في ركنٍ صغير من منزلٍ غزّي مدمّر جزئياً، تجلس ريم المغربي بين صورٍ باهتة لزوجها المريض بالسرطان وولديها إبراهيم وحازم، اللذين اختطفوا عقب اقتحام الجيش الإسرائيلي منزلهم في ديسمبر 2023.

منذ ذلك اليوم، تحوّل البيت إلى مساحة من الانتظار والوجع، لا يزوره سوى الصمت والذكريات. بين يديها تُمسك بوجوههم المطبوعة على الورق، تبحث فيها عن بصيص حياة، وعن إجابة واحدة: أين ذهبوا؟

قصة ريم ليست مجرّد حكاية أم مكلومة، بل شهادة تختصر وجع الأمهات في غزة اللواتي لا يزلن يبحثن عن أحبتهم في زمنٍ صار فيه الفقد خبراً يومياً، والأمل فعل مقاومة.

تسرد ريم لمراسل وكالة "سوا" تفاصيل بداية العدوان على قطاع غزة واليوم المشؤوم (اختطاف زوجها وأبنائها).

اللجوء إلى مدرسة العائلة المقدسة هربًا من القصف

تقول ريم "عندما بدأت الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، لجأنا انا وزوجي واولادي الاثنين "ابراهيم وحازم" (33و34 عاماً) وام زوجي المسنة لمدرسة العائلة المقدسة بعد ان تم تهديد البناية المقابلة لمنزلنا وهي بناية "الجذور".

وتضيف "بعد ٥٠ يوماً على وجودنا في مدرسة العائلة المقدسة تم إعلان الهدنة المؤقتة الأولى في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 وعدنا للمنزل وقررنا المكوث فيه حتى بعد اختراق الهدنة وذلك مع وجود القليل من الماء وبعض من التمر. وكنا نسمع اصوات الدبابات والجيش تقترب من المنزل واشتد الخوف والرعب مما يجري وكنا نبقى في ممر المنزل ونزحف بين الغرف للتنقل".

اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء

وتحكي ريم بصوتٍ متهدّج والدموع في عينيها تفاصيل اليوم الذي غيّر حياتها إلى الأبد: "أذكر التاريخ في الثامن من ديسمبر لعام ٢٠٢٣، سمع ابني ان الجيش وصل للبناية التي نسكن بها وقاموا باقتحام المنزل والصعود للأعلى مع اطلاق النار على ابواب الشقق وعندما وصلوا للشقة التي نتواجد بها وهي شقة "أخ زوجي" وحينها كان زوجي في شقتنا بالطابق الأعلى في سريره نظراً لمعاناته مع مرض السرطان (..) وحينها خرجت للجندي من شدة خوفي بدون ان اضع الحجاب على رأسي واخبرته اننا مدنيون ولا علاقة لنا باي فصيل فطلب مني النزول انا وام زوجي وانزلو اولادي وأخبرت الجنود قبل صعودهم بان زوجي في الأعلى خوفاً عليه فطلب مني الجندي الصعود وإنزاله وصعدت للاعلى انا والجندي لاحضار زوجي لانه كان ممداً في السرير من التعب وطلب من زوجي والاولاد رفع ايديهم فاخبرهم زوجي بتاريخه المرضي وكان قد عاد حديثاً من رحلة العلاج في مصر وابني حازم من "الصم والبكم" لا يسمع جيداً ولا علاقة لنا باي حزب ولا يوجد لدينا الكثير من المعارف".

وتابعت "فصلونا في ساحة المنزل وقد لمحت اولادي وهم معصومي الايدي وبدون ملابس فسألت احد الجنود الذي كان يتكلم القليل من العربية عن اين سيأخذونهم وماذا سيفعلون بهم فقال لي انهم سيأخذونهم لاسرائيل وانني (لن اراهم ابداً بعد اليوم)".


 

"آخر صور للأبناء من الإعلام"

وأكملت ريم حديثها "اخبرت الجندي اننا من حملة الجنسية المصرية وبدأت بالبكاء وطلبت منهم ان يأخذوني معهم فسألني الجندي هل تريدين الموت معهم ؟ قلت له نعم فلم يعرني اي اهتمام وامسك بيدي واعطاني اوراقنا الشخصية من جوازات وهويات وطلب مني انا وام زوجي الذهاب عبر طريق صلاح الدين إلى جنوب القطاع وكان الوضع اشبه بالجحيم ولجأنا حينها لمدرسة المنسي والتي كانت في منطقة قريبة من المنزل وتلك هي اللحظات الأخيرة التي رأيت فيها زوجي وأولادي".

ذكريات موجعة وأسئلة بلا إجابة

وتقول "طوال الوقت تراودني الافكار عنهم وماذا حصل لهم هل اطلقوا النار عليهم من البداية وقتلوهم في ساحة المنزل ام اخذوهم معهم واسروهم ؟ ماذا فعلو ؟ من لي غيرهم فهم كانوا سندي في هذه الحياة وبقيت وحيدة ! وحتى اليوم لم اجد اي اجابة عن اسئلتي خصوصاً بعد ان تمت الصفقة ولم اجد اي معلومة عنهم وحتى هذه اللحظة مصيرهم مجهول".

وعن رحلة نزوحها خلال الحرب أوضحت ريم "بعدها ذهبت لمنزل اختي في مدينة غزة ونزحنا العديد من المرات داخل غزة ولم ننزح للجنوب وفي احد الايام عندما كنا بأحد المنازل التي نزحنا اليها عند الساعة الثانية فجراً شعرنا بزلزلة الغرفة التي نحن فيها وانهالت علينا الحجارة واعتقدنا اننا متنا في هذه اللحظة لكن نجونا انا واختي باعجوبة واستشهد ابنائها الأربعة وزوجها فبقينا انا واختي وحدنا".

أمل لم ينطفئ رغم الألم

وحول تواصلها مع المؤسسات المعنية بقضية الأسرى أو الأسرى المفرج عنهم حول مكان مكوث زوجها والأبناء تقول "منذ سنة ونصف أحد الاسرى الذين افرج عنهم قال انه رأى زوجي وابني "حازم" على قيد الحياة"، ومنذ أيام قليلة تواصل أحد الأسرى المفرج عنهم والمبعد إلى مصر مع عائلته وأخبرهم أن أبنائي فقط "حازم وإبراهيم" موجودين في سجن عوفر وأنه لا يعلم أي شيء عن زوجي ولحظتها أحسست أن حياتي بدأت من جديد وأنتظر الجديد خاصةً أن هناك صعوبة في التواصل مع أحد والتأكد".

وتضيف "لم أترك مؤسسة معنية بهذا الأمر إلا وتواصلت معها ولكن الرد الغالب كان "لا يوجد معتقلين بهذا الاسم"، لكن أنا لم أفقد الأمل".

المركز الفلسطيني للمفقودين: أكثر من 9 آلاف حالة اختفاء في غزة

بدوره قال "المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرا" في بيان صحفي له سابق، إنه بعد مرور عامين على العدوان العسكري الإسرائيلي الذي بدأ في 7 أكتوبر 2023، لا تزال مأساة المفقودين والمخفيين قسرا تمثل أحد أكثر الوجوه قسوة لجريمة الإبادة الجماعية المستمرة ضد سكان قطاع غزة، خاصةً ان آلاف العائلات الفلسطينية ما زالت تبحث عن أثرٍ لأحبائها بين الركام والمقابر الجماعية والسجون الإسرائيلية، دون أن تتلقى أي إجابة أو معلومة موثوقة عن مصيرهم".

وتشير تقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرا إلى أن عدد المفقودين والمخفيين في القطاع يتراوح ما بين 8,000 إلى 9,000 حالة، في حين بلغ عدد البلاغات الرسمية التي وردت حتى اللحظة نحو 5,000 بلاغ.

وبحسب المركز فإن هذه الأرقام أولية، إذ لا يزال العدوان والانقطاع المتكرر للاتصالات مستمر وهناك صعوبة في الوصول إلى المناطق المدمرة كذلك التمركز العسكري الإسرائيلي في العديد من المناطق يعيق التوثيق الكامل للحالات.

ووفق البلاغات التي تلقاها المركز، فإن توزيع الحالات الجغرافي جاء على النحو التالي:

-محافظة الشمال: 17%

-محافظة غزة: 26.4%

-المحافظة الوسطى: 9.5%

-محافظة خانيونس: 8.4%

-محافظة رفح: 6.9%

-غير محدد: 18%

اختفاء قسري ومقابر جماعية وسجون غامضة:

وسجل المركز أن اليوم الأول للعدوان في 7 أكتوبر 2023 شهد أكبر حصيلة للفقدان، حيث تم توثيق 371 حالة فقدان خلال ساعات من بدء القصف المكثف على مناطق متفرقة من القطاع، بالتوازي، يواجه آلاف الفلسطينيين اختفاءً قسريًا في السجون الإسرائيلية، حيث ترفض سلطات الاحتلال الكشف عن أماكن احتجازهم أو أوضاعهم الصحية، في انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني.

وبحسب المركز "تشمل هذه الحالات أيضًا جثامين معتقلين محتجزة ترفض إسرائيل الإفراج عنها، محرومة بذلك العائلات من أبسط حقوقها في معرفة الحقيقة والوداع والدفن اللائق".

ويؤكد المركز أن هذه السياسات تشكل نمطًا ممنهجًا من الإخفاء والتعتيم، والتي تهدف إلى إدامة المعاناة وإخفاء الأدلة على الجرائم التي ارتكبت ضد المدنيين، في إطار سياسة أوسع من العقاب الجماعي والقتل المنهجي الذي يرقى إلى جريمة إبادة جماعية.

دعوات لإنشاء آلية دولية للكشف عن المفقودين

ويطالب المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً، الأمم المتحدة بإنشاء آلية دولية مستقلة للكشف عن مصير المفقودين والمخفيين قسرا في قطاع غزة.

ويدعو اللجنة الدولية المعنية بحالات الاختفاء القسري إلى مطالبة إسرائيل بتقديم قوائم رسمية بأسماء وأماكن وجود جميع المفقودين والمعتقلين والمقابر الجماعية ومن دفن فيها.

كما دعا المجتمع الدولي إلى الضغط الفعلي من أجل السماح بدخول فرق بحث وإنقاذ متخصصة ومعدات فنية لانتشال الجثامين من تحت الأنقاض والتعرف عليها.

وختم بالتأكيد أن استمرار الغموض حول مصير آلاف المفقودين يمثل جريمة مستمرة لا تقل فظاعة عن القصف ذاته، مؤكدًا أن الكشف عن مصيرهم واجب قانوني وأخلاقي وإنساني، لا يحتمل التأجيل أو المساومة.

وبين صرخات الأمهات وأكوام الركام، تظل ريم المغربي واحدة من آلاف النساء اللواتي يعلقن قلوبهن على خيطٍ رفيع من الأمل. فكل إشاعة، وكل خبر عن أسير أُفرج عنه، قد يحمل لها جوابًا عن مصير زوجها وولديها.

لكن مرور الأيام لا يزيدها إلا يقينًا بأنّ الانتظار نفسه أصبح شكلًا من أشكال المقاومة، وأن صوتها – مهما بدا مبحوحًا – هو شهادة على وجعٍ لا ينبغي أن يُنسى.

فريم لا تبحث فقط عن أسرتها، بل عن حقّها في الحقيقة، كما تبحث غزة كلها عن أبنائها المفقودين بين السجون والمقابر الجماعية. وحتى يأتي ذلك اليوم الذي تُ فتح فيه الأبواب وتنكشف الأسماء، سيبقى السؤال الذي تردده ريم كل مساء أمام صورهم:"هل ما زالوا أحياء؟ وهل يسمعني أحد؟".

المصدر : وكالة سوا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من آخر أخبار فلسطين مصر تطلق قافلة المساعدات الـ83 إلى غزة بعد إعادة فتح المعابر الاقتصاد تعلن عن منح مالية لتسع شركات ناشئة بقيمة 1.6 مليون دولار اتفاق جديد ينهي تعليق الدوام ويضمن دفعة استثنائية للمعلمين الأكثر قراءة سبب وفاة نور الدين بن عياد الممثل التونسي اليوم الجامعة العربية تبحث مع "الأونروا" دعم التعليم للاجئين الفلسطينيين حماس تبحث مع المخابرات المصرية تثبيت اتفاق غزة وترتيبات المرحلة الثانية تفاصيل حالة عدم استقرار جوي تضرب فلسطين لليلة واحدة عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2025

المصدر

المصدر: وكالة سوا الإخبارية

كلمات دلالية: المرکز الفلسطینی للمفقودین والمخفیین قسرا قطاع غزة

إقرأ أيضاً:

بسبب توثيق الزواج.. إصابة فتاه بجروح متفرقة إثر اعتداء زوجها وأسرته بشبرا الخيمة

شهدت مدينة شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية واقعة مؤسفة، بعدما تعرضت ربة منزل لاعتداء عنيف من زوجها وعدد من أفراد أسرته، إثر خلافات أسرية نشبت بسبب مطالبتها بتوثيق زواجها رسميًا وإثبات حقوقها القانونية وحقوق أبنائها.

البداية عندما تلقى مدير إدارة البحث الجنائي بالقليوبية إخطارًا من رئيس مباحث قسم ثان شبرا الخيمة، يفيد بورود بلاغ من ربة منزل تُدعى «فاطمة ز.ر» (20 عامًا)، مقيمة بمنطقة مسطرد، تتهم فيه زوجها «أحمد س.ع» ووالده ووالدته بالتعدي عليها بالضرب باستخدام سلاح أبيض، ما تسبب في إصابتها بجروح متفرقة.

وبسؤال المبلغة، أفادت بأنها متزوجة من المشكو في حقه بعقد عرفي منذ أن كانت قاصرًا، وأنها عقب بلوغها السن القانونية طالبت بتوثيق الزواج رسميًا حفاظًا على حقوقها وحقوق أطفالها، إلا أن الزوج رفض ذلك، كما امتنع عن اتخاذ الإجراءات الخاصة بإثبات نسب الأبناء، الأمر الذي تسبب في خلافات متكررة بينهما.

وأضافت المبلغة أنها فوجئت يوم الواقعة بقيام زوجها ووالدته وشقيقه بالتعدي عليها باستخدام «مطواة»، ما أسفر عن إصابتها بجروح في الجبهة والوجه والصدر والظهر والرأس، قبل أن يتم طردها من مسكن الزوجية عقب مشادة كلامية تطورت إلى اعتداء جسدي.

وجرى نقل المصابة إلى المستشفى لتلقي الإسعافات والرعاية الطبية اللازمة، فيما حررت الأجهزة الأمنية المحضر رقم 14574 جنح قسم ثان شبرا الخيمة لسنة 2026، وأخطرت جهات التحقيق التي باشرت التحقيقات لكشف ملابسات الواقعة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

مقالات مشابهة

  • كعب العمل الإلكتروني 2026..استخراج شهادة القيد في 24 ساعة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • خطوات ورسوم استخراج جواز سفر مستعجل لأول مرة والأوراق المطلوبة
  • لمطالبتها بتوثيق زواجها رسميا.. إصابة ربة منزل على يد زوجها وأسرته في شبرا الخيمة
  • المنتخب الوطني المغربي يواجه مدغشقر بحثا عن الانتصار لمواصلة النتائج الإيجابية قبل مونديال 2026
  • بسبب توثيق الزواج.. إصابة فتاه بجروح متفرقة إثر اعتداء زوجها وأسرته بشبرا الخيمة
  • استخراج كعب العمل إلكترونيا.. خطوات الحصول على شهادة القيد في 24 ساعة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • نقل جثمان الزوجة المقتولة بقرية أجهور الكبرى إلى المشرحة