تشير معطيات ميدانية وسياسية متطابقة إلى تصاعد غير مسبوق في حركة الشحن البحري بين ميناء صلالة في سلطنة عُمان وميناء الصليف بمحافظة الحديدة الخاضع لسيطرة ميليشيات الحوثي، في خطوة تُعدّ تحوّلاً لافتاً في بنية خطوط الإمداد التي تعتمد عليها الجماعة خلال السنوات الأخيرة. 

هذا التحول يأتي في توقيت حساس يشهد تشديداً حكومياً ورقابياً على المنافذ البرية الشرقية، خصوصاً منفذ شحن والمهرة، بعد ضبط عشرات الشحنات المتجهة نحو الحوثيين، الأمر الذي دفع الجماعة إلى إعادة هندسة خطوط الإمداد عبر البحر وتحت غطاء تجاري ظاهر، لكن مع مؤشرات قوية على طابع عمليات تهريبية منظمة تديرها شبكات مرتبطة بطهران وقيادات حوثية تعمل من داخل الأراضي العُمانية.

غطاء تجاري

مؤخرًا أعلنت شركة "الخوبري وفارس" للشحن والتخليص الجمركي عن تدشين خط شحن بحري جديد ومباشر يربط بين ميناء صلالة في سلطنة عُمان وميناء الصليف بالحديدة، مؤكدة في بلاغ رسمي وصول أول سفينة عبر هذا المسار في 10 نوفمبر 2025م. 

ورغم الطابع التجاري الواضح للخط، فإن مصادر مطلعة تؤكد أن هذه الخطوة تتجاوز البعد اللوجستي التقليدي لتتحول إلى آلية بديلة لنقل البضائع إلى مناطق سيطرة الحوثيين، في ظل تشديد الرقابة الحكومية على المنفذ البري في شحن، الذي بات يخضع خلال الفترة الماضية لسلسلة من الإجراءات التنظيمية الصارمة، شملت التدقيق الجمركي الكامل للكميات المستوردة، ورصد وتتبع مصدر التمويل، وكشف محاولات التلاعب بالفواتير ووثائق الشحن.

وتوضح المصادر أن إنشاء هذا الخط البحري جاء بعد تراكم عشرات حالات الضبط الرسمية لشحنات أسلحة ومخدرات ومواد حساسة كانت تتسلل عبر المنفذ البري تحت مسميات تجارية، وهو ما دفع الجماعة إلى البحث عن طرق بديلة تقلل احتمالات الكشف وتخفف الضغط الأمني والجمركي. 

وترى المصادر أن الانتقال نحو البحر—عبر خط صلالة/الصليف—يمنح الميليشيات مساحة أكبر للمناورة، خصوصاً أن الرقابة البحرية في تلك المنطقة ليست بالصرامة نفسها المطبّقة على المنافذ البرية الشرقية، كما أن طبيعة الشحنات المعبئة داخل حاويات بحرية كبيرة تعزز قدرة الشركات المرتبطة بالحوثيين على تمرير مواد محظورة أو تجهيزات مزدوجة الاستخدام داخل شحنات مدنية، مستفيدة من تعقيدات التفتيش البحري ومرونة التصاريح التجارية.

وتشير المعلومات كذلك إلى أن العديد من الشركات المرتبطة بالحوثيين—والتي كانت تعتمد خلال السنوات الماضية على منفذ شحن—اضطرت إلى الانسحاب التدريجي من ذلك المنفذ بعد إلزام المستوردين باتباع تعليمات اللجنة الوطنية لتمويل الواردات، التي شددت على ضرورة توثيق جميع عمليات الدفع، وإجراء الجمركة الكاملة والدقيقة، ومنع دخول أي مواد لا تحمل بيانات واضحة أو منشأ معلوم. 

ومع تضييق دائرة الرقابة على هذه الشركات، اتجهت إلى فتح خطوط بحرية مباشرة عبر صلالة، مستغلة توسع الأنشطة التجارية في الميناء العُماني لتغطية عمليات نقل متباينة، بعضها—وفق المصادر—يُشتبه بأنه يشمل عمليات تهريب محكمة تُدار بعناية عبر وسطاء وشركات واجهة، بما يسمح بإيصال المواد المطلوبة إلى الجماعة دون المرور بالمنافذ الحكومية التي باتت تعيق تدفق تلك الشحنات.

تأكيدات دولية

تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن بشأن اليمن وثّقت خلال أعوام متتالية تحوّل الأراضي العُمانية إلى محطة رئيسية لعمليات تهريب تقودها شبكات وهمية تديرها شخصيات إيرانية وحوثية مقيمة في مسقط.

يذكر الفريق في تقريره الأخير (أغسطس 2024 – يوليو 2025) أن الحوثيين واصلوا تلقي تجهيزات عسكرية نوعية، بينها صواريخ وطائرات مسيّرة وقذائف مضادة للطائرات وأجهزة اتصالات يصل بعضها عبر الأراضي العُمانية، إضافة إلى محاولات تهريب بحرية زادت من قدرات الجماعة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.

التقرير يؤكد أن بعض هذه الإمدادات يصل عبر مرافق بحرية وبرية في خرق صريح لقراري مجلس الأمن 2216 (2015) الخاص بحظر السلاح على الحوثيين، و 2231 (2015) الخاص بالقيود المتعلقة بنقل الأسلحة الإيرانية بعد الاتفاق النووي.

ورغم القيود الدولية، نجحت إيران في إيجاد مسارات بديلة لإيصال الأسلحة إلى الحوثيين، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية والسياسية لسلطنة عُمان. تقرير استخباراتي فرنسي نشرته صحيفة "أنتلجنس أون لاين" كشف وجود "لوبي إيراني" يعمل بحرية داخل مسقط، مع تحويل محافظة ظفار—المتاخمة للحدود اليمنية—إلى واحدة من أهم منصات تهريب الأسلحة باتجاه اليمن.

ويشير التقرير إلى أن شخصيات عُمانية نافذة، بينها مسؤولون محليون في ظفار، تربطهم علاقات وثيقة بإيران، وأن الجنرال سلطان بن محمد النعماني—وزير مكتب قصر السلطان والمشرف على جهاز أمن الدولة—يعد أحد أبرز الداعمين لمسارات التنسيق مع طهران.

وتتبع الشبكات الطريق البري الممتد عبر المهرة – حضرموت – شبوة – البيضاء – صعدة وصولاً إلى مناطق الحوثيين. وكشف محافظ مأرب الشيخ سلطان العرادة سابقاً عن ضبط ثلاث شاحنات تحمل لوحات عُمانية محملة بأسلحة في طريقها للجماعة، وهي وقائع تتقاطع مع تقرير نشرته صحيفة الوطن السعودية بشأن "أسلحة تمر عبر دولة شقيقة".

وترى "أنتلجنس أون لاين" أن مطار صلالة وبعض الجزر القريبة يستخدمان كـ"أماكن تخزين" للعتاد المتجه للحوثيين، مستفيدة من ضعف سيطرة مسقط الكاملة على هذه المناطق الطرفية.

محطة استخباراتية حوثية داخل عُمان

مصادر استخباراتية يمنية تؤكد أن عناصر من جهاز أمن ومخابرات الحوثيين تنشط منذ سنوات داخل عُمان بهويات مدنية، وأن قيادات حوثية تتنقل عبر الحدود مستخدمة جوازات مزورة صادرة من صنعاء. وبحسب المصادر، أنشأت الجماعة "محطة أمنية" في عدة مدن عُمانية، إضافة إلى مكاتب للملاحة والتجارة سمحت بها السلطات العُمانية ووفرت لها تسهيلات واسعة.

ومنذ عام 2015 تستضيف مسقط وفد الحوثيين المفاوض، إضافة إلى قيادات بارزة بينها عبدالسلام فليتة (المعروف بمحمد عبدالسلام) وعبدالملك العجري، اللذين حصلا على امتيازات وتحركات واسعة داخل السلطنة. وتشكل مسقط مركزاً لاجتماعات قيادات الجماعة مع ممثلين إيرانيين ومع أطراف دولية وإقليمية، كما لعبت دور الوسيط في ملفات الأسرى والصفقات الثنائية.

وتفيد المصادر بأن محطة المخابرات الحوثية في مسقط تشرف على عمليات الدعم اللوجستي وتدفق السلاح والتقنيات العسكرية عبر خطوط التهريب البحرية والبرية، وترتبط بنظام تنسيق مباشر مع أجهزة الأمن الإيرانية، بما في ذلك فيلق القدس وشبكات تمويل تسهّل نقل الأموال والمعدات.

ولا تقتصر الخطوط البرية القادمة من عُمان على عمليات تهريب الأسلحة، بل تشمل أيضاً تهريب خبراء أجانب، ومن خلال هذه المسارات جرى تهريب سفير إيران لدى الحوثيين سابقاً حسن إيرلو قبل إعلان وفاته في ديسمبر 2021.

المصدر: نيوزيمن

كلمات دلالية: عملیات تهریب الع مانیة ع مانیة

إقرأ أيضاً:

إحياء الذاكرة العُمانية وتاريخها

الذاكرة العُمانية قديمة جدا، وقد أثّرت في حضارات وثقافات وشعوب أخرى، وازددتُ قناعةً بذلك بعد لقائي بالكاتب الأستاذ بدر العبري، الذي عاد مؤخرا من رحلته الأخيرة إلى إيران.

أخبرني أنه زار أقصى الجنوب الإيراني، وتحديدًا بندر عباس، وقشم، و«شناص»، وحارة العُمانيين ـ كما تسمّى عند أهل تلك الأرض ـ، وكذلك شاهد مقبرة العُمانيين هناك. وما إن سمعتُ منه حتى استوقفني ما رواه عن وجود قبائل وثقافة عُمانية راسخة في تلك البقعة الجغرافية؛ إذ تحدّث عن طبيعة حضورهم الاجتماعي وتمسّكهم بعاداتهم المتمثّلة في الكرم العُماني وسمته. وأشار إلى أن لهجتهم ما تزال قريبة من لهجة الشمال العُماني، كما ذكر أن طعامهم يماثل تماما ثقافة الطعام العُمانية المعروفة لدينا مثل الخبز العُماني والثريد والسمك المجفف «العوال» والتمر والقهوة القريبة جدا من مذاق القهوة العُمانية.

أثار هذا في نفسي أسئلةً كثيرة ودهشةً عميقة عن مدى امتداد الذاكرة العُمانية وعمقها؛ حيثُ إنها لم تكن محصورةً في داخل الإقليم العُماني الحالي أو في السواحل القريبة التي وصلها العمانيون، ولا حتى في الامتداد الإفريقي المعروف زمن الإمبراطورية العُمانية التي وصلت إلى شرق أفريقيا؛ ولكنها تتجاوز ذلك إلى جغرافيا أخرى ـ بعضنا لم يكن يعلم بها ـ وإلى حضور ثقافي واجتماعي ظلت آثاره حية على الرغم من كل التحولات السياسية والجغرافية التي شهدتها المنطقة.

هذا ما أسميه «الذاكرة العُمانية العميقة»، فأراها ذاكرةً لا تغادر الإنسانَ المرتبط بالثقافة العُمانية سواء بشكل مباشر أو عبر الإرث الحضاري المتواتر انتقاله جيلا بعد جيل، مهما ابتعدت به الجغرافيا أو تبدّلت الظروف؛ إذ يبقى متعلقا بها ومعتزا بمكوناتها، ولا يمكنني الجزم بأن جميع أولئك البشر في تلك البقاع الجغرافية، سواء في الساحل الأفريقي أو الساحل الفارسي، ينحدرون من أصول عُمانية صميمة، ولكن ثّمة من تعود أصولهم إلى قبائل عُمانية مهاجرة ـ منذ قرون عديدة، خصوصا إبان الوجود العُماني في تلك الأقاليم ـ ومنهم من غير العُمانيين اعتنقوا الثقافة العُمانية العربية عن رغبة جادة خالصة نتيجةَ التفوّق الثقافي العُماني وهيمنته بجانب النفوذ السياسي أو التجاري العُماني المتفوّق على أقرانه ومنافسيه، ولهذا من السهل أن نجد كثيرا منهم ما زال يحمل هذا الانتماء الثقافي العُماني ويعتزّ به، ولعلّ ذلك يُشبه ما نراه أيضا في إندونيسيا وغيرها من المناطق الآسيوية؛ إذ ينعكس الحضور العُماني الكبير عبر التاريخ، سواء بالتجارة أو بالتبادل الحضاري وما شابه.

لا أريد أن أستبق الأحداث وأن أسرد القصة كاملةً كما جاء بها الأستاذ بدر العبري من رحلته الأخيرة؛ فالأستاذ بدر العبري، كلما عاد من سفر، أتشوّقُ للجلوس معه والحديث عن رحلاته، وما يشاهده من حضارات إنسانية وثقافات مختلفة.

أحبُ أن أستمع إلى ما يحدث في الجانب الآخر من العالم؛ ربما لأنني حين أسافر لا أبحث كثيرا في هذه التفاصيل الحضارية، ولا أجد وقتاً للتوغّل في الشق الإنساني كما يفعل هو، إذ يركّز على هذا الجانب العميق والمهم من التجربة البشرية.

لهذا، عندما عاد هذه المرة من إيران، أبلغني أنه عاد للتوّ، وأنه يرغب في لقائي؛ ففرحت بذلك والتقيت به، وسرد لي معلومات أدهشتني بجمال تفاصيلها ومظاهرها العُمانية، ومع ذلك لا أريد أن أكسر فرحة الاكتشاف، ولا عنصر التشويق الذي لعلّ الأستاذ بدر، سيقوم يوما ما بسرده بصورة أفضل وأكثر تفصيلاً؛ فيروي عطشَ القارئ لمعرفة هذا الجانب من الذاكرة العُمانية والإرث العُماني الموجود في الضفة الفارسية الإيرانية كما سبق أن سرد لنا عددٌ كبير من الباحثين عن الذاكرة العُمانية الباقية في الشرق الإفريقي.

ولعلّنا نحاول أيضا أن نركّز على ما يمكن أن نسمّيه بـ«الحضور العُماني في العالم»، ذلك الحضور الذي ينبغي علينا السعي لاكتشافه وإدراكه، ومعرفة مكتسباته، ثم نقلها إلى الجيل الحالي والقادم لتكوين قوة معرفية وثقافية تُبرز الوجود العُماني في العالم، ونحن على مشارف آخر يومٍ من أيام نوفمبر المجيد، أيام وطنية باقية في ذاكرة كلّ عُماني، تُؤسِّس لنا فكرة الحضارة العُمانية والقوة العُمانية والإمبراطورية العُمانية؛ فوجدتُها فرصةً لأن أسرد شيئا من هذا الوجود العُماني الخارجي الذي لا يمكن أن نَحصره داخل حدود الإقليم العُماني الحالي وحسب؛ فالوجود العُماني، وأثره وتأثيره، حاضرٌ بكلّ تأكيد في مناطق أخرى كما أسلفنا آنفا؛ فمن يَذهب ـ مثلا ـ إلى زنجبار، أو إلى شرق أفريقيا عموما، سيجد ذلك الوجود إلى يومنا هذا في الملابس والطعام، وسيجده في الكلمات المنطوقة داخل اللغة السواحلية التي تزاوجت بقوة مع العربية، ولا سيما اللهجة العُمانية، وسيجده أيضا في ثقافات الأفراح وثقافات الأتراح، وفي كلّ مناسبة لدى هؤلاء الناس.

لستُ في الحقيقة متخصصا في التاريخ أو في العمق الأنثروبولوجي الذي يُمكّنني من إدراك تفاصيل سرّ هذه الخلطة، وسرّ هذا التكوين العُماني الذي استطاع اختراق تلك المنظومة البشرية هناك؛ غير أنه بكل تأكيد يدل على ثبات ثقافي عُماني أصيل، وينمُّ عن خُلق راسخ، وعن قوة سياسية استطاعت أن تَفرض حضورها وتمنحه بعدا ممتدا؛ فيمكن لمثل هذه المظاهر للذاكرة العُمانية أن تذكّرنا بما قام به السلاطين الذين حكموا الإمبراطورية العُمانية الممتدة من بندر عباس إلى شرق أفريقيا، في تنزانيا وزنجبار وما حولهما، وعلى رأسها الحقبة العُمانية الذهبية في عهد السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي؛ لنجد أن التأثير الإمبراطوري العُماني لم يستطع أن يختفي رغم كل عوامل الدهر وظروفه، ولم يستطع أحدٌ حتى الآن أن يمحوه من الذاكرة الإنسانية. هكذا نرى اليوم هذا الأثر قائما بيننا، وعلينا أن ننطلق بقوة في ترسيخ الحضور العُماني وتأكيده، وأن نُوثّق هذا التاريخ، ونجعله جزءا من مناهجنا، وندرسه بعناية؛ فالتجربة التي جاء بها الأستاذ بدر وغيره ممن لم أسمع منهم أو ألتقِ بهم، وما أكّده لنا عن حضور عُماني جميل وقوي في القطر الفارسي، ينبغي أن يُدرَسَ بعناية من قبل الباحثين والمهتمين بالتاريخ العُماني، وأن تُبنى لأجله علاقاتٌ كثيرة تُعيد وصل ما انقطع، وتُعرّف أجيالنا بجذور هذا الامتداد العُماني العريق.

د. معمر بن علي التوبي /  أكاديمي وباحث عُماني

مقالات مشابهة

  • ماذا يجري داخل الجماعة الإسلامية؟
  • اعتراف بارز يكشف حجم حضور «حزب الله» داخل جماعة الحوثي
  • تصنيف «الإخوان» منظمة إرهابية يفاقم ارتباك الجماعة بالسودان
  • إحياء الذاكرة العُمانية وتاريخها
  • لجنة أممية: أدلة على تعذيب منظم وواسع تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين
  • ترامب يعيد فتح ملف إدراج جماعة الإخوان على قوائم الإرهاب داخل الولايات المتحدة
  • تصعيد إماراتي جديد في شبوة بعد مؤشرات خسارة حضرموت
  • مهام سرّية.. تقرير يكشف دور مجنّدات إسرائيليات في عمليات استخبارية داخل سوريا
  • ارتفاع مؤشرات أسواق الأسهم المحلية بدعم من عمليات شراء أسهم البنوك والعقارات