الحلقة الاولى .. من كتاب (شياطين الحلف المقدس) ..لمؤلفه حسين الذكر ..
تاريخ النشر: 2nd, January 2025 GMT
(1) اكذوبة البحر ..
عند اول خيط للغروب .. قبل ان تغط آخر صفرة شمسية نائمة حد الغطس في قاع البحر ، كانوا يتجمعون عند الساحل يطالعون الآفاق مصداقا لحكاية قديمة غرزت في بواطن اللاشعور .. فمنذ النشوء حتى ما هم فيه يصطرعون ( ان نوراً خفيف الظل يظهر بعد المغيب بدقائق كل الف عام يحمل معان ورسالة لها خاصية الالتقاط والاحساس لا ينالها الا ذو لب حفيظ ، سينال ما يرجوه ان تمكن رؤيته ) ، وبما ان الحكاية لم تنته عند سواحل البحار وقمم الجبال او اودية الصحراء .
خرجت الناس كعادتها تستنطق افق البحر ، كل ترك خلفه يومياته وهمومه ومشاكله وأهله وذويه … ما ملك وما أمل ان يستحوذ .. فشرار النار الخامدة في نفوس البشر يمكن لها ان تصحو على اثر أي جدحة ما ولو بمحض مصادفة او عبر استخدام خاطيء للقوة .. كل منهم تائه مستغرق بالبحث مستسلم لنشوة الحكاية يرجو ظفرا او مخرجا مقبولا يكون له املاً للنجاة من خرم ابرة بعيدة تكاد لا ترى بالعين المجردة وفقا لمنطق النهايات المعهودة لكل الاقاويل ما اوحي منها او سطر على ورق سابق .. فجميع من جلدوا سيقوا سلفا باعاصير بعيدة موغلة العصور لم تعد يسمع عنها شيء .. او نصوص ما زالت تشم حكاياتها من افواه مجنونة او واعية .. كل يتلقاها بطريقة تتناسب مع عواهنه او خلفياته .
ظلوا يضربون الاخماس بالاسداس التي طال عمرها حتى بعد الالفية الثالثة … وربما العاشرة .. لعل فيها ما يمكن من خلال سحره شفاء امراضهم المستعصية ..
وقفوا طوابير غير منتظمة ، صفوف متداخلة ساد فيها منطق القوة الإنسانية المعهودة مذ الخليقة حتى القيامة ، فمن استقوى كان له موطيء قدم مريحاً في طلته على الشواطيء بمقاعد تعد أولى او له الأولوية وفقا للعادة المالوفة في التعاطي مع معنوياته او ماديته .. ليس هناك ما يفصل حتى وان كانت نوايا الالسن صادقة ، لكنها تبقى حبيسة ذات منغلقة عصية الفهم دون الاخرين ، كل له ما له دون انتظار أوامر او توجيه من الاخر .
ثمة معلومة رسخت حد الغرز بالعرف الإنساني ان المقدمة بوابة للاحتلال او هي نبوءة لطلائع الخير الذي يبتغيه ، مما يجعل حظوظه اوفر واولى بتحالفاته المتوقعة مع اول خيط لذلك الضوء المنتظر ، فيما ضعفاء الناس يتدافعون حد التزاحم بل ركوب بعضهم بعض وكانهم ركام متراكم متدكدك تحت اقدام الاولين والاخرين … من اجل حظوة الظفر بفسحة نظر ، يمكن لهم فيها استلهام او ترجمة ما يمكن ان يظهر في ذلك الأفق البعيد الغائر حد النسيان وراء جبل او موج او بحر او نجم معتم …. او ديناصور ثلجي عملاق فاق في متاريسه قوى الأرض كلها ..
في هذا الغروب ومع شطب يوم من جدولة عمر الانسان المفطوم على وصال امل وربما اكذوبة … اهتزت الملايين جذلة طربة لها حينما نعق احدهم قائلا : ان جذوة تحليق قد تبادرت طلائعها خافتة وان كانت بعيدة جدا جدا … بأعماق عصي ان تدركه مدارك بصرية تقليدية .. لكن بصيص ضوئها جعل لها إمكانية بلوغ اثر يمكن ان تكون خبرا او مقدما لطلائع جيش عرمرم يحمل في زنابيله خيرا غير معهود ..
عند ذاك هاجت الناس وتصاعدت الأصوات وتدافعت حد الموت بل ان بعضهم ابتلعه موج البحر الغاضب على امية وبلاهة من يتفرجون عليه ويحطون بقربه منذ الاف السنين .. لم يستوعبوا الدرس ، بعد ان بلغ السيل الزبى حد التدافع غير المعقول . تلاطم موج الناس على اثر كلمة .. ربما لم تكن مقصودة او بنوايا غير حسنة وربما حرفت حروفها لتعطي مدلولاً اخر ..
فيما تتنطاح الرؤوس وتتدارس العقول ، ظهرت اجنحة طائرة تشق عباب البحر وتضيء بخفت على مدارج الأفق البعيد . لكنهم لم يستوعبوها ، فانهم هنا يترقبون املا اعجازياً سماوياً غير ذلك الطائر المصنوع ..
كلما اقتربت منهم خابت ظنونهم لدرجة نسوا معها اصل الحكاية الموغلة بالكذب ، حتى فقأ احدهم عين صاحبه ببصقة استهزاء مما كان يفعل من حركات عدها مخجلة ..
حلقت الطائرة فوق جموعهم كانها تطلب تفريقهم بل تامرهم بذلك .. بعد ان اتضح انها مجرد طائرة من بقعة أخرى ستحط بالمطار المجاور على رصيف البحر ..
ما ان علموا حد اليقين ان يوماً آخر من العمر قد ولى وضاع وتاه في بحر الاساطير … حتى بكى بعضهم ولطم اخر وتفرق اخرون .. كانهم عبابيد تناسوا همومهم فور التحليق دون اكتراث لاصل الحكاية التي نسوها عند اول امتار ليست بعيدة عن رصيف البحر .. حسين الذكر
المصدر
المصدر: شبكة انباء العراق
كلمات دلالية: احتجاجات الانتخابات البرلمانية الجيش الروسي الصدر الكرملين اوكرانيا ايران تشرين تشكيل الحكومة تظاهرات ايران رئيس الوزراء المكلف روسيا غضب الشارع مصطفى الكاظمي مظاهرات وقفات
إقرأ أيضاً:
عندما يملّ الكاتب من حمل كتابه
في كل بيت تقريبًا، يوجد هاتف لا يفارق اليد، وفي كل مجلس، شاشات تسرق بعضًا من وقته، وفي صخب هذا العالم، يقف الكتاب ساكنًا، منتظرًا من يمدّ يده ليحمله. لم يعد غريبًا علينا أن نقضي ساعة نتصفح مقاطع الفيديو والمنشورات دون أي شعور، بينما تبدو قراءة بضع صفحات من كتاب وكأنها تتطلب موعدًا واستعدادًا.
لم يؤثر هذا التحول على القارئ فحسب، بل على الكاتب أيضًا.
وراء كل كتاب قصة لا يراها الناس. فكرة ولدت في عقل إنسان، ثم نمت معه في أيامه وربما سنواته، عمل بجد من أجلها، وكتب ومسح وأعاد الكتابة، ثم ابتهج يوم رأى اسمه على غلاف كتاب، نهنئه، ونرسل له الزهور والتهاني، ونقول: «فخرٌ وإضافةٌ رائعة»، ثم نعود إلى هواتفنا، ويبقى هو يتساءل في صمت: من سيقرأ؟
اليوم، لا يقتصر دور الكاتب على الكتابة فحسب، بل يُثقل كاهله هموم الطباعة والنشر والتوزيع والتسويق. وقد يُنفق من ماله الخاص لإيصال فكرته إلى الناس، ثم يجد نفسه على الأبواب يسأل عن مكان لعرض كتابه أو يطلب دقيقة من قارئ.
لا يعني هذا أن كل كتاب جدير بالاحتفاء أو الدعم: فالأفكار تختلف، وكذلك قيمتها. ولكن بيننا مُعلّمٌ أمضى سنواتٍ في قاعات الدراسة، وباحثٌ درس هموم الناس، وشيخٌ يحمل ذاكرة مكان، وشخصٌ تعلّم من الحياة ما قد يُفيد الآخرين. كم من القصص ماتت مع أصحابها؟ وكم من التجارب ظلت حبيسة الذاكرة لأن أحداً لم يشجع الكاتب على تدوينها؟
قد نفقد كتبًا يومية لن نعرف أسماء مؤلفيها أبدًا، لمجرد أنها لم تُكتب أصلًا.
في مجتمعنا، نحتفل بالمناسبات ونتجمع حول الإنجازات، ونفرح لرؤية اسم أحد أبناء وطننا على غلاف كتاب. كل هذا جميل، لكن الكاتب أحيانًا يحتاج إلى أكثر من مجرد التهنئة. يحتاج إلى أن يُباع كتابه ويُقرأ، وأن تُناقش أفكاره، ويحتاج إلى مؤسسات تُتيح للكتاب الجيد نافذةً تُقرّبه من الناس.
يجب على الكاتب أيضًا أن يتقرب من قارئ اليوم. الهاتف ليس دائمًا خصمًا، بل قد يكون بوابةً إلى عالم الكتب. فكرةٌ موجزة، أو مقطعٌ جميل، أو حديثٌ صادق عن تجربة قراءة كتاب، قد يُعيد المرء إلى عالمه بعد غياب.
الكتاب ليس مجرد مجموعة من الأوراق، بل هو أثرٌ تركه شخصٌ في حياة آخر. وأحيانًا نقرأ فكرةً خطّها أحدهم قبل عقود، فتُغيّرنا بطريقةٍ لا تستطيع ألف فقرة عابرة أن تُحدثها.
لذا، قبل أن نقول إن الناس قد عزفوا عن الكتب، لعلنا نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا بالكتب؟ هل اشتريناها؟ هل قرأناها؟ هل أهديناها لأبنائنا؟ وهل كرّمنا من بيننا من اختار الكتابة؟
قد يأتي يومٌ نبحث فيه جميعًا عن قصصنا وتجاربنا، فلا نجدها، ليس لأننا لم نعشها، بل لأن من كان بإمكانهم كتابتها قد أنهكهم التعب... ووضعوا أقلامهم جانبًا.