عبد الله علي إبراهيم
(من الأرشيف)
لا أعرف اقتراحاً وعى محنة الصحافة السودانية المهنية مثل ذلك الذي تقدم به الدكتور محجوب عبدالمالك. فقد قال محجوب إن خلو الصحيفة من كلمة المحرر خلل مهني كبير. وهي كلمة كاتبها مبني للمجهول تحمل رأي الصحيفة في مجريات الأمور. وهذا مربط الفرس في قولنا أن الصحافة هي سلطة رابعة.
وقد ضمرت كلمة التحرير عندنا حتى أصبحت بمثابة التهنئة في الأعياد، أو العزاء في كوراث الأمة الفاجعة. وليس هذا بمستغرب في صحافة مضربة عن بناء مراكز المعلومات ولا اعتقاد لها في جدوى البحث. ولهذا غالباً ما صدرت الكتابة فيها عفو الخاطر. وكنت التمست من الحكومة أن تكف عن اشتراط عدد صفحات معينة للجريدة لكي تصدر، أو أن تظل تنظر شذراً للصحف تعتدي عليها أثناء أداءها لواجبها من فرط الوسوسة. واقترحت عليها بدلاً عن ذلك ألا تصدق لصحيفة ليس لها برنامجاً قصير المدى، أو طويله، لبناء مركز للمعلومات وتدريب المحررين. وأضفت أنه لو تعذر ذلك على الصحف فالبديل أن تؤسس الحكومة مركزاً للمعلومات تموله باشتراكات متراوحة من الصحف. وليس بناء هذا المركز بمعجز. فنواته قائمة بالفعل في وكالة سونا للأنباء. ومن تجربة شخصية وجدتها بوبت الوقائع السياسة وغير السياسة في ملفات غاية في الضبط والإبانة.
ومعلوم أنه اشتكت الحكومة، لو أحسنا الظن بها، من الكتابة "العشوائية" عنها. ولا منجاة لها من ذلك بالرقابة المستترة أو المعلنة. فشفاء الصحف والحكومة معاً في أن تقوم الصحف على مهنية مستنيرة ويكون الخلاف الذي لا مهرب منه بينهما على بينة.
ولا أريد الإيحاء هنا أن المهنية ستنصف الحكومة. لا. بل ربما ضربت المهنية وأوجعت. ولكننا هنا حريصون على القارئ الذي نريد لها أن يقرأ كتابات تحترم ذهنه. وهو الفيصل في الأمر طال الزمن أو قصر.
لقد عاودتني هذه الفكرة وأنا أقرأ قبل سنوات افتتاحية للنيويورك تايمز تطلب من مولانا اسكاليا رئيس المحكمة العليا الأمريكية أن ينسحب من النظر في قضية معروضة على المحكمة أحد أطرافها السيد ديك شيني نائب الرئيس الأمريكي. ودعوة الصحيفة لاسكاليا أن يعفي نفسه من نظر القضية سببها مظنة الغرض. وقد أسست الصحيفة ذلك على بينات جمعتها كدم الحجامة.
وكانت الجريدة قد كتبت من قبل تكشف عن رحلة صيد للبط جمعت شيني واسكاليا بعد أيام من قبول المحكمة العليا النظر في قضيته. ولم يحرك اسكاليا ساكناً. ثم أتضح أن اسكاليا كان سافر الي الرحلة على طائرة سلاح الجو رقم 2 وهي طائرة نائب الرئيس. واختتمت الجريدة مناشدتها للقاضي بالانسحاب بقولها:
(إن أحكام إعفاء القاضي عن النظر في قضية فيها مظنة حياده (وهي أحكام فدرالية) لا تحمي الخصمين فحسب، بل المحكمة ذاتها. وإذا بقي اسكاليا بالمحكمة وصوت لصالح شيني ستواجه المحكمة المزيد من النقد. وإننا لنعتقد أن اسكاليا لا بد أن يعفي نفسه من القضية إما طوعاً أو بتشجيع حثيث من زملائه).
سيقول القائل نحن وين وديلا وين. وهذه مماحكة معروفة عند أهل الهزء. لكل شيء بداية.
ibrahima@missouri.edu
المصدر
المصدر: سودانايل
إقرأ أيضاً:
الحكومة تعدل ضوابط التحويل النقدي للإسكان الشبابي وتحدد قيمة الدعم
أصدر مجلس الوزراء بحكومة الوحدة الوطنية القرار رقم (425) لسنة 2026، بشأن تعديل بعض أحكام القرار رقم (44) لسنة 2023 الخاص بضوابط وشروط التحويل النقدي للأغراض السكنية ضمن مبادرة رئيس الحكومة للإسكان الشبابي.
وتضمن القرار الجديد عددًا من التعديلات المتعلقة بآلية الاستفادة من التحويل النقدي السكني، بهدف تنظيم عملية الدعم وضمان وصوله إلى الفئات المستحقة وتحقيق العدالة في التوزيع.
ونصت أبرز التعديلات على توجيه التحويل النقدي إلى الأزواج حديثي الزواج، أو الأسر التي لم تستفد من برامج سكنية سابقة، وفق الضوابط المعتمدة للمبادرة.
كما شملت التعديلات استبدال شرط تقديم الشهادة العقارية بعقد نقل الملكية لصالح المستفيد، في حال تعذر الحصول على الشهادة العقارية، بما يسهّل استكمال إجراءات الاستفادة من الدعم.
وحدد القرار قيمة التحويل النقدي للأغراض السكنية بمبلغ 150 ألف دينار ليبي، سواء كان الهدف شراء مسكن، أو بناء مسكن، أو استكمال أعمال الإنشاء، على أن تصرف القيمة المالية على ثلاث دفعات متساوية عبر مصرف الادخار والاستثمار العقاري بعد استيفاء الإجراءات المطلوبة.
ومنح القرار اللجنة العليا لمبادرة الإسكان الشبابي صلاحيات تحديد الفئات المستهدفة وفق الضوابط المعتمدة، فيما ستصدر اللجنة قرارًا يوضح آليات التوزيع والاستهداف داخل البلديات.
وتأتي هذه التعديلات ضمن جهود حكومة الوحدة الوطنية لتنظيم برامج الإسكان الشبابي، وتطوير آليات الدعم السكني بما يضمن وصوله إلى المستفيدين المستحقين وفق معايير واضحة.