نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية.. حدود جديدة لانتهاك حقوق الطبع والنشر؟
تاريخ النشر: 8th, January 2024 GMT
في اكتشاف مذهل، أثبت باحثا الذكاء الاصطناعي غاري ماركوس وريد ساوثين أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية تمتلك القدرة على إعادة إنتاج أحرف مسجلة كعلامات تجارية، مما يثير مخاوف مثيرة للقلق بشأن انتهاك حقوق الطبع والنشر. أجرى الثنائي تحقيقًا لمدة أسبوعين في هذه المسألة، ونشروا نتائجهم الشاملة في IEEE Spectrum.
نظرة فاحصة على Midjourney وDall-E 3
تم اختبار نموذجين مرئيين للذكاء الاصطناعي، وهما Midjourney وDall-E 3. ووجد الباحثون أن كلاهما يمكن أن يولدا تشابهات شبه متطابقة لشخصيات من وسائل الإعلام الشعبية مع مطالبات نصية بسيطة وغير مباشرة بشكل مدهش. على سبيل المثال، أدت المطالبات الغامضة مثل "لعبة فيديو إيطالية" و"إسفنجة متحركة" إلى ظهور صور يمكن التعرف عليها لماريو من نينتندو وسبونج بوب سكوير بانتس، على التوالي.
نماذج الذكاء الاصطناعي ومفارقة الانتحال
كشف التحقيق عن مئات الحالات التي أنتجت فيها نماذج الذكاء الاصطناعي شخصيات مألوفة من أفلام وألعاب مختلفة. تسلط هذه الدراسة الضوء على المخاوف بشأن قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية على السرقة الأدبية. تذكرنا هذه القضية بالدعوى القضائية التي رفعتها صحيفة نيويورك تايمز ضد OpenAI بسبب الاستنساخ المزعوم لمحتواها بواسطة GPT-4.
ومما يزيد الأمور تعقيدًا طبيعة "الصندوق الأسود" لنماذج الذكاء الاصطناعي، حيث لا يكون الرابط بين المدخلات والمخرجات شفافًا للمستخدمين. هذا التعتيم يجعل من الصعب التنبؤ بالسرقة الفكرية أو تحديدها، مما يزيد من احتمالية الانتهاكات.
معالجة معضلة حقوق الطبع والنشر
في الوضع الحالي، يبدو أن المسؤولية تقع على عاتق الفنانين أو أصحاب الحقوق لمنع مثل هذه الانتهاكات. ينتقد المؤلفون عمليات إلغاء الاشتراك المرهقة التي توفرها منصات الذكاء الاصطناعي مثل Dall-E 3. ويقترحون حلولاً مثل إزالة الأعمال المحمية بحقوق الطبع والنشر من بيانات التدريب، أو تصفية الاستعلامات الإشكالية، أو إدراج المصادر المستخدمة في توليد الصور. ومع ذلك، لم يكن هناك أي تعليق من Midjourney أو OpenAI حول هذه المسألة.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: نماذج الذکاء الاصطناعی
إقرأ أيضاً:
الكادحون الجدد في مزارع الذكاء الاصطناعي
هل يساعدك الذكاء الاصطناعي على إنجاز مهامك في العمل؟ إذا كانت إجابتك نعم، فهذا يعني أن مديرك سيتوقعُ منك ما هو أكثر من اليوم فصاعدًا، أكثر مما كنت تقوم به في الأيام الخوالي يا عزيزي الكادح. مع الأسف، إنجازك السريع للتكليفات بمساعدة تشات جي بي تي لن يمنحك الرخصة للعودة إلى البيت قبل نهاية الدوام الرسمي، بل سيغري الشركة بزيادة كم التكليفات الملقاة على عاتقك، لم لا وقد أصبحت تنجزها في وقت أقل، بل وتتباهى بذلك؟! وربما سترسلك إدارة الشركة إلى دورات وورش تدريبية كي تتعلم أشغالًا جديدة لم تكن في يوم من الأيام ضمن المهام التقليدية لتعريفك الوظيفي. سيتسعُ نطاق تعريفك الوظيفي ليشمل وظائف أخرى مع تغير المعنى التقليدي للوظائف في كل القطاعات. كل ذلك لأنك أصبحت إنسانًا مُطوَرًا بنظر أرباب العمل، إنسانًا «أذكى» مما كنت عليه، ولذلك صار عليك أن تنتج أكثر مما كنت تنتجه خلال ساعات العمل المنصوص عليها في العقد.
تذكَّر، هناك من يربح أكثر لأنك تستخدم الذكاء الاصطناعي، عزيزي الكادح. أنت منذ الآن إنسان مُلحق بأدوات مساعدة، إنسان معدَّل بالآلة لصالح هذه الخدمة. سيرتفع من معدل إنتاجيتك الفردية خلال ساعات العمل بما يؤدي لرفع معدل إنتاجية الشركة في المحصلة، لكنك لن تعود إلى البيت قبل الخامسة مساءً في الغالب، يؤسفني تعكير المسرات.
باعتمادك واعتمادهم على مساعدة الذكاء الاصطناعي، والذي بات مسألة منتهيةً لا مفرَّ منها، يُقدم الكادحون الجدد حول العالم أدلة يومية من واقع العمل على أنهم أرقام زائدة يمكن الاستغناء عنها ما دام الذكاء الاصطناعي يعمل بهذا القدر من السرعة والكفاءة. ما الذي يمنع ذلك ما دام المنطقُ الرأسمالي الذي تعمل به الشركات يرى الذكاء الاصطناعي أكثر طاعة ومطواعية بخلاف البشر، فإنهم مماطلون وعنيدون، ومجبولون على حب السجال دائمًا حول كل صغيرة وكبيرة، كما أنهم يبدون استعدادًا فطريًا للمقاومة، وهذا أكثر ما يرهق العقلية السلطوية التي تُدار بها المؤسسات.
الأدلة تتزايد كل يوم على الطريقة التي يعمق بها الذكاء الاصطناعي غياب العدالة والمساواة في بيئات العمل. ننسى أحيانًا ونحن نمدح دوره في مساعدتنا على إنجاز مهام لا نتقنها، أن هناك شخصًا سهر وكابد لسنوات من أجل تعلم تلك المهارات اللازمة التي لا نملكها. بهذا المعنى فإن الذكاء الاصطناعي يضع المؤهل وغير المؤهل متساويين على خط السباق، ويعزز من إمكانية نجاح المواهب المزيفة على حساب المواهب الحقيقية المصقولة بتعب الزمن. نرى ذلك عيانًا ونعايشه في معسكرات الإنتاج الرأسمالي، المريضة من قبل بحمى التنافسية غير العادلة، وقد أصبحت اليوم بيئات أكثر عدوانية لا فرصَ فيها إلا للانتهازيين الشطَّار الذين يُفضلون الطرق المختصرة على مشقة التعليم المضني والممل.
في سياق هذا التحول المخيف تدخل الرأسمالية عصرها الجديد مع ثورة الذكاء الاصطناعي، حيث تغدو الشركات الكبرى نموذجًا للدكتاتوريات العصرية في صورة تتجاوز وتقهر حتى دكتاتورية الدولة التقليدية. لا تتوانى هذه الدكتاتوريات الرأسمالية عن تطبيق المقولة الاستعمارية المجرَّبة «فرّق تسد»، وذلك عبر إحلال الذكاء الاصطناعي محل العامل البشري، أو من خلال تسليطه رقيبًا عتيدًا على سلوك الموظفين، فيتتبع بياناتهم الخاصة ويراقب ويحلل طبيعة التواصل فيما بينهم كي يمنع أي حالة من التكتل أو الفعل الجماعي المقاوم. ففي بيئات الإنتاج المراقبة بالحسَّاسات والكاميرات الذكية يُطور الذكاء الاصطناعي آليات الرقابة على السلوك والأجساد، والتي بلغت تطبيقاتها في كبريات الشركات العالمية إلى حد تثبيت أنظمة لمراقبة الوقت خارج المهمة (Time off task) فأي شرود أو سهو عن المهمة قد يُعرض الموظف لعقوبة الخصم.
بات واضحًا أن التاريخ ينساق لصدامٍ حتمي بين الإنسان ووحش الآلة. فهل يُنذر هذا التحول بثورة عمَّالية على استبداد الذكاء الاصطناعي يمكن أن نشهدها في المستقبل؟ إعجاب الأفراد اللاواعي بمساهمة الذكاء الاصطناعي في تسهيل وتسريع أنشطتهم الوظيفية يشي بإذعانٍ متمادٍ، ويجعل من التنبؤ بثورة عمَّالية على هذا الاستبداد فرضية مكبرة. ولكن هل يمكن التفكير بأساليب مقاومة بطيئة إلى ذلك الحين؟ في بيئة سلطوية مطلقة تقوم على تفكيك العلاقات وبتر الصلات الحميمة، وعلى تفتيت الجماعة البشرية إلى أفراد معزولين ومراقبين كل على حدة، لا أرى سوى «المماطلة» خيارًا أخيرًا للمقاومة الفردية بالنسبة للكادحين الجدد.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني