تداعيات الواقع الديموغرافي في ولاية مطرح
تاريخ النشر: 20th, May 2025 GMT
أنور الخنجري
alkhanjarianwar@gmail.com
تُعد التحولات الديموغرافية من العوامل الأساسية التي تؤثر بعمق على المجتمعات من حيث تركيبتها السكانية وبُنيتها الاقتصادية، وتؤدي إلى آثار سلبية تطال سوق العمل، والنمو الاقتصادي، بل وحتى الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وفي هذا السياق، فإنَّ ولاية مطرح التي يمثل الوافدون فيها أكثر من ثمانين بالمائة، وفق احصائيات عام 2024، قد مرَّت خلال العقود الأخيرة بتغييرات عميقة بفعل عوامل متعددة أبرزها اعتماد السلطنة المتزايد على العمالة الوافدة القادمة من مناطق شبه القارة الهندية؛ حيث إنَّ تدفق أعداد كبيرة من هذه العمالة، قد غيّر بشكل واضح الكثير من ملامح التركيبة السكانية في البلاد، مما أدى إلى تراجع أعداد المواطنين في العديد من المحافظات والولايات العُمانية ومنها ولاية مطرح الصغيرة مساحة وسكانًا، حيث إن أغلب سكانها العُمانيين قد هجروها إلى أماكن أخرى بحثًا عن فرص أفضل للعيش والعمل.
هذا التحول لم يكن مجرد تبدل في الأرقام، بل امتد ليُعيد تشكيل ديموغرافية المكان، ويُحدث آثارًا مباشرة على الاقتصاد، وسوق العمل، والسكن، والهوية. ومع استمرار هذا التغيير، بات من الضروري التفكير في حلول شاملة، تبدأ من فهم الواقع وتنتهي باستحداث أفق عمراني واجتماعي جديد، يضمن التوازن والاستقرار؛ إذ إن التغيرات الديموغرافية ليست مجرد أرقام في تقارير الإحصاء، بل هي عوامل حاسمة تشكّل مستقبل المجتمعات واقتصاداتها الوطنية، والتعامل معها بوعي واستباقية هو ما يحدد قدرة الدولة على التكيف وتحقيق التنمية المستدامة في عالم سريع التغير.
لا شك أن التحول الديموغرافي في ولاية مطرح قد انعكس بوضوح على الاقتصاد وسوق العمل وعلى البنية الاجتماعية؛ فالوافدين في الولاية يشكلون العمود الفقري في قطاعات التجارة، والخدمات، والتجزئة، والبناء وغيرها من الأنشطة، ورغم مساهمتهم الضئيلة في عجلة الاقتصاد المحلي إلا أن جزءًا كبيرًا من دخول العمالة الوافدة يُحوَّل إلى الخارج، وهذه التحويلات تمثل استنزافًا للسيولة المحلية، كما إن وجود عمالة وافدة غير نظامية أو بأوضاع قانونية هشة، أدى إلى توسُّع الاقتصاد غير الرسمي؛ مما أضعف من فعالية السياسات الاقتصادية والضريبية وخلق تنافسًا غير عادل في سوق العمل.
وفي ظل هذا الوضع، بات من الضروري وضع سياسات فاعلة لتشجيع أبناء الولاية على العودة والاستقرار في ولايتهم. ولتحقيق هذه الغاية، يُمكن تبنِّي مجموعة من المبادرات والإجراءات العملية المتمثلة في: تمكين أبناء الولاية من الاستقرار داخل النطاق العمراني للولاية، كخطوة أولى أساسية نحو عودتهم. ويمكن دعم ذلك من خلال إعادة صياغة التخطيط الحضري لولاية مطرح كإنشاء مدن جديدة حديثة توزع فيها أراض سكنية لأبناء الولاية وتكون مناسبة لبناء مساكن بسيطة ومتواضعة، بعيدًا عن تعقيدات العقار المُكلف أو العمران الفاخر، أو بناء مجمعات سكنية خاصة بأبناء الولاية تخدم مختلف شرائح الدخل في المجتمع مع ضمان توفر بنية تحتية تشجع على الاستقرار طويل الأمد مع مرافق أساسية (مدارس، مراكز صحية، مساجد، أسواق)، وبحيث تكون في بيئة اجتماعية وثقافية تحاكي طبيعة المدن والأحياء العُمانية الأصيلة.
وبحكم محدودية الأراضي الصالحة للبناء داخل النطاق الحضري في الولاية وازدياد الحاجة إلى حلول إسكانية مُستدامة، فإنه بات من الضروري التفكير خارج الصندوق، واللجوء إلى خيار استحداث أراضٍ جديدة في المرتفعات الجبلية المحيطة بالولاية كخيار إستراتيجي وواعد.
وهذا التوجه لا يهدف فقط إلى التوسع العمراني؛ بل إلى خلق أحياء جديدة تراعي خصوصية السكان وتُعيد التوازن الديموغرافي في ظل طغيان الكثافة الوافدة، مثل المساحات الفضاء الواقعة في المرتفعات الجبلية الممتدة من خلف مستشفى النهضة إلى مدخل قرية البستان، أو المرتفعات الجبلية التي تفصل مدينة مطرح القديمة عن مدينة روي أو تلك المرتفعات الفاصلة بين مدينة مطرح ومنطقة عينت ودارسيت، أو حتى تلك الجبال الواقعة على مسار سكة الخيل بين وادي خلفان ومنطقة ريام الساحلية، كلها مساحات فضاء غير مُستغلة عُمرانًا، وهي مهيأة بكل سهولة، ولو تم التفكير فيها جديًا لزيادة الرقعة السكانية في الولاية، ومع إجراء المسوحات الجيولوجية والهندسية اللازمة فإنها يمكن أن تتحول إلى مدن جديدة بتصميم عمراني مرن يسمح بالبناء التدريجي؛ حيث توفر هذه المرتفعات مناخًا طبيعيًا وموقعا يحاكي تراث المدن الجبلية التقليدية، خاصة وأن بعضها يطل على مناظر بحرية خلابة، الأمر الذي يشجع الأهالي على العودة والاستقرار في الولاية. وتشجيع أبناء الولاية على العودة لا يحقق فقط توازنًا ديموغرافيًا؛ بل يسهم أيضًا في استعادة النسيج الاجتماعي والثقافي، ويعيد توزيع الثروة وفرص العمل بشكل أكثر عدالة.
إنَّ ولاية مطرح تقف اليوم على مفترق طرق، بين واقع ديموغرافي مُتغير، واقتصاد هش في قبضة مافيا العمالة الوافدة، وهذه ظاهرة ذات أبعاد مُعقدة، تحمل في طياتها فرصًا اقتصادية وتحديات اجتماعية، إلّا أنَّ إيجاد توازن بين الاستفادة من هذه العمالة وتنظيم وجودها، مع تمكين المواطنين، هو المفتاح لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة؛ فالعمالة الوافدة أصبحت اليوم جزءًا لا يتجزأ من واقع الولاية، غير أن العمل على رسم ملامح المستقبل عبر تخطيط مدروس، وشراكة مجتمعية، وإرادة سياسية واضحة، يُتيح لولاية مطرح أن تعيد بناء ذاتها وتستعيد توازنها الطبيعي، لتكون مكانًا للجميع... ولكن بهويتها الأصلية التي لا تُشترى ولا تُستبدل.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
30 حريقاً لا تزال متواصلة عبر 16 ولاية إلى غاية الثامنة مساءً
سجلت مصالح الحماية المدنية، إلى غاية الساعة 20:00 من يوم 23 جويلية 2026، 131 حريقاً مست الغابات والأدغال والأحراش والمحاصيل الزراعية وواحات النخيل عبر مختلف ولايات الوطن.
وأوضحت الحصيلة أن 101 حريق تم إخمادها، فيما لا تزال 30 حريقاً قيد الإخماد، موزعة عبر ولايات: عنابة (2)، سوق أهراس (3)، سكيكدة (3)، البويرة (2)، الطارف (3)، جيجل (1)، قسنطينة (4)، بجاية (2)، سعيدة (1)، ميلة (2)، تيارت (1)، تلمسان (1)، قالمة (1)، المدية (1)، أم البواقي (1)، وتيزي وزو (2).
وفيما يتعلق بأهم الحرائق الميدانية، أشارت الحماية المدنية إلى أنه بولاية عنابة، لا تزال الفرق تواصل معالجة حواف حريق منطقة بوزيزي ببلدية سرايدي وإخماد البؤر المشتعلة.
وبولاية سكيكدة، أكدت أن حريق بلدية عين قشرة في تراجع ولم يعد يشكل أي تهديد، فيما يتواصل بولاية البويرة حريق بلدية الهاشمية، لكنه لم يعد يشكل خطراً.
أما بولاية سعيدة، فيتكون حريق منطقة سيدي سعادة ببلدية دوي ثابت من أربع بؤر، ولا يمثل تهديداً في الوقت الحالي، مع تواصل عمليات حماية المساكن.
وفي سوق أهراس، لا يزال حريق مشتة خبوشة ببلدية أولاد إدريس متواصلاً، غير أن التهديد تم احتواؤه في الوقت الراهن.
وبولاية قسنطينة، لا يزال حريق بلدية عين سمارة يشكل تهديداً، حيث تم تنفيذ عمليات إجلاء وقائية للسكان، كما لا يزال حريق جبل الوحش ببلدية قسنطينة متواصلاً.
وفي تيزي وزو، يتواصل حريق منطقة تاخليجث ببلدية أبي يوسف، دون أن يشكل أي تهديد.