجامع النور، ألقى دروسه لعقودٍ طويلة، يُنيرُ العقول ويزكّي القلوب، يفسّر النصوص بروحٍ ناصعة، ويجعل من حديثه سفينةً تعبرُ بآلاف المريدين نحو شاطئ الطمأنينة. ما من خُطبةٍ ألقاها إلا وكانت مشبعةً بنَفَسِ المحبّين، ولا من مجلسٍ عقده إلا وعمّ فيه الدعاء قبل الجدل، والمودة قبل الاختلاف.

عرفتُ الشيخَ عن قُربٍ في لحظةٍ من لحظات التاريخ، عندما دُعي إلى أبوظبي، عاصمة السلام، ليكون رُكنًا في مصالحةٍ كبرى جمعت كل الأطياف الإسلامية المكوّنة للمشهد الإثيوبي. كان المشهد أقرب إلى لوحةٍ قرآنيةٍ تُعيدُ صياغة الأخوة على بصيرةٍ وصفاء. جلَسَ الشيخُ عمر إدريس ممثلًا للتيار الصوفي، إلى جواره الشيخ الدكتور أحمد جيلان ممثل الاتجاه السلفي، وحضر تيار الشباب، وجلس الكلُّ على مائدة واحدةٍ تحت رعايةٍ حكيمة من دولة الإمارات التي أرادت أن تطفئ نار التحزّب والصراع المذهبي. هناك، كان الشيخ عمر هو لسان التوفيق ووجه الحكمة، يحدّث الحاضرين بصوتٍ مفعمٍ بالسكينة، كأنّ الملائكة تحفُّ مجلسه. وبجهدٍ صادق من الدكتور علي راشد النعيمي، وبحكمة القيادة الإماراتية، تمّت المصالحة ووقّعت وثيقةُ الوحدة في أبوظبي، ليعود الوفدُ إلى إثيوبيا ومعه عهدُ السلم والوئام.

كان الشيخُ عمر إدريس من أولئك الذين يمشون على الأرض بخشوع العارفين، لا تُغريهم المناصب ولا تستهويهم الأضواء. زاهدٌ في ذاته، كريمٌ في وقته، متواضعٌ حتى ليخجل من ثنائك عليه. يجالس الناس بوجهٍ باسمٍ، يُصغي أكثر مما يتكلم، ويذكّرهم بالله أكثر مما يذكّرهم بنفسه. عاش للتوحيد لا للتصنيف، وللدعوة لا للمجد الشخصي. لذلك، حين وافته المنيّة في أكتوبر 2025، خرجت أديس أبابا عن بكرة أبيها، تودّع من جمع اللهُ له القبول في الأرض قبل السماء.

كانت جنازته درسًا في الإنسانية قبل أن تكون مشهدًا من الوداع. حضرها آلاف المسلمين، وتقدّمها البطريرك الأرثوذكسي أبونا متياس، باكيًا متأثرًا، في مشهدٍ قلّ أن يجتمع فيه الدينان على رجلٍ واحد. ذرفت العيون دموعها، وترددت على الألسنة كلماتُ الرحمة والدعاء، إذ لم يكن الشيخُ رمزًا لدينٍ دون آخر، بل كان رمزًا لإنسانيةٍ أوسع وأجمل، ووجهًا للسلام الذي يحتضن الجميع.

تلك الجنازة كانت ترجمةً صادقةً لمسيرته كلّها؛ رجلٌ نذر حياته للإصلاح، فوهبه الله حبَّ الناس. لم يكن في قلبه ضيقٌ على مخالفٍ ولا تبرّمٌ من جاهل، بل كان يرى أن الخلافَ امتحانُ القلوب، وأن السلامَ ثمرةُ الإخلاص. وكان كثيرًا ما يقول لتلامذته: “من أراد أن يُصلح، فليغلب في نفسه الحبَّ على الغضب، والرحمةَ على الفكرة.” لذلك، حين غادر الدنيا، وجد في قلوب الناس مكانًا لا يزول، لأنّه لم يُربِّهم على الولاء له، بل على الولاء لله.

لقد ترك الشيخُ إرثًا يفيض بالسكينة، ومسيرةً تشهد أن التصوف ليس انسحابًا من الواقع، بل حضورًا فيه بروحٍ أنقى. علّم الناس أن الأمنَ المجتمعي يبدأ من نقاء النية، وأنّ الإصلاح لا يحتاج إلى سيفٍ ولا سياسة، بل إلى قلبٍ صادقٍ يعرف طريق السماء. وبهذه الروح، أسّس مع إخوانه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أرضيّةً قانونيةً جامعةً للمسلمين في بلاده، وانتزع الاعتراف الرسمي بهم، فجعل من الوحدة واقعًا بعد أن كانت حلمًا بعيدًا.

رحم الله الشيخ عمر إدريس، فقد كان واحدًا من أولئك الذين يصنعون التاريخ بصمت، ويكتبون مجد الأمة من غير ضجيج. عاش نقيًّا ومات نقيًّا، فكان مثالًا للعالِم الربّاني الذي يفيض حبًّا على الناس كما يفيض النور من مصباحٍ لا ينطفئ.

اللهم اجعل روحه في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، وأسبغ عليه من رحمتك ما يليق بصفاء قلبه، وأكرمه بنورٍ لا يخبو، وصحبةٍ في الجنّة من الذين أحبَّهم فيك. لقد كان عبدًا صالحًا، عابدًا زاهدًا، ومحبًّا للسلام كأنّ قلبه وطنٌ للسكينة، فاجعل قبره روضةً من رياض النعيم، وارفَع ذكره في عليّين، إنك وليّ ذلك والقادر عليه.

طباعة شارك الشيخُ عمر إدريس عمر إدريس أديس أبابا

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: عمر إدريس أديس أبابا أدیس أبابا عمر إدریس بل کان

إقرأ أيضاً:

وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد

لأول مرة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحول الخط الساخن بين واشنطن وتل أبيب إلى ساحة مواجهة مفتوحة وصلت لحد الشتائم.

بحسب تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية، انفجر ترامب غاضبًا في وجه بنيامين نتنياهو بسبب التصعيد الإسرائيلي في لبنان.

ووصل الأمر إلى الشتائم وتبادل عبارات غير مسبوقة بين رجلين لطالما قُدِّما باعتبارهما أقرب حليفين سياسيين في العالم الغربي.

الوغد المجنون

وفق ما هو منشور فقد قال ترامب لنتنياهو: لولا وجودي لكنتَ في السجن الآن، أيها الوغد ناكر الجميل".

ترامب قال لنتنياهو أيضا: "أنا من ينقذك..الجميع يكرهك الآن، والجميع يكره إسرائيل بسبب ذلك".

كما وصف ترامب نتنياهو بأنه "مجنون".

قد تكون بعض تفاصيل المكالمة محل جدل، لكن الأهم من الألفاظ نفسها هو ما تكشفه الواقعة:

التحالف الذي بدا لسنوات صلبًا بين ترامب ونتنياهو لم يعد كما كان.

فكيف وصلت العلاقة إلى هذه النقطة؟

تحالف المصالح

لم تكن العلاقة بين ترامب ونتنياهو مجرد علاقة بين رئيس أمريكي ورئيس وزراء إسرائيلي.

فترامب ونتنياهو ينتميان إلى المدرسة السياسية نفسها تقريبًا:
مدرسة الزعيم الشعبوي الذي يبني شرعيته على الخوف، ويقدم نفسه باعتباره المنقذ الوحيد للأمة، ويحول السياسة إلى معركة دائمة بين "نحن" و"هم".

كلاهما استخدم القومية كسلاح انتخابي.

وكلاهما قدم نفسه باعتباره ضحية لمؤامرات النخب والقضاء والإعلام.

وكلاهما وجد في الحروب والأزمات وسيلة لتعزيز موقعه السياسي.

لهذا لم يكن تحالفهما يومًا قائمًا على القيم المشتركة بقدر ما كان قائمًا على المصالح المشتركة.


خلال ولاية ترامب الأولى، حصل نتنياهو على ما لم يحصل عليه أي زعيم إسرائيلي من قبل.

اعترفت واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونُقلت السفارة الأمريكية إليها، واعترفت الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، كما رعت الاتفاقيات الإبراهيمية التي اعتبرها نتنياهو إنجازًا استراتيجيًا غير مسبوق.

في المقابل، وفر نتنياهو لترامب صورة الزعيم الأمريكي الذي يعيد تشكيل الشرق الأوسط ويقف بلا تردد إلى جانب إسرائيل.

كان كل منهما بحاجة إلى الآخر.

الصهيونية المسيحية.. الرابط الأعمق

العلاقة لم تكن شخصية فقط.

وراء ترامب تقف واحدة من أكبر الكتل الانتخابية في الولايات المتحدة: 
الإنجيليون المحافظون أو ما يعرف بالصهيونية المسيحية.

هذه الحركة لا تدعم إسرائيل لأسباب سياسية فحسب، بل لأسباب دينية وعقائدية أيضًا.

يعتقد كثير من أتباعها أن قيام إسرائيل وسيطرتها على القدس جزء من نبوءات توراتية مرتبطة بعودة المسيح ونهاية الزمان.

لهذا السبب أصبحت إسرائيل قضية داخلية أمريكية بقدر ما هي قضية خارجية.

وبالنسبة لترامب، فإن دعم إسرائيل كان وسيلة للحفاظ على ولاء ملايين الناخبين الإنجيليين الذين يمثلون إحدى أهم قواعده الانتخابية.

أما بالنسبة لنتنياهو، فقد أدرك مبكرًا أن الطريق إلى واشنطن لم يعد يمر فقط عبر المؤسسات الأمريكية التقليدية، بل أيضًا عبر الكنائس الإنجيلية المحافظة وقواعد الحزب الجمهوري.

هكذا نشأ تحالف بين اليمين الإسرائيلي والقومية المسيحية الأمريكية، تحالف تجاوز المصالح الاستراتيجية إلى مستوى الرؤية الأيديولوجية المشتركة.

لماذا يتشاجران الآن؟

الإجابة تكمن في حقيقة مجردة:
المصالح لم تعد متطابقة كما كانت.

ترامب يريد تسجيل إنجاز تاريخي يتمثل في التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران وإنهاء واحدة من أخطر الأزمات في الشرق الأوسط.

أما نتنياهو، فيرى أن أي اتفاق مع إيران يمنحها وقتًا ومساحة لإعادة بناء قوتها.

لذلك ينظر الطرفان إلى الملف نفسه من زاويتين مختلفتين.

بالنسبة لترامب، التصعيد الإسرائيلي في لبنان أو أي مواجهة إقليمية واسعة قد يؤدي إلى نسف المفاوضات مع إيران بالكامل.

أما بالنسبة لنتنياهو، فإن الضغط العسكري المستمر هو الوسيلة الوحيدة لمنع إيران من تعزيز نفوذها الإقليمي.

لهذا السبب لم يكن غضب ترامب من لبنان وحده، بل من احتمال أن يؤدي السلوك الإسرائيلي إلى إفشال مشروعه السياسي الأكبر في المنطقة.

الانتخابات تصنع السياسة

هناك عامل آخر لا يقل أهمية.

كلا الرجلين يتحرك وهو ينظر إلى صندوق الاقتراع.

ترامب يدرك أن الناخب الأمريكي سئم الحروب الخارجية الطويلة، وأن أي انزلاق أمريكي إلى مواجهة جديدة في الشرق الأوسط قد يضر بشعبيته.

لذلك يحاول تقديم نفسه باعتباره الرجل الذي يوقف الحروب لا الذي يبدأها.

في المقابل، يواجه نتنياهو ضغوطًا داخلية غير مسبوقة.

المعارضة تتهمه بالفشل الأمني، وخصومه يتهمونه بالتبعية لواشنطن، بينما يضغط عليه اليمين المتشدد لإظهار مزيد من الحزم العسكري.

ومن هنا تبدو المفارقة واضحة:

ترامب يريد التهدئة ليكسب الانتخابات.

ونتنياهو يحتاج إلى التصعيد كي لا يخسرها.

نهاية شهر العسل

ربما تكون “مكالمة الأوغاد” مجرد لحظة غضب عابرة، أو خلاف مفاجئ بين حليفين تاريخيين.

وقطعا ما حدث ليس نهاية التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، بل تصادم بين مرحلتين.

عندما كانت أهداف ترامب ونتنياهو متطابقة، بدا الرجلان وكأنهما يتحدثان بصوت واحد.

وعندما بدأت الحسابات الانتخابية والاستراتيجية تتباعد، ظهرت الخلافات ومعاها الشتائم.

حاليا، ترامب يريد شرق أوسط أكثر هدوءًا يسمح له بلعب دور "رجل الصفقات صانع سلام"، من أجل أولوياته الداخلية ومعاركه الانتخابية.

أما نتنياهو فيواجه واقعًا مختلفًا تمامًا.

فكلما اقتربت الانتخابات أو اشتدت الضغوط الداخلية، ازدادت حاجته إلى خطاب التهديدات والمعارك المفتوحة واستدعاء المخاطر الوجودية التي أتقن توظيفها طوال عقود.

هنا بدأ التصادم.. وكلمة السر "تضارب المصالح"


في واشنطن الطريق إلى صندوق الاقتراع يمر عبر التهدئة، بينما الطريق إلى البقاء السياسي في تل أبيب ما زال يمر عبر التصعيد.

لهذا فإن ما جرى كان مواجهة بين مشروعين شعبويين خرجا من المدرسة نفسها، ثم اكتشفا أن مصالحهما لم تعد تسير في نفس الاتجاه.

وحين تتعارض المصالح، تصبح الشتائم.. أسرع من المجاملات.

طباعة شارك دونالد ترامب البيت الأبيض واشنطن تل أبيب

مقالات مشابهة

  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • في ذكري رحيله.. محطات من حياة العالم الجليل الشيخ محمد الراوي
  • وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد
  • محمد رمضان يحذف رده على تركي آل الشيخ بعد إشادة الأخير بفيلم أسد
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • محمد رمضان يحذف رده على تركي آل الشيخ بعد إشادة الأخير بفيلم "أسد"
  • الشيخ المنشاوي يسبق نادي أرسنال على منصة إكس بعد بث الختمة الجديدة
  • الشيخ المنشاوى يتصدر تريند إكس بعد إعلان إذاعة القرآن الكريم بث المصحف المرتل الجديد
  • السيسي يؤكد محورية التنسيق بين مصر والولايات المتحدة لتحقيق السلم والاستقرار في الشرق الأوسط
  • تركي آل الشيخ يشيد بفيلم "أسد" ومحمد رمضان يرد