د. عبدالله باحجاج

 

ترتفع حساسية الجغرافيا الخليجية السياسية إلى مستوى يجعل كل ما يحدث داخل أي عاصمة منها له ارتدادات على العواصم الأخرى، خاصة الآن، وتحديداً على صعيد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات؛ فحساسيتها عالية جدًا وعابرة سريعًا بفضل التكنولوجيا الحديثة والمتطورة، وعلى خلفية طبيعة التداعيات المُتباينة للإصلاحات المالية والاقتصادية الجذرية والتحولات الثقافية والفكرية في الدول الست.

فكُل دولة أصبحت تعاني من المشاكل البنيوية في منظومة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ما يجعلها بؤرًا لتوترات تلقائية أو قد تُستغل من خارج الخليج أو داخله لأجندات جيوسياسية أو أيديولوجية. ولا يبدو أن هذا الملف يحظى بأي اهتمام سياسي خليجي جماعي أو ثنائي أو على صعيد أي دولة، وأي دولة تُريد أن تؤثر على جارتها أو محيطها فعليها أن تُعظِّم منظومة حقوق مواطنيها الاجتماعية والاقتصادية، فهذا الملف قد أصبح أكثر حساسية الآن.

وخطورة الحساسية السياسية على صعيد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية مُقلقة، ولا ينبغي الاستهانة بها؛ لأنه ستكون لها انعكاسات سلبية على الاستقرار الاجتماعي، ولأنها منطقة ولاء وانتماء، ووجود كياني؛ قديمًا وحديثًا ومستقبلًا، وهذا شأن كل دولة خليجية، ذلك أن خيارات الدول الست المحلية ليست داخلية خالصة. وهنا لا نذهب إلى دعوة التنسيق في السياسات الداخلية؛ فهذا من المُستبعَد؛ إذ لم يكن قديمًا مُمكِنًا في قضايا مصيرية، فهل يكون الآن في ظل الشعور بالاستقواء الوهمي المُتجدِّد؟

نستدلُ على ذلك بخيار التنافس الاقتصادي عوضًا عن التكامل؛ مما أدخل الدول الست في تنافسية وجودية شرعنتها رؤاها الاقتصادية بعيدة المدى التي صيغت بعيدة كل البعد عن التنسيق.

وهذا يعني أن الفكر الاستراتيجي لكل دولة خليجية في انعزالية عن الذات الجماعية المشتركة، ويُكرِّسُه الآن على الصعيد العسكري بتحالفات تريليونية مع حلفاء تاريخهم الحديث غير موثوق به أصلًا، والخطأ الاستراتيجي الجديد الذي يقدمون عليه الآن، يتمثل في المبالغة في الفاتورة العسكرية على حساب الإنفاق الاجتماعي؛ أي البُعد الاجتماعي الذي أصبحت تستهدفه خطط إصلاحية مالية واقتصادية وثقافية وفكرية بصورة جذرية وبسرعة لافتة.

وهنا التساؤل: هل القوة الخشنة- مهما تم تحديثها وعصرنتها- ستضمن الاستقرار الداخلي للدول؟ ربما علينا أن نستدعي تجربة الاختراقات الإيرانية قبل العدوان الصهيوني الأمريكي على طهران؟

وهنا ينبغي على كل دولة خليجية لديها وعي مرتفع بتأثير حساسية الجغرافيا الخليجية السياسية على داخلها، أن تُعمِل فكرها في ضمانة المستويات المعقولة لحقوق مجتمعاتها الاقتصادية والاجتماعية، بعد أن تماهت مع محيطها الخليجي في فرض الضرائب وزيادة الرسوم وتخفيض الدعم بصورة تدريجية؛ إذ إنَّ أمنها واستقرارها قد أصبح حساسًا، بحيث لا يتسع لأخطاء داخلية جديدة، ولن يتحمَّل من محيطها الجيوسياسي أن يستفرد بتأمين حقوق اجتماعية واقتصادية لمواطنيه، بينما هو يظل مُتحمِّلًا آلامه وأوجاعه المعيشية وحيدًا؛ فالمقارنات ستضرب خيامها على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى جيل "زد"، وسترفع حجم المطالب المجتمعية بحيث لن تُعد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وحدها كافية؛ حيث ستطال الحقوق السياسية بضغوط نخب فكرية داخلية أو خارجية إقليمية ودولية، ومعها ستصبح مُهيأة لدخول الشياطين الجُدُد إلى أعماقها بعد الحرب على غزة.

لن تكون الانعكاسات داخل أي دولة حصريًا عليها؛ بل على المنطقة كلها؛ فالمنطقة الخليجية بيئةٌ سياسيةٌ شديدةُ الحساسية، وهي منظومة مصالح متداخلة للدول الست، وشبكة أمنية واقتصادية واجتماعية لم يعد فصلها مُمكِنًا؛ بل من المستحيلات نظرًا للحدود المتجاورة والمتلاصقة والديموغرافيا التي تتوزع بين دولها، وتشابك البنى السياسية والاقتصادية، وترابط الأسواق والأيدي العاملة الوافدة والموارد، وتأثير الرأي العام الخليجي المتداخل.. إلخ.

ومن الواضح أنَّ دول الخليج العربية من لم تستفد من تجربتها التاريخية في التنافس الاقتصادي عوضًا عن التكامل، وهي تدخله الآن في مجال تحديث قوتها الخشنة متزامنة مع إصلاحات بنيوية عميقة في الاقتصاد والمجتمع دون حساب للبُعد الاجتماعي، ما عدا القلة منها التي أصبحت تُعلن عن حقوق اجتماعية واقتصادية مثالية، كعلاوات تشجيعية ورفع المرتبات وإلغاء الديون ومنح خدمات مجانية وخفض أسعار أخرى، وهذه الدول هي التي ستقود الحساسية السياسية، وقد تفجرها في المنطقة في مجال الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وهي ستستفرد بميزة التأثير على المسير الخليجي في عاجله.

هذه الحساسية ستُحرِّك المقارنات المُنتِجة للتوترات، وإذا ما كان وراء هذه الدول سياسة مخطط لها، فإنِّها ستنجح حتمًا في تنافسيتها مع الدول الأخرى التي تؤسس قوتها الخشنة والمالية على حساب بُعدها الاجتماعي؛ لأنَّ الاستثمار في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات- كما يقول بعض الخبراء- خط دفاع قوي ضد التداعيات السياسية، والعكس صحيح، وتواجه دول المنطقة تحديات مشتركة كبطالة الشباب، وفجوة المهارات بين التعليم والسوق، وهيمنة العمالة الوافدة على القطاع الخاص، وارتفاع كلفة المعيشة وتآكل القوة الشرائية، وتحديات الحفاظ على القيم المحلية/ الوطنية في ظل الانفتاح الثقافي السريع والتحول نحو الضرائب والرسوم ورفع الدعم، إضافة إلى التحديات الجيوسياسية التي قد تستغل تلكم التحديات لتحقيق مصالحها وأطماعها.

وأي دولة إقليمية أو عالمية أو جماعات تنوي الشر أو لها مطامع في أي دولة؛ فشؤونها الاجتماعية مهيأة لها على مصاريعها، فتعقيدات الحياة فيها، وتكاليف استحقاقات الخدمات والحقوق الأساسية فيها أثمانها مرتفعة، والأصوات الاجتماعية تتعالى، ويكسر بعض نخبها حاجز الصمت؛ فماذا تنتظر حكومات هذه الدول حتى تستدرك المسير؟

صمت الحكومات مُخيف جدًا، ومختلف السيناريوهات واردة الآن، ونتوقع أن تُعجِّل بها وتيرة تعظيم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في بعض العواصم الخليجية، وقد بدأنا نرصد مؤشرات سباق تنافسي لا يخلو من بُعدٍ سياسي؛ بمعنى أدق أن مآلات الشأن الداخلي للمجتمعات ستُمكِّن أقل الخصوم- ذكاءً وإمكانيات- فكيف بكبيرهم، من المساس باستقرارها لضعف مناعتها الذاتية.

هذه رسالة عاجلة!

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

جثث على الأسفلت.. أرقام صادمة عن حوادث الطرق | تراجع الوفيات وارتفاع الإصابات

لم تعد حوادث الطرق في مصر مجرد أرقام تسجل في دفاتر الإحصاءات الرسمية، بل أصبحت مشاهد متكررة تنتهي بفقدان أرواح وتحويل لحظات الفرح إلى مآسي إنسانية، وبين السرعة الزائدة والاستعراضات الخطرة وغياب الالتزام بقواعد المرور، تتجدد الأسئلة حول الأسباب الحقيقية وراء استمرار نزيف الطرق رغم الجهود المبذولة للحد من الحوادث.

وفي أحدث هذه الوقائع، شهدت محافظة أسيوط حادثا مأساويا خلال زفة عرس، بعدما تحولت الاحتفالات إلى حالة من الحزن عقب مصرع 4 أشخاص وإصابة 12 آخرين على كوبري الواسطى بمركز الفتح. 

وكانت الأجهزة الأمنية قد تلقت بلاغا بوقوع الحادث، وانتقلت قوات الشرطة وسيارات الإسعاف إلى موقع التصادم، حيث تم نقل الجثامين إلى المشرحة والمصابين إلى مستشفى الإيمان العام لتلقي العلاج، فيما باشرت النيابة العامة التحقيقات للوقوف على ملابسات الواقعة.

وقال طارق معتصم، شاهد عيان عن هذا الحادث، إن الواقعة بدأت خلال موكب زفاف لعريس من محافظة سوهاج تزوج من عروس تنتمي إلى محافظة أسيوط، حيث شهدت الزفة قيام عدد من الشباب بتنفيذ استعراضات وحركات خطرة بالدراجات النارية على الطريق. 

وأضاف معتصم- خلال تصريحات لـ "صدى البلد": "وأثناء ذلك فوجئ المشاركون بمرور شاحنة نقل ثقيل، ما أدى إلى وقوع تصادم عنيف بين الشاحنة والدراجات النارية والمركبات المشاركة في الزفة، وأسفر الحادث عن سقوط عدد من الضحايا والمصابين، لتتحول أجواء الاحتفال إلى مأساة أليمة خلفت خسائر بشرية كبيرة". 

أرقام تكشف حجم المشكلة

وبحسب أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجلت حوادث الطرق في مصر خلال عام 2024 نحو 76,362 مصاباً و5,260 حالة وفاة. 

ويُظهر هذا الرقم انخفاضاً ملحوظاً في أعداد الوفيات بنسبة 10.3% مقارنة بالعام السابق (2023)، في حين ارتفعت أعداد الإصابات بنسبة 7.5%.

التهور المروري.. المتهم الأول

وتكشف تفاصيل حادث أسيوط عن أحد أكثر أسباب الحوادث شيوعا في مصر، وهو القيادة المتهورة، فوفق التحريات، كان السائقون يقومون بالتمويج والاستعراض بالسيارات أثناء الزفة، وهي ممارسات تتكرر في المناسبات والأفراح وتتحول في كثير من الأحيان إلى كوارث إنسانية.

وتعد السرعة الزائدة والتسابق غير الرسمي على الطرق من أكثر العوامل المسببة للحوادث، خاصة عندما يقترن ذلك بعدم الالتزام بقواعد المرور أو تجاهل عوامل الأمان.

ثقافة القيادة ومشكلة السلوك

ولا تقتصر أسباب الحوادث على البنية التحتية أو حالة الطرق فقط، بل تمتد إلى سلوكيات القيادة اليومية، فالتجاوز الخاطئ، واستخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة، وعدم الالتزام بالحارات المرورية، والسير بسرعات تفوق المسموح بها، جميعها عوامل ترفع احتمالات وقوع الحوادث.

كما أن بعض السائقين يعتبرون الاستعراض بالمركبات نوعا من المهارة أو "الاحتراف"، بينما تؤكد الإحصاءات أن هذه التصرفات تعد من أخطر مسببات الحوادث القاتلة.

النقل الثقيل والطرق السريعة

وتبرز الشاحنات الثقيلة كعامل إضافي في زيادة خطورة الحوادث. ففي حادث أسيوط، لعبت الشاحنة "التريلا" دورا في مضاعفة حجم الكارثة بعد اصطدامها بالمركبات المتصادمة، وتزداد خطورة حوادث النقل الثقيل بسبب الوزن الكبير للمركبات وصعوبة التوقف المفاجئ، خاصة على الكباري والطرق السريعة.

هل المشكلة في الطرق؟

شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة توسعا كبيرا في إنشاء الطرق والمحاور الجديدة، إلا أن خبراء النقل يؤكدون أن جودة البنية التحتية وحدها لا تكفي للحد من الحوادث، فالعنصر البشري يظل العامل الأكثر تأثيرا في السلامة المرورية، وهو ما تؤكده العديد من الدراسات الدولية التي تربط بين أغلب الحوادث بأخطاء السائقين وسلوكياتهم على الطريق.

وسوف نرصد لكم حزمة متكاملة من الإجراءات، للحد من نزيف الطرق، والتي تشمل:

تشديد الرقابة على السرعات والمخالفات الخطرة.

زيادة حملات التوعية المرورية، خاصة بين الشباب.

تطبيق عقوبات رادعة على الاستعراض والسباقات غير القانونية.

تطوير منظومة تدريب واختبارات الحصول على رخص القيادة.

تكثيف الرقابة على مركبات النقل الثقيل.

التوسع في استخدام أنظمة المراقبة الذكية والكاميرات. 

وفي هذا الصدد، يقول اللواء أحمد هشام، الخبير المروري، إن بعض قائدي الدراجات النارية يلجأون إلى تنفيذ حركات استعراضية وبهلوانية خلال المناسبات والأفراح بهدف جذب انتباه الحضور وإضفاء أجواء من الإثارة، إلا أن هذه الممارسات تمثل خطرا بالغا على سلامة الجميع، وأوضح أن مثل هذه العروض تتسبب في تشتيت انتباه السائقين والمارة وانشغالهم بمتابعة الاستعراضات، ما يزيد من احتمالات وقوع الحوادث والكوارث المرورية.

وأضاف هشام- خلال تصريحات لـ "صدى البلد": "هناك ضرورة للتصدي لهذه السلوكيات ومنعها بشكل حازم، لما تشكله من تهديد مباشر لأرواح المواطنين، مؤكدا أن الفرحة لا ينبغي أن تتحول إلى مأساة بسبب تصرفات غير مسؤولة تفتقر إلى أبسط قواعد السلامة".

وأكد: "الحوادث المرورية في مصر تنتج عن مجموعة من العوامل الرئيسية التي تتداخل فيما بينها وتؤثر بشكل مباشر على معدلات السلامة على الطرق.    . 

وأشار هشام، إلى أن العنصر البشري، ممثلا في قائد المركبة وسلوكياته أثناء القيادة، يأتي في مقدمة هذه الأسباب باعتباره العامل الأكثر تأثيرا في وقوع الحوادث.

وتابع: " الحالة الفنية للمركبة ومدى صلاحيتها للسير على الطرق تمثل عاملا مهما في الحفاظ على سلامة مستخدمي الطريق، إلى جانب التزام المشاة بالقواعد والضوابط المرورية أثناء عبور الطرق أو السير عليها".

واختتم: " كفاءة شبكة الطرق وصلاحيتها للاستخدام الآمن تعد من العناصر المؤثرة في الحد من الحوادث، فضلا عن العوامل الجوية والتغيرات المناخية التي قد تؤثر على مستوى الرؤية وحالة الطريق، ما يزيد من احتمالات وقوع الحوادث في بعض الظروف".

مات من حفظت معه القرآن.. صديق الشيخ ممدوح ضحية حادث المريوطية ينعاه بكلمات مؤثرةلبنان.. مقتل رئيس بلدية ديرميماس في حادث إطلاق نار

والجدير بالذكر، أن حادث زفة العرس في أسيوط يختزل مأساة متكررة على الطرق المصرية، لحظات من التهور كانت كفيلة بتحويل ليلة فرح إلى مأتم، وبينما تشير الإحصاءات الرسمية إلى انخفاض نسبي في أعداد الوفيات خلال عام 2024، فإن ارتفاع أعداد المصابين واستمرار وقوع الحوادث الكبرى يؤكدان أن الطريق نحو سلامة مرورية حقيقية لا يزال طويلا، وأن تغيير سلوك القيادة يظل الركيزة الأساسية لإنقاذ المزيد من الأرواح. 

رفيق حفظ القرآن.. ماذا قال طلاب الشيخ محمد ممدوح ضحية حادث ترعة المريوطية؟بعد حادث المريوطية.. طريقة تصميم الحاحز الخرساني كارثة جديدة تهدد حياة المواطنين طباعة شارك أسيوط حادث مروري زفة عروسية فرح تحول لمأتم كوبري الواسطي محافظة أسيوط العناية المركزية

مقالات مشابهة

  • الإمارات: السلام الحقيقي لا يتحقق في ظل انتهاك سيادة الدول
  • قرقاش: الدول العربية تدفع ثمن الطموح الإيراني الإقليمي المتضخم
  • حزب الوعي: مؤتمر العمل الدولي فرصة لتعزيز الحوار وتطوير الحماية الاجتماعية
  • الأمم المتحدة تحذر من تداعيات «إل نينيو» وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة عالميًا
  • مواطن وزوجته يفترشان الرصيف في وسط البلد بعمان.. وأسئلة حول دور الحماية الاجتماعية
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • برلمانية: العلمين الجديدة نموذج متكامل للتنمية العمرانية والاقتصادية على ساحل المتوسط
  • 31 ميدالية للإمارات في المحافل الخليجية والعربية والآسيوية خلال شهرين
  • جثث على الأسفلت.. أرقام صادمة عن حوادث الطرق | تراجع الوفيات وارتفاع الإصابات
  • قطر تدين بشدة الهجمات الإيرانية على الكويت وتصفها بانتهاك للسيادة