بات الانقلاب العسكري المثير للجدل بغينيا بيساو، والذي أطاح بالرئيس المنتهية ولايته عمر سيسكو إمبالو، أبرز الملفات التي تشغل الرأي العام الأفريقي منذ أيام، نظرا لما طبعه من غموض وتناقض.
ووقع الانقلاب العسكري في وقت كان البيساو غينيون ينتظرون الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت يوم 26 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري.



وعمّقت تصريحات عدد من المسؤولين ومنظمات المجتمع المدني الشكوك حول دوافع الانقلاب الحقيقية، لكن هذا الجدل تصاعد بعد ما وصف رئيس الوزراء السنغالي عثمان سونغو، ما حصل بـ"الخدعة".

فقد اعتبر سونغو أن الانقلاب العسكري الذي أطاح بسيسوكو إمبالو، مجرد "خدعة لوقف العملية الانتخابية وذلك في الوقت الذي كانت فيه نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية على وشك الإعلان".
وشدد سونغو على ضرورة "مواصلة اللجنة الانتخابية عملها، لضمان حصول الفائز على حقه" خلال الاقتراع كما دعا إلى "الإفراج عن المعتقلين، وخاصة دومينغوس سيمويس بيريرا، الذي لم يكن حتى مترشحا".

من جهتها عبرت غانا عن غضبها جراء الانقلاب وأعربت عن "قلقها العميق إزاء هذه المحاولة لقلب إرادة الشعب".


كما نددت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) بالانقلاب وقالت إنه يشكل "انتهاكا خطيرا للنظام الدستوري" و"تهديدا مباشرا لاستقرار البلاد والمنطقة برمتها" وهو ذات الموقف الذي أعلن عنه الاتحاد الأفريقي.

اعتقال للتمويه
من جهته وصف رئيس وزراء غينيا بيساو الأسبق أريستيدس غوميز الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس منتهي الولاية عمرو سيسوكو إمبالو بـ"المدبر". واعتبر في تصريحات صحفية أن ما حصل "مسرحية تهدف إلى منع إعلان نتائج الانتخابات"، مضيفا أن اعتقال إمبالو كان الهدف منه جعل "الانقلاب يبدو وكأنه حقيقي".

وأوضح أن العسكريين الذين اعتقلوا إمبالو هم من مؤيديه، مشيرا إلى أن ما حصل هو خطة دبرها سيسوكو إمبالو لتصفية العملية الانتخابية.

بدورها اعتبرت الجبهة الشعبية وهي منظمة مجتمع مدني مقربة من المعارضة، أن ما حصل هو "انقلاب صوري" هدفه "منع نشر نتائج الانتخابات".

مبررات العسكر
الجنرال البيساو غيني دينيس نكانها قائد القوة العسكرية الملحقة بالرئاسة، أعلن أن دافع الإطاحة بنظام الرئيس عمرو سيسوكو إمبالو هو "ضمان الأمن على المستوى الوطني وأيضا استعادة النظام".
وتحدث الجنرال نكانها في بيان، عن اكتشاف "المخابرات العامة خطة لزعزعة استقرار البلاد بمشاركة تجار مخدرات محليين"، مؤكدا "دخول أسلحة إلى البلاد بهدف تغيير النظام الدستوري".

وأدى هورتا نتام اليمين القانونية رئيسا انتقاليا لغينيا بيساو لمدة سنة، ورئيسا كذلك للقيادة العسكرية العليا في البلاد، فيما أعلن في بيان عن إعادة فتح حدود البلاد، ورفع حظر التجول وسمح للسكان بالخروج.

بينما ما تزال وسائل الإعلام في البلاد متوقفة باستثناء التلفزيون والإذاعة الوطنيين، اللذين يواصلان بث معلومات عن المجموعة العسكرية التي استولت على السلطة.


استمرار الغموض
وفي استمرار لحالة الغموض التي تحيط بالانقلاب، وصل الرئيس المطاح به عمرو سيسوكو إمبالو إلى السنغال، حيث أعلنت الخارجية السنغالية أن حكومة البلاد وجهت طائرة إلى بيساو بهدف إجلاء سيسوكو، مضيفة أن وساطتها مكنت كذلك من الإفراج عن بعض رفاق إمبالو، و"جميع الفاعلين السياسيين الآخرين المعتقلين.

لكن وفي تطور مفاجئ، أعلن مساء الجمعة عن وصول عمر سيسوكو إمبالو إلى برازافيل، عاصمة جمهورية الكونغو، على متن طائرة خاصة.

ولم تعرف بعد الأسباب الحقيقية لمغادرة سيسوكو السنغال، لكن متابعين للشأن الأفريقي يرجحون أن سببها التصريحات القوية لرئيس الوزراء السنغالي التي اتهم ضمنيا سيسوكو إمبالو بأنه من دبر الانقلاب في "خدعة" لمنع وصول المعارضة للسلطة بعد ما تبين أن نتائج الانتخابات قد لا تكون لصالحه.

حراك لاستعادة النظام
وبدأ الأفارقة التحرك في إطار وساطات بهدف استعادة النظام الدستوري في غينيا بيساو، حيث أعلنت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) أنها قررت إرسال "بعثة وساطة رفيعة المستوى إلى غينيا بيساو للتواصل مع قادة الانقلاب بهدف ضمان استعادة النظام الدستوري بالكامل".

وتتكون هذه اللجنة المرتقب أن تتوجه  إلى بيساو، من رؤساء توغو فور نياسينغبي، والرأس الأخضر خوسي ماريا بيريرا نيفيس، والسنغال بصيرو ديوماي افاي، إضافة إلى رئيس مفوضية (إيكواس) الغامبي عمر توراي.

وأعلنت المجموعة تعليق عضوية غينيا بيساو في جميع هيئات صنع القرار بالمنظمة، وأعربت عن قلقها العميق إزاء التطورات في البلد.

وطالبت (إيكواس) بـ"احترام إرادة الشعب والسماح للجنة الوطنية للانتخابات بنشر نتائج الاقتراع دون تأخير" وحثت الجيش على العودة إلى ثكناته، مشيرة إلى أنها ستظل يقظة إزاء "تطورات الوضع، وتحتفظ بالحق في تطبيق جميع الخيارات المنصوص عليها في بروتوكولات المجموعة، بما في ذلك فرض عقوبات على أي كيان يعتبر مسؤولا عن تعطيل العملية الانتخابية والديمقراطية في غينيا بيساو".


هواجس الإيكواس
ويرى الخبير المختص في الشؤون الأفريقية، محفوظ ولد السالك أن العسكر في غينيا بيساو ماضون في بسط سيطرتهم على السلطة، بغض النظر عما إذا كانوا قد استولوا عليها بالقوة، أو بالتفاهم مع الرئيس السابق عمرو سيسوكو إمبالو.

وأضاف في تصريح لـ"عربي21": "العسكر عينوا رئيسا انتقاليا منهم، وشكلوا حكومة غالبيتها من المدنيين، وسيواصلون تنفيذ أجندتهم في الحكم".

واعتبر أنه من الصعب عادة الإطاحة بعسكريين في السلطة، إلا إذا حصل تدخل عسكري من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وهو ما رأى أنه غير مطروح على الطاولة، "بل إن المنظمة منذ فشلت في إفشال انقلابات مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وغينيا كوناكري، لم تعد تشكل عائقا أمام الانقلابات".

واعتبر ولد السالك أن نفس الأمر ينطبق على الاتحاد الإفريقي "ففشله في إفشال الانقلابات التسعة التي شهدتها القارة منذ 2020، يجعل أقصى ما يمكن أن يقوم به هو تعليق عضوية غينيا بيساو، وقد فعل ذلك كما هو حال المنظمة غرب الإفريقية أيضا".

وأكد أن هاجس المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "إيكواس" حاليا هو المحافظة على عدم انسحاب دولة جديدة منها، وهذا يجعلها في موقف ضعف، لا يمكنها فيه تغيير المعادلة.

مناورة للإفلات من العقوبات
ورأى ولد السالك في حديثه لـ"عربي21" أن أقصى ما يمكن أن تقوم به "إيكواس" أو أي وسيط إقليمي أو دولي آخر في أزمة غينيا بيساو، هو الضغط من أجل ضمان أن يفي العسكريون بتعهدهم المتمثل في تولي السلطة لفترة انتقالية من سنة واحدة، والعمل على إجراء انتخابات رئاسية جديدة بعد هذه الفترة.

ولفت إلى أن تجربة الانقلابات الأخيرة "تخبرنا بأن الفترة الانتقالية التي يتم الإعلان عنها عادة من طرف الانقلابيين هي مناورة للإفلات من الضغوط والعقوبات، وبعد ذلك يتم تمديد الفترة الانتقالية كما حصل في مالي وبوركينا فاسو، أو تنظيم انتخابات رئاسية تضمن بقاء العسكر بالسلطة عبر البوابة الانتخابية على غرار ما حصل في الغابون وتشاد".

وخلص إلى القول: "الوساطة لن تجدي في استعادة النظام الدستوري، خصوصا وأن الرئيس السابق قد غادر إلى السنغال ومنها إلى الكونغو برازافيل، وهو ما يجعل مساحة التفاوض محدودة جدا".

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية الانتخابات الخدعة غينيا بيساو الإنقلاب الانتخابات خدعة غينيا بيساو المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المجموعة الاقتصادیة لدول غرب الانقلاب العسکری نتائج الانتخابات النظام الدستوری استعادة النظام غینیا بیساو ما حصل

إقرأ أيضاً:

غينيا بيساو.. الجيش يسيطر على السلطة ويعين رئيساً انتقالياً

سيطر الجيش في غينيا بيساو على الحكم وأطاح بالقيادة المدنية، معلناً تعيين اللواء هورتا إنتا رئيساً انتقالياً للبلاد، وذلك بعد يوم واحد من استيلاء الجنود على السلطة، وقبل إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت نهاية الأسبوع الماضي.

وأفادت مصادر رسمية بأن الرئيس المخلوع عمر سيسوكو إمبالو غادر البلاد إلى السنغال على متن طائرة خاصة، بعد تدخل من التكتل الإقليمي لغرب إفريقيا، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية السنغالية.

وأصدرت ما تسمى بـ”القيادة العسكرية العليا لاستعادة النظام” بياناً تلفزيونياً أعلنت فيه استيلاءها على السلطة من إمبالو، واعتبرت أن الخطوة جاءت رداً على خطة لزعزعة الاستقرار تشارك فيها سياسيون وتجار مخدرات، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

أول ظهور للرئيس الانتقالي

وظهر اللواء إنتا مرتدياً الزي العسكري خلال مراسم بثها التلفزيون الرسمي، وأعلن أن الانقلاب جاء لإحباط مؤامرة من مهربي المخدرات تهدف إلى “السيطرة على الديمقراطية الغينية”، مشيراً إلى أن المرحلة الانتقالية ستستمر لمدة عام واحد. كما قام بتعيين اللواء توماس جاسي رئيساً لأركان الجيش.

وجاء الاستيلاء على السلطة قبل يوم من الموعد المقرر لإعلان النتائج الأولية للسباق الرئاسي بين إمبالو والمرشح الجديد فرناندو دياس البالغ من العمر 47 عاماً. وقبل الانقلاب، دوت أصوات إطلاق النار في العاصمة بيساو لمدة ساعة تقريباً قرب مقر اللجنة الانتخابية والقصر الرئاسي، وأعلن إمبالو لاحقاً أنه تمت الإطاحة به.

وأدان رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، ما حدث ودعا إلى الإفراج عن إمبالو وجميع المسؤولين المحتجزين. كما أكد الاتحاد الأوروبي ضرورة استعادة النظام الدستوري والسماح باستكمال عملية فرز الأصوات.

وأفاد مصدر في السفارة الروسية بأن العاصمة بيساو تخضع حالياً لسيطرة تامة من قبل العسكريين، مع إغلاق الطرق الرئيسية وفرض نقاط تفتيش، وتوقف العمل في المكاتب والبنوك والأسواق والمتاجر، كما تم حظر مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تواصل السفارة الروسية مراقبة الوضع وحماية موظفيها ومصالح المواطنين الروس.

وتعد غينيا بيساو دولة معرضة للانقلابات ومركزاً لتهريب الكوكايين، وتقع بين السنغال وغينيا وتشكل نقطة عبور رئيسية للمخدرات المتجهة من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا.

ومنذ استقلالها عن البرتغال في 1974، شهدت البلاد ما لا يقل عن تسعة انقلابات ومحاولات انقلاب، آخرها في عام 2020 حين تولى إمبالو الحكم.

مقالات مشابهة

  • انقلابات عسكرية في أفريقيا حوّلت دولها إلى حمامات دم.. تعرف عليها
  • رئيس غينيا بيساو المخلوع يصل إلى جمهورية الكونغو
  • انقلاب الـ24 ساعة العسكري في غينيا بيساو.. هزة سياسية تعطل مشروع الغاز الإقليمي
  • المجلس العسكري في غينيا بيساو يعيّن حليف الرئيس المعزول على رأس الحكومة
  • الاتحاد الأفريقي يعلق عضوية غينيا بيساو بعد الانقلاب
  • عودة تدريجية لمظاهر الحياة في غينيا بيساو بعد الانقلاب
  • غينيا بيساو.. الجيش يسيطر على السلطة ويعين رئيساً انتقالياً
  • “إيكواس” تعلن تعليق عضوية غينيا بيساو بعد الانقلاب
  • غينيا بيساو.. الجيش ينصب هورتا نتام رئيسًا انتقاليا غداة الانقلاب