لماذا نموذج دبي؟.. خبراء يحذرون من مخطط “طمس التراث المعماري” وسط القاهرة بحجة التطوير
تاريخ النشر: 24th, February 2025 GMT
مصر – أثار مقترح رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار حول تطوير منطقة وسط البلد في قلب القاهرة وتحويلها إلى ما يشبه “الداون تاون” في دبي مخاوف خبراء مصريين من المساس بهويتها التراثية.
وتحدث رجل الأعمال الإماراتي ومؤسس إحدى أكبر الشركات العقارية عن اهتمامه بالاستثمار في مصر وإعادة هيكلة المباني الحكومية الشاغرة بمنطقة وسط البلد في قلب القاهرة، معلنا أن شركته العالمية تسعى إلى المساهمة في تطوير منطقة وسط البلد بالشراكة مع الحكومة المصرية.
وفي أول تعليق للحكومة المصرية بعد تصريحات العبار قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إن الأنباء عن تقدم مستثمرين أجانب بعرض لتطوير منطقة وسط البلد وإنشاء محال ومولات في المنطقة “كان جزءا من الموضوعات التي تمت مناقشتها مع اللجنة الخاصة بتصدير العقار” وهي اللجنة التي عقدت اجتماعها قبل أيام.
وكشف رئيس الوزراء عن تكليف مكتب استشاري بوضع رؤية شاملة لتطوير منطقة وسط البلد وطرح المنشآت الموجودة فيها، لا سيما العقارات التي أصبحت مملوكة للصندوق السيادي المصري بعد إخلائها، بعد انتقال الوزارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة.
وأثارت تصريحات العبار موجة من الانتقادات من قبل خبراء التراث الذين أعربوا عن مخاوفهم بشأن تأثير المشروع على الهوية المعمارية والتاريخية لمنطقة وسط القاهرة والتي تشتهر بهويتها وطابعها المعماري المميز.
وعلقت أستاذة العمارة والتصميم العمراني بجامعة القاهرة الدكتورة سهير حواس على مقترح رجل الأعمال الإماراتي الشهير قائلة: إن الحديث عن تطوير وسط القاهرة لم يتضمن الإشارة إلى “القاهرة الخديوية”، بل تمت مقارنته بوسط دبي.
وتساءلت في تدوينة عبر موقع فيسبوك: لماذا يتم استلهام نموذج دبي، وهي مدينة حديثة ورائعة في تصميمها، لكنها ليست مدينة تاريخية؟ بينما تحمل كل زاوية في القاهرة إرثًا تاريخيًا وأصالةً تمتد عبر الزمن.
وأضافت: “لماذا لم يُعد بإعادة القاهرة إلى مكانتها كـ باريس الشرق كما أرادها الخديوي إسماعيل؟ ولماذا لم تتم المقارنة بمدن تاريخية مثل الرباط في المغرب أو المدن الإسبانية التي استعادت رونقها من خلال الحفاظ على طابعها التراثي وفق الأصول الفنية الصحيحة؟”.
وأكدت على ضرورة دراسة تاريخ القاهرة، وخاصة القاهرة الخديوية، قبل الشروع في تنفيذ أي مشروع تطويري.
من ناحية أخرى قالت أستاذة التخطيط العمراني الدكتورة جليلة القاضي، في تدوينة مقتضبة عبر فيسبوك، إنه من الضروري أن نعرف اسم المكتب الاستشاري الذي كلفه مجلس الوزراء لتطوير وسط البلد، وأن يكون هناك قدر من الشفافية في هذا المشروع، مع إتاحة الاطلاع على المخطط النهائي عند اكتماله.
وأضافت أن هناك فرقا جوهريا بين “التطوير” و”الحفاظ” على المناطق التراثية، فالحفاظ يعني عمليات الصيانة والترميم وإعادة إحياء الفراغات العامة وفقًا لاشتراطات هذه المناطق، والتي تمنع أي عبث أو مساس بطابع المباني التراثية.
وشددت أستاذة التخطيط العمراني على ضرورة “التأكد من أن أي مشروعات مستقبلية تحترم القيمة التاريخية والمعمارية الفريدة لمنطقة وسط القاهرة”.
وكان الحكومة المصرية أعلنت عن خطة للمباني الحكومية المتاحة للاستثمار في منطقة وسط البلد وتضم مبنى وزارة الموارد المائية والري ومبنى وزارة الخارجية بكورنيش النيل ومبنى وزارة التنمية المحلية بجاردن سيتي ومبنى وزارة السياحة والآثار بالزمالك وأرض المعارض بمدينة نصر إلى جانب عدد آخر من المباني الحكومية المقترح إعادة توظيفها.
المصدر: RT + الشروق
المصدر
المصدر: صحيفة المرصد الليبية
كلمات دلالية: منطقة وسط البلد وسط القاهرة
إقرأ أيضاً:
تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
*محمد اللطيفي
في كتابه “ما التاريخ “، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل بمن يرويها. فالروايات، مهما بدت متماسكة وموضوعية، تحمل دائما شيئا من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولهذا، لا تبدو قيمة الحوارات التي تُجرى مع مسؤولين من داخل السلطة في كونها تفصح عن وقائع جديدة مرتبطة بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بقدر ما تكشف كيف أصبحت النخبة السياسية نفسها تروي حكاية هذا الانهيار. فليست المشكلة في قدرتها على تفسير أسبابه، فهذه خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها. بل المشكلة في التردد في تسمية المسؤولية السياسية عن صناعته.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من الاعتراف بأسباب انهيار الدولة؛ وهذه شجاعة تحسب له، بل يعرض سردية سياسية متماسكة نسبيا، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المؤسسات، وتمر عند الفرص السياسية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقها اليمن بودكاست، لا تكمن فقط فيما تقوله، بل أيضا في الأثر الذي تتركه خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات السياسية ليست فيما تضيفه إلى سجل الوقائع، بل في ما تكشفه عن الطريقة التي تفهم بها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن ضعف التنمية أحد الأسباب الرئيسة للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية ليست قوة تعمل خارج مجال القرارات السياسة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفة رؤيتها للحكم. وحين يقال إن المؤسسات الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضا، غير أن هذه الهشاشة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل كانت حصيلة خيارات سياسية طويلة الأمد، أديرت بها التوازنات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيادية، وقدمت بها حسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك الضعف وتلك الهشاشة قدرا لا يمكن الفكاك منه أو مقاومة تداعياته؟ لمعرفة الإجابة يمكن تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب صيف (1994)، امتلكت السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. وكانت السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما حظيت العملية السياسية الناتجة عن #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجماع إقليمي ودولي نادر. بينما قدم مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) تصورا متكاملا لشكل الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
يستحضر نصر طه؛ وهو صحفي شهير وسياسي بارز، هذه المحطات بوصفها فرصا ضائعة، وهو توصيف يصعب الاعتراض عليه. لكن ما تم نسيانه أن الفرص لا تهدر من تلقاء نفسها. فخلف هذا الضياع قرارات سياسية متهورة، وخلل في الأولويات، ونخب أساءت استخدام السلطة، وأحزاب معارضة فشلت في تقديم البديل. ولذلك، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ ولماذا؟
يبقى حديث المستشار الرئاسي عن مؤتمر الحوار الوطني، ذو أهمية. فالنظر إليه باعتباره آخر مشروع سياسي متكامل لإنقاذ الدولة، يجد ما يدعمه في كثير من الوقائع. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية فحسب، بل استهدف فكرة الدولة الجمهورية نفسها. وعليه لا يجوز هنا وضع #الحوثيين في سلة واحدة تضم الأزمات اليمنية، فهم ليسوا أزمة إضافية، هم مشروع متكامل عقائدي وعسكري وسياسي، يحمل فلسفة خاصة مناهضة لنظام اليمن الجمهوري تعيد تعريف السلطة وشرعيتها. ولهذا، فإن التعامل معهم باعتبارهم مجرد نتيجة يوضح جزءا من الصورة لكنه لا يفسر طبيعة المشروع السلالي الذي نقل الصراع من التنافس على إدارة الدولة إلى النزاع حول هويتها الدستورية ومركزها القانوني.
الأهم، أن الفرصة الحقيقية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي مرحلة ما بعد الانقلاب. فمنذ انطلاق عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف سياسي واسع ودعم إقليمي ودولي كبير، لكن النخب الممثلة لتلك الشرعية لم تستطع تحويل ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني متماسك لاستعادة الدولة. وبدلا من توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي، ظلت الخلافات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد مراكز القرار، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية القانونية إلى شرعية أداء، أو تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات دولة فاعلة.
ولعل اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها حوارات مع مسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.
ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بدا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسية أصبح يدرك طبيعة المشروع الحوثي، بوصفه مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز الشرعية عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر للصورة؛ إذ تبدو النخبة أكثر قدرة على تفسير أسباب انهيار الدولة، لكنها ما تزال أقل استعدادا للانتقال من تفسير الفشل إلى مساءلة الخيارات السياسية التي قادت إليه.
الشهادات السياسية اليمنية التي تشرح أسباب انهيار الدولة أصبحت أكثر حضورا من أي وقت مضى، وبتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو امتلاك النخبة السياسية الشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت وساهمت بالبلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف باللغة. فالروايات تبقي ذاكرة الشعوب حية، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية لإصلاح مستقبل الدول، وهو ما يحتاج شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.
ما يمكن تأكيده أن هشاشة المؤسسات ليست قدرا يمنيا، كما لم يكن ضعف التنمية لعنة جغرافيا. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، موارد وشرعية داخلية ودعم خارجي كانت تسمح ببناء مؤسسات حقيقية. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا بقيت الدولة قائمة شكليا بينما كانت قدرتها على الصمود تتأكل تدريجيا. ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف انهارت الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب التاريخ قصة الانهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.
*كاتب صحفي يمني