لجريدة عمان:
2026-07-24@08:18:55 GMT

يوتوبيا... وأسرار صندوق النجاح

تاريخ النشر: 7th, May 2025 GMT

«قد يلجأ الناس إلى مدينة يظنّون أنّها فاضلة لتعويض ما فاتهم، ولكن الكمال غير موجود فـي الوجود» هذه هي الكلمة التي ثبّتها الكاتب أسامة السليمي فـي دليل عرض (يوتوبيا) الذي قدّمته جماعة خشبة المسرح ضمن فعاليات مهرجان جامعة ظفار للمسرح، وجاءت لتحمل الكثير من المفاتيح التي ننطلق منها لقراءة العرض الذي أخرجه محمد الحمداني، وأوّل هذه المفاتيح عنوان العرض (يوتوبيا)، فمنذ أن رسم إفلاطون عوالم (المدينة الفاضلة)، شغلت الفلاسفة والمفكّرين والأدباء، وناقشوها فـي أعمالهم الإبداعية، وكتبهم،

فالمجتمعات المثالية تبقى تسكن فـي أذهانهم، وتقيم فـي مدن الأحلام، وغالبا ما يلجأون إليها هربا من الواقع، كلما ضاقوا به، بحثا عن الأفضل، من هنا تبدأ مسرحية (يوتوبيا)، فالمهرجون يجرّبون حظّهم فـي هذه المدينة، بعد أن فشلوا فـي إثبات قدراتهم فـي مدينتهم -مدينة الفشل-، طمعا بالنجاح، يتقدّمهم (بهلوان) الذي لا يمتلك موهبة، وزوجته (مريوشة) المتقلّبة المزاج التي تحاول السيطرة على زوجها، وإثبات نفسها، أمام (دلدوحة) المسؤولة عن استقبال المهرجين الجدد و(ضحاكة) المسؤولة عن تدريبهم، ويستهل (بهلوان) المشهد الأول بالحديث عن العروض السابقة التي قدّمها ولم تنل نصيبا من النجاح، بل إن الجمهور رماه بالطماطم والعلب الفارغة، والسبب برأيه،

أن الفلاسفة صعب إرضاء أمزجتهم، وما دامت خيوط الإبداع بأيديهم، لذا أعلنوا حربا عليه وبقية المهرّجين وكما يرى، أن العروض التي يقدّمها الفلاسفة لا أحد من عامة الناس يفهمها، فهي موجهة للنخب، لذا وجدوا من الأفضل لهم مغادرة تلك المدينة، والقدوم إلى المدينة الفاضلة، ليجرّبوا حظّهم فـيها، والواضح أن المؤلف يعكس بهذا المشهد معاناة الممثلين الذين يقدّمون عروضا جماهيرية أمام النُخب المثقفة، فلن يحصلوا على اعتراف بمواهبهم، فـي المهرجانات، بل غالبا ما يهاجمهم النقّاد والأكاديميون،

ويتحدّثون عنهم من علوّ شاهق، ويوصفون ما يقدمونه من عروض بالإسفاف، وهذا يجعلهم يبحثون عن مدينة تحتضنهم، وتعوّضهم عن فشلهم، وتلك المدينة ستكون بالنسبة لهم (فاضلة) لأنهم يقطفون فـيها ثمار النجاح، وينالون السعادة التي يحلمون بها، وفـي المشهد الثاني الذي جاء تعبيريّا، يحمل المهرّجون صندوقا وحين يفتحونه يقفزون من الفرح، فذلك الصندوق لم يكن سوى صندوق النجاح الذي سرقوه ليستمدوا منه طاقة النجاح الأبدي فـيقسمون «سنصون المدينة ونحافظ على نجاحاتها وممتلكاتها وأن نفدي الصندوق بأرواحنا.

. الصندوق أمانة من الفن المقدس.. تعيش يوتوبيا.. تعيش مدينة الفن المقدس»، فهذا الصندوق يختلف عن صندوق (باندورا) فـي الميثولوجيا الإغريقية الذي حمل شرور البشرية وحين خالفت (باندورا) أو صاحبة العطايا، الوصايا وفتحت الصندوق بدافع الفضول خرجت الأمراض والأوبئة والأحقاد، فملأت العالم، فـيما حمل صندوق النجاح، للمهرّجين أسرار النجاح الذي يحلمون به بعد أن أطالوا المكوث فـي مدينة الفشل، وضمن هذا السياق الفانتازي تتواصل الأحداث،

ويطلبون من الصندوق ممثلين ناجحين وتصيبهم المفاجأة عندما يدخل عليهم فجأة (بهلوان) و(مريوشة)، فـيرحّبون بالقادمين من مستنقع الفشل البعيد، وحين يفكران بتقديم عرض جديد يدركان أنّ الموازين تختلف فـي المدينة الفاضلة، وتتغيّر المقاييس، وقبل البدء يُذكّر (بهلوان) الجميع بصندوق النجاح المسروق من المستقبل، فهو ينطوي على جميع الأسرار التي يحتاجون إليها فـي رحلة النجاح، لكن سرعان ما داهمهم الشعور بالخيبة، فالصندوق لم يسعفهم، ولم يصدقوا (بهلوان) فالصندوق لا يختلف عن سواه من الصناديق، ويحتدم الصراع، وتقول (مريوشة) لسكّان المدينة «أنتم لا تختلفون عن الوحوش الخارجية التي تهدّم الأحلام وتغتصب الطموح»، وسألتهم: «المدينة الفاضلة بمن؟ أين الفضل الذي تتكلّمون عنه؟»، وتتفاجأ بأن الصندوق قد سُرق،

ولكن من السارق؟ يجيب الكاهن «السارق منكم وفـيكم أتى من البعيد الفاشل وعاش معكم ليسرقكم» ولم يكن السارق سوى (بهلوان)، وحين يعترف بفعلته ويُسجن ويقدّم للمحاكمة، يدخل فـي مساومة على الحكم، وينجح، ويقرّر جميع المهرجين تعيين (بهلوان) ملكا عليهم، لأن الألعاب كلها صارت فـي حوزته بعد سرقة الصندوق، وبهذا المشهد ينتهي العرض الذي جمع بين الفانتازيا والمقولات الفلسفـية، والتأملات،

والمفارقات الساخرة، واللعب على الخشبة بخفّة، ورشاقة، فتحوّلت إلى سيرك مهرّجين، وساعد العزف الحي والمؤثرات الصوتية فـي إضفاء جماليات سمعية على العرض، ومن خلال الأداء الحركي، عبّرت أجساد الممثلين عن الكثير من المضامين، وخصوصا محمد الحمداني الذي أدّى دور (بهلوان) وبشاير البادي التي أدت دور (مريوشة) إلى جانب بقية فريق العرض: الغالية اليعربية، أشجان الصبحية، ملهم الرواحي، أسعد عبدالرب،

ونجح المخرج محمد الحمداني فـي توزيع المجاميع على الخشبة، ورسم المشاهد، وتحريك قطع الديكور ضمن مساحات محسوبة بدقة، وأسهمت الإضاءة فـي تعميق أبعاده الدلالية، فقطف العرض جائزة أفضل إضاءة، مثلما قطف جائزة أفضل نصّ، وأفضل إخراج، وأفضل ممثلة (بشاير البادي) وأفضل عرض متكامل فـي المهرجان الذي كشف لنا من خلال هذا العرض وسواه العديد من الطاقات الشابة الموهوبة.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: المدینة الفاضلة

إقرأ أيضاً:

المهرجان القومي للمسرح يناقش إعادة بناء العلاقة بين المسرح والجمهور في العصر الرقمي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

عقد المهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض،  جلسة محورية بعنوان «صيغة مسرحية جديدة للعلاقة بالجمهور»، بالمجلس الأعلى للثقافة، ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة، التي أدارتها المخرجة عبير علي، بمشاركة نخبة من المسرحيين والباحثين، حيث ناقشت الجلسات رؤى نقدية وتجارب معاصرة تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين العرض المسرحي والمتلقي، واستكشاف آليات جديدة تعزز التفاعل مع الجمهور، بما يواكب التحولات الفنية والثقافية التي يشهدها المسرح المعاصر.

هبة رجب: السينوغرافيا لم تعد عنصرًا جماليًا بل شريكًا في إنتاج المعنى المسرحي

قدمت الباحثة هبة رجب شرف الدين دراسة نقدية بعنوان «الخطاب الدخيل في هندسة الفراغ المسرحي.. دراسة في ضوء نظرية التلقي»، طرحت خلالها مفهومًا نقديًا جديدًا يفسر الأبعاد غير المباشرة التي تحملها العناصر السينوغرافية داخل العرض المسرحي، مؤكدة أن المسرح المعاصر لم يعد يعتمد على الكلمة وحدها، بل أصبح يصنع معانيه عبر الصورة والصوت والتكوين البصري والسمعي.

وأوضحت الدراسة أن «الخطاب الدخيل» يتمثل في الدلالات الكامنة التي تتجاوز المعنى المباشر للعناصر المسرحية، حيث تتشكل من خلال الإحالات الثقافية والرمزية والتقنيات الفنية، لتفتح أمام المتلقي مسارات متعددة للتأويل، مستندة في ذلك إلى نظرية التلقي التي تمنح المشاهد دورًا أساسيًا في إنتاج المعنى.

وتناولت الباحثة التحولات التي شهدتها الصيغ المسرحية الحديثة، مثل مسرح الصورة والمسرح الرقمي ومسرح الاعتراف، مشيرة إلى أن هذه الأشكال الجديدة منحت السينوغرافيا دورًا بطوليًا في صناعة الخطاب المسرحي، بعدما أصبحت الصورة والإضاءة والديكور والصوت عناصر فاعلة في بناء الدلالة، وليس مجرد وسائل جمالية مصاحبة للنص.

كما فرقت الدراسة بين الخطاب المباشر والخطاب الداخلي والخطاب الدخيل، معتبرة أن الأخير هو خطاب غير معلن يتولد من معالجة العناصر السينوغرافية بطرائق غير مألوفة، ويعتمد على الخلفيات الثقافية والرمزية للمتلقي، بما يمنحه قدرة على إنتاج معانٍ فلسفية وجمالية تتجاوز ظاهر المشهد المسرحي.

ورصدت الدراسة تطبيقات الخطاب الدخيل في الخطابين الصوري والسمعي، من خلال توظيف الديكور والدمى والإضاءة والوسائط الرقمية والموسيقى، مبينة أن هذه العناصر يمكن أن تتحول إلى أدوات تعبيرية تحمل مضامين اجتماعية ونفسية وسياسية، وتسهم في تعميق تجربة التلقي وإثراء القراءة النقدية للعرض المسرحي.

واختتمت الباحثة دراستها بالتأكيد على أن الاهتمام بصياغة الخطاب الدخيل في هندسة الفراغ المسرحي يمنح العرض المسرحي بعدًا ذهنيًا وجماليًا جديدًا، ويحول العناصر السينوغرافية إلى منظومة دلالية قادرة على تحفيز التأمل وإنتاج تأويلات متعددة لدى المتلقي، بما يواكب تحولات المسرح المعاصر وتطور لغته البصرية والسمعية.

نوران مهدي: الجسد الإنساني يظل محور الإبداع في عصر الذكاء الاصطناعي

وقدمت الباحثة الدكتورة نوران مهدي عبد العزيز بحثًا بعنوان «جماليات التفاعل بين الجسد والوسيط الرقمي في المسرح المعاصر»، تناولت فيه التحولات التي أحدثتها التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في الفنون الأدائية، وكيف أسهمت في إعادة صياغة العلاقة بين الجسد الإنساني والوسيط الرقمي داخل العرض المسرحي.

وقالت إن البحث ينطلق من تساؤل رئيسي حول إمكانية توظيف الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي في الإبداع الفني، مع التركيز على تأثيرها في الرقص والمسرح المعاصر، مؤكدة أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة، بل أصبحت شريكًا في إنتاج التجربة الجمالية.

وأضافت أن الدراسة اعتمدت على تجربة المخرج والكوريجراف الفرنسي جان مارك ماتوس، الذي يقدم نموذجًا مختلفًا للعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، حيث لا تقوم على المنافسة أو الإحلال، وإنما على الحوار والتأثير المتبادل بين الجسد والنظام الرقمي.

وأوضحت أن العرض محل الدراسة يكشف حدود الذكاء الاصطناعي في فهم الجسد الإنساني، ويحوّل أخطاء الخوارزميات إلى عنصر جمالي يفتح آفاقًا جديدة للإبداع، بدلًا من اعتبارها مجرد عيوب تقنية.

وأكدت أن البحث يخلص إلى أن الجسد الإنساني يظل قادرًا على إنتاج المعرفة والابتكار بما يتجاوز قدرة الخوارزميات، وأن المسرح المعاصر يقدم نموذجًا للتعايش بين الإنسان والتقنيات الرقمية دون أن يفقد العنصر البشري مكانته المحورية في العملية الإبداعية.

إسراء محبوب: الجمهور لم يختفِ.. والمسرح بحاجة إلى إعادة بناء علاقته بالمتلقي في العصر الرقمي

فيما قدمت الباحثة إسراء محبوب ورقة بحثية بعنوان «من تشظي الجمهور إلى لحظة اللقاء.. كيف يعيد العصر الرقمي تشكيل علاقة المسرح بالجمهور؟»، تناولت خلالها التحولات التي طرأت على علاقة المسرح بجمهوره في ظل التطور الرقمي، مؤكدة أن مفهوم «الجمهور الواحد» لم يعد قائمًا بالشكل التقليدي، وأن المتلقي أصبح ينتمي إلى دوائر ثقافية متعددة تختلف في اهتماماتها وطرق وصولها إلى المحتوى المسرحي.

وقالت إن أزمة المسرح المعاصر لا تتمثل في غياب الجمهور، وإنما في تغير أنماط التلقي والمنافسة مع اقتصاد الانتباه الذي تفرضه المنصات الرقمية، موضحة أن المسرح لا ينافس وسيلة ترفيه واحدة، بل يواجه تدفقًا مستمرًا من المحتوى الرقمي الذي يستحوذ على وقت الجمهور واهتمامه.

وأضافت أن خصوصية المسرح تكمن في قدرته على تقديم تجربة إنسانية حية ومشتركة لا يمكن استنساخها عبر الشاشات، مؤكدة أن المعاصرة لا تتحقق بإضافة التكنولوجيا إلى العرض، وإنما بفهم التحولات التي يعيشها الإنسان وإعادة صياغة العلاقة مع المتلقي بما يتناسب مع هذه المتغيرات.

وأشارت إلى أن تطوير العلاقة مع الجمهور يتطلب إعادة التفكير في الفضاء المسرحي، وزمن العرض، ودور المتلقي داخل التجربة المسرحية، بما يفتح المجال أمام أشكال جديدة من التفاعل دون الإخلال بجوهر الفن المسرحي.

وأكدت الباحثة أن المسرح المصري لا يعاني من نقص الجمهور بقدر ما يعاني من غياب منظومة متكاملة تربط بين العروض والجمهور المستهدف، داعية إلى إنشاء منصة وطنية رقمية للمسرح تضم قاعدة بيانات شاملة للعروض، وتوفر خدمات التوثيق والأرشفة والحجز وإتاحة المواد المسرحية بصورة منظمة، بما يسهم في توسيع قاعدة الجمهور ودعم البحث العلمي وحفظ الذاكرة المسرحية.

وأضافت أن نجاح هذه المنصة يتطلب معالجة قضايا الحقوق الفكرية والتمويل والتصنيف والإتاحة، مع توفير أدوات بحث متقدمة وخدمات تراعي احتياجات مختلف فئات الجمهور، مؤكدة أن الهدف ليس استبدال المسرح الحي بالشاشة، وإنما استخدام الوسائط الرقمية كجسر يربط الجمهور بالعروض ويعزز استمرارية العلاقة معها.

محمد عبدالمنعم: الفضاءات غير التقليدية تعيد تعريف علاقة العرض بالمتلقي

وقدم الدكتور محمد عبد المنعم، الأستاذ بقسم المسرح بجامعة الإسكندرية، ورقة بحثية بعنوان «جدلية العلاقة بين العرض والجمهور في الفضاءات غير التقليدية»، تناول خلالها طبيعة التحول الذي شهدته العلاقة بين العرض المسرحي والمتلقي مع انتقال العروض إلى الفضاءات غير التقليدية، مؤكدًا أن هذه الفضاءات تفرض آليات جديدة للتواصل والتفاعل، وتمنح الجمهور دورًا أكثر فاعلية في تشكيل التجربة المسرحية، بما يسهم في إعادة تعريف مفهوم التلقي وتوسيع حدود الممارسة المسرحية خارج القاعات التقليدية.

مقالات مشابهة

  • المهرجان القومي للمسرح يناقش إعادة بناء العلاقة بين المسرح والجمهور في العصر الرقمي
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • عرض مسرحي لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان لرفع وعي الأطفال بخطورة التدخين
  • المسلاتي: أي تسوية سياسية لن تنجح إلا إذا انطلقت من ثوابت القيادة العامة
  • مصطفى بكري: عبد الناصر لم يكن معصوما من الخطأ وثورة يوليو فتحت أبواب التعليم لأبناء الفلاحين
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • مصطفى بكري: ثورة يوليو أعادت الكرامة للمصريين.. وعبد الناصر سيظل حاضرا في ذاكرة الأجيال
  •  المدينة تتصدر مدن المملكة في إشغال مرافق الضيافة
  • بطرسبورغ تستضيف الدورة الأولى من مهرجان “أضواء المدينة” السينمائي الدولي
  • من التخبط إلى النضج الفني.. هكذا مشى المخرج كريم الشناوي خطوات النجاح