"العُمانية" أصدرت مؤسسة بيت الزبير ترجمةً جديدة لمقالة “مهمّةُ المترجم” للفيلسوف والناقد الألماني فالتر بنيامين (1892–1940)، والتي تُعد من أبرز النصوص الفلسفية في النظرية المعاصرة للترجمة، وتحتل مكانة رفيعة في الفكر الثقافي الغربي لما تتضمنه من طروحات دقيقة حول جوهر الترجمة ووظيفتها. وقد تولّى ترجمة هذا العمل الأستاذ الدكتور أحمد بوحسن، معتمدًا على النص الأصلي بالألمانية، بالإضافة إلى ترجماته إلى كلٍّ من اللغتين الإنجليزية والفرنسية، واستند كذلك إلى ترجمات عربية سابقة من بينها ترجمة حسين الموزاني وأخرى غير منشورة لرضوان ضاوي، كما راجعت العمل النهائي الدكتورة رضوى الضاري.

ويصف المترجم هذا الإصدار بأنه “ترجمة ثلاثية متعدّدة الوجوه لنصّ فلسفي شديد الصعوبة”، معتبرًا أن إعادة ترجمته وتدقيقه من خلال عدة لغات ومنظورات يُقرّب القارئ من المعنى الأصلي للنص، ويُبرز تعقيداته المفاهيمية والفكرية.

وتتناول المقالة مفهوماً فلسفيًّا عميقاً للترجمة، يميّزها عن الإبداع الشعري بوصفها أداة لنقل صدى اللغة الأصل في اللغة الهدف، دون أن تنفصل عن بنيتها الكلية. ويرى بنيامين أن الترجمة لا تهدف إلى إعادة صياغة المعنى فحسب، بل تسعى إلى تقاطع لغات متعددة في لغة “حقة”، تُقارب ما وصفه بـ ”لغة الحقيقة”، تلك التي يطمح إليها الفلاسفة بوصفها مخزنًا للمعاني النهائية.

وتُعد هذه المقالة من أبرز أعمال بنيامين، الذي يُعرف بارتباطه بمدرسة فرانكفورت النقدية، وبترجماته لأعمال كبار الأدباء الفرنسيين مثل بلزاك وبودلير وبروست، وقد كان لآرائه تأثيرًا واسعًا منذ منتصف القرن العشرين، حيث نُشرت أعماله في مجلدات شاملة عن دار غاليمار الفرنسية. ويُذكر أن الأستاذ الدكتور أحمد بوحسن يشغل منصب أستاذ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس – أكدال بالرباط، ويُعد من المتخصصين البارزين في الدراسات النقدية والثقافية والدراسات المقارنة، وله إسهامات أكاديمية متعددة في حقل الترجمة.

أراجيح في النبع

من جانب آخر يستعرض كتاب “أراجيح تتأمل صورتها في النبع” ملامح النتاج الثقافي الموجّه للطفل في سلطنة عُمان، عبر مجموعة من الدراسات النقدية التي تتناول قضايا السرد القصصي، ومسرح الطفل، والمبادرات الثقافية، والإبداع القصصي الموجّه للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة. ويأتي الكتاب، الصادر عن مؤسسة بيت الزبير، ضمن الجهود الأكاديمية لتعزيز مسارات الكتابة الأدبية والفنية الموجّهة للطفولة، وتوثيق تجارب الكُتّاب العُمانيين في هذا المجال، بما يعكس اهتمام سلطنة عُمان بالطفل كعنصر فاعل في بناء المجتمع المعرفي. وتفتتح خلود البوسعيدية الكتاب بدراسة عن “الفضاء السردي في القصة المُوجَّهة للطفل” عبر قراءة تحليلية في قصص الكاتبة بسمة الخاطرية، مبيّنة دور الفضاء السردي في توجيه الطفل نحو القيم الأخلاقية والتربوية.

أما نورة الهاشمية فتقدّم دراسة بعنوان “المبادرات الثقافية الموجّهة للطفل”، متناولة نموذج برنامج “هيا نقرأ” لجمعية العطاء الخيرية، مؤكدة أهمية دعم المبادرات المجتمعية المعززة لثقافة الطفل وتوسيع نطاقها المؤسسي والإعلامي. ويتناول الدكتور محمود كحيلة تجربة مسرح الطفل العُماني، منوّهًا بأهمية تعزيز المحتوى الموجّه للطفل من خلال لجان تربوية متخصصة، وضرورة اعتبار المسرح الطفولي ركيزة ثقافية وإنسانية في منظومة الأمن الاجتماعي. وفي دراسة تحليلية لقصص الأطفال في سلطنة عُمان، يوثق محمد شمشاد عالم القاسمي المراحل التاريخية التي مر بها هذا النوع الأدبي منذ عام 1992، ويعرض محطات تطوره عبر ثلاث مراحل رئيسة: الأولى مرحلة التأسيس 1992-1996، والثانية مرحلة ما بعد التأسيس 1996-2006م، والثالثة هي المرحلة المعاصرة منذ 2007 حتى الآن. وفي محور آخر، يعرض يونس بن علي المعمري دراسة بعنوان “التحدي والاستجابة في القصص الموجّهة للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة”، مقدّمًا توصيات تعزز حضور هذه الفئة في الخطاب القصصي، وتدعو للاهتمام بالجانب الفني والنفسي في معالجة القضايا المطروحة. وتتوقف ليلى عبدالله عند “صناعة شخصيات قصص الأطفال في زمن الألفية” من خلال نموذج الكاتبة أمامة اللواتية، مبيّنة الطابع الجاد والناضج لشخصياتها، بما يعكس رؤية موجهة ورسالة تربوية واضحة. ويُسهم الباحث التونسي الراحل الدكتور محمد الغزي بدراسة حول “الواقعية الخرافية” في مسرح عبد الرزاق الربيعي، موضحًا تفاعل نصوصه مع التراث الشعبي برؤية تجديدية تتجاوز النقل إلى إعادة التوليد الفني. وتختتم شيخة عبدالله الفجرية الكتاب بدراسة عن “بائع الحكايات في عُمان قديمًا”، داعية إلى إجراء مسح شامل للحكايات العُمانية الشفهية وتصنيفها وتوظيفها في الإنتاج الدرامي المعاصر، بما يحفظ الذاكرة الشعبية ويثري المحتوى الثقافي الوطني.

ويمثل الكتاب إضافة نوعية إلى المكتبة العُمانية في مجال أدب الطفل، ويسهم في ترسيخ مكانة هذا الحقل الإبداعي في سياق النهضة الثقافية التي تشهدها سلطنة عُمان.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الموج ه

إقرأ أيضاً:

بورسعيد بطلاً للسرد الأدبي.. أدباء وروائيون يستعرضون تجليات المدينة في الرواية والقصة بمعرض الكتاب

تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، واللواء إبراهيم أحمد أبو ليمون، محافظ بورسعيد، نظمت الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن فعاليات الدورة التاسعة من معرض بورسعيد للكتاب، ندوة ثقافية بعنوان "بورسعيد.. المدينة البطل في السرد الأدبي"، أدارها الروائي السعيد صالح، بمشاركة الروائيين والكتاب إبراهيم صالح، وصلاح عساف، ومحمد أبو النجا، والكاتبات دينا شحاتة، وسمية الألفي، ومنى الجبريني.

وأكد المشاركون أن بورسعيد لم تكن في الأعمال الأدبية مجرد خلفية للأحداث، بل تحولت إلى بطل رئيسي يصنع الشخصيات ويؤثر في مصائرها، بما تمتلكه من تاريخ وخصوصية جغرافية وثقافية وإنسانية.

في البداية أكد الروائي السعيد صالح أن السرد ليس مجرد وسيلة لحكي الأحداث، بل أداة فنية وفكرية تسهم في تشكيل الوعي والثقافة، وأن كل كاتب يحمل رسالة تتأثر ببيئته وتنعكس في أعماله، مستشهداً بتجربة الأديب العالمي نجيب محفوظ الذي انطلق من الحارة المصرية ليصل إلى العالمية.


وأشار إلى أن اختيار عنوان الندوة يعكس المكانة التي احتلتها بورسعيد في الأدب المصري، بوصفها مدينة استطاعت بتاريخها ومقاومتها وتحولاتها الاجتماعية أن تصبح بطلاً حقيقياً في الرواية والقصة، وأن تلهم أجيالاً متعاقبة من المبدعين لتوثيق حكاياتها وتحويلها إلى أعمال أدبية خالدة.


واستعرض الروائي إبراهيم صالح تجربته في مجموعته القصصية "رحلة الصيد الأخيرة"، موضحاً أنها تنطلق من تجربة التهجير وأثرها في الوجدان، وترصد تفاصيل الحياة في الريف وبحيرة المنزلة وعالم الصيد، وما تركته الحرب من آثار نفسية واجتماعية على أبناء المدينة.


وأكد أن الكتابة الإبداعية تختلف عن السيرة الذاتية، لأنها لا تكتفي بتسجيل الوقائع، وإنما تسعى إلى الكشف عما وراء الأحداث والبحث عن المعاني الإنسانية الكامنة فيها، مشيراً إلى أن المرأة والبحر والطفولة والتهجير شكلت محاور رئيسية في تجربته السردية.

ومن جانبها، قالت الكاتبة دينا شحاتة إن الكتابة عن المدينة التي نشأ فيها الإنسان تعد الأصعب، لأن الكاتب يحتاج أولاً إلى تفكيك علاقته بها قبل أن يحولها إلى نص أدبي.


وأضافت أنها لم تكن معنية فقط بتاريخ بورسعيد أو مكانتها الوطنية، بل بالحياة اليومية التي تصنع روح المدينة، مثل جلسات الدومينو، ومباريات النادي المصري، والسمسمية، والمقاهي، والبحر، وطريقة حديث الناس ومواجهتهم لتفاصيل الحياة.


وأوضحت أن روايتها "انخدعنا" جعلت المدينة نفسها أحد الرواة، بوصفها كائناً يمتلك ذاكرة ووعياً، فيما جاء البناء السردي مستلهماً من لعبة الدومينو، بحيث تمثل كل جولة طبقة جديدة من الحكاية وصولاً إلى النهاية التي تعيد قراءة الأحداث من جديد، مؤكدة أن تنوع مستويات اللغة بين الفصحى والعامية جاء انعكاساً لتعدد الأصوات داخل المدينة نفسها.


وقالت الكاتبة سمية الألفي إن للمدن رائحة وإيقاعاً وذاكرة، وإن بورسعيد صنعتها رائحة البحر الممتزجة بالبضائع القادمة من أنحاء العالم، فشكلت ذاكرة مختلفة وهوية فريدة.


وأضافت أن المدينة لم تصنعها الحروب وحدها ولا التجارة وحدها، وإنما صنعها الإنسان الذي عاش التجربتين معاً، ولذلك فإن الأدب البورسعيدي لا يروي فقط حكايات البحر أو المقاومة، بل يقدم إنساناً اتسع أفقه بفعل الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد، واستطاع أن يحافظ على هويته رغم التحولات المتعاقبة.

واستعرض الكاتب صلاح عساف حضور بورسعيد في القصة القصيرة والرواية، مؤكداً أن البحر وقناة السويس وبحيرة المنزلة ظلت تشكل الخلفية الأساسية لأعمال كثير من أدباء المدينة، الذين وثقوا تفاصيل الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها.


وأشار إلى إسهامات عدد كبير من مبدعي بورسعيد، من بينهم مصطفى حجاب، وقاسم عليوة، ومحمد عيد العمي، وإبراهيم صالح، والسعيد صالح، والسيد الخميسي، وسكينة فؤاد، وحنان شهيد، وسامح الجباس، وغيرهم، موضحاً أن أعمالهم تناولت موضوعات المقاومة الشعبية، والتهجير، والانفتاح الاقتصادي، وعلاقة الإنسان بالمكان، وأسهمت في ترسيخ صورة بورسعيد بوصفها مدينة ذات حضور إنساني وثقافي مميز في السرد المصري.


وقال الروائي محمد أبو النجا إن السؤال الذي واجهه أثناء كتابة روايته الأولى "الباروني" كان: هل يبدأ من الشخصية أم من المكان؟ لكنه اكتشف أن الشخصية والمكان كيان واحد لا يمكن فصله، مشيراً إلى أن الإنسان ابن بيئته، وأن الشخصية البورسعيدية لا يمكن فهمها بعيداً عن طبيعة المدينة.


وأوضح أن بورسعيد، بوصفها مدينة ميناء، احتضنت ثقافات متعددة، فصاغت إنساناً منفتحاً يتقبل الآخر ويعتاد التعامل مع الغرباء، بخلاف المجتمعات المغلقة التي تحكمها العصبية والقرابة.

وأضاف أن البحر واتساع الأفق وشوارع المدينة الممتدة على الطراز الهوسماني منحت أبناءها رؤية أكثر رحابة وخيالاً أوسع، وهو ما انعكس على بناء شخصياته الروائية، مؤكداً أن بورسعيد كانت "المؤلف الأول" لكل من عاش فيها.

أما الكاتبة منى الجبريني فأكدت أن بورسعيد في روايتها "نيران مقدسة" ليست مجرد مسرح للأحداث، بل قوة فاعلة تشكل مصائر الشخصيات وتقودها إلى اكتشاف ذواتها.


وأوضحت أن بطلة الرواية، "منار جابر"، تبدأ رحلتها عاملة في أحد مصانع الاستثمار رغم تخرجها في الجامعة، قبل أن يقودها تشجيع المحيطين بها إلى قصر ثقافة بورسعيد لتبدأ مشوارها الأدبي.


كما تناولت شخصية "أحمد" الذي يتحول من شاب يعمل في المصنع إلى مدافع عن حقوق العمال، وشخصية "دنيا" التي تعيش صراعاً بين الحب وضغوط المجتمع، مؤكدة أن الشخصيات الثلاث يجمعها البحث عن الذات، بينما تظل بورسعيد هي القوة الخفية التي تصنع هذا التحول.

طباعة شارك وزير الثقافة محافظ بورسعيد الهيئة المصرية العامة للكتاب معرض بورسعيد للكتاب المدينة البطل في السرد الأدبي

مقالات مشابهة

  • بورسعيد بطلاً للسرد الأدبي.. أدباء وروائيون يستعرضون تجليات المدينة في الرواية والقصة بمعرض الكتاب
  • درجات الحرارة والطقس المتوقّع ليوم الجمعة 24 يوليو 2026
  • القومي لثقافة الطفل : ارسم حلمك مبادرة تستهدف دراسة رسومات الأطفال للوصول إلى أفكار ورؤى للمستقبل
  • هل المصريون فراعنة؟.. إجابة مفاجئة من الدكتور عماد الساعي
  • رئيس مجلس الشورى الإيراني: أرادوا معاقبة إيران فعاقبوا أنفسهم بأسعار نفط ثلاثية الأرقام
  • قيادي بالجبهة: الرئيس السيسي نجح في ترجمة مبادئ ثورة 23 يوليو إلى مشروعات وإنجازات
  • هيئة الكتاب تصدر ديوان “مدن الجراح” للشاعر أحمد عباد
  • بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
  • إطلاق الهوية الصوتية والبصرية وشخصيات كرتونية ثلاثية الأبعاد بوحدة التدريب بإعلام العاصمة
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية