افتتاح "المتحف الكبير".. مصر تتحدث بلغة الإبهار
تاريخ النشر: 3rd, November 2025 GMT
د. هبة محمد العطار
لم يكن حفل افتتاح المتحف المصري الكبير حدثًا عابرًا في روزنامة المناسبات الوطنية، بل لحظةً فارقة في خطاب الدولة المصرية إلى نفسها وإلى العالم. لم يكن عن الآثار بقدر ما كان عن الذاكرة، ولا عن الماضي بقدر ما كان عن استعادة الحاضر في أبهى صوره. كانت مصر، في تلك الليلة، تُعيد تقديم ذاتها للعالم عبر رمزها الأقدم، لتؤكد أن التاريخ ليس حائطًا من حجارة، بل مشروع وعي ممتدّ من فجر الحضارة حتى الدولة الحديثة.
منذ لحظة وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيدة الأولى قرينته، بدا كل تفصيلٍ في المراسم منضبطًا على إيقاع فكرة واحدة: مصر تتحدث. المشهد البروتوكولي الدقيق لاستقبال الوفود، وعددهم نحو 80 وفدًا رسميًا من مختلف القارات، كان في ذاته عرضًا للقوة الناعمة. ممثلون لملوك ورؤساء وأمراء من البحرين والسعودية والإمارات والأردن وبلجيكا والدنمارك واليابان ولوكسمبورغ وموناكو وإسبانيا وتايلاند، ورؤساء دول من ألمانيا والجزائر والبرتغال وكينيا والكونغو وفلسطين، ورؤساء وزراء من اليونان وبلجيكا والكويت وهولندا ولبنان وأوغندا. كانت القاعة الكبرى للمتحف في تلك اللحظة تُشبه قاعة للأمم، لكن بروحٍ مصريةٍ تكتب قواعد البروتوكول بلغة الأهرامات.
ثم جاء العرض الافتتاحي «The World Plays One Melody»، بمشاركة أوركسترا عالمي، ليعزف على أوتار الإنسانية لحنًا مصريًا عالميًا. لم تكن الموسيقى هنا خلفية جمالية، بل بيانًا فنيًا عن معنى السيادة الثقافية، إذ تُترجم النغمة المصرية إلى لغة يفهمها الجميع دون مترجم. وبعده أطلّ عرض «رحلة سلام في أرض السلام» في مزيج بديع من الإنشاد القبطي والترتيل الصوفي، في مشهدٍ يختصر عبقرية مصر الروحية؛ بلدٌ يوحّد الأديان في لحن واحد، ويعيد تعريف القداسة كقيمة إنسانية لا طائفية.
الإضاءة والليزر وعروض الطائرات المسيّرة التي غمرت سماء الجيزة لم تكن مجرد بهرجة بصرية، بل محاكاة رمزية لنظرية «حزام الجبار- Orion Belt» التي تربط بين المتحف والأهرامات، في رسالة دقيقة المعنى: أن التخطيط والعلم والإبداع المصري القديم ما زالوا يضيئون العقل الحديث. خلف الضوء، كان هناك عقل مصري يُدير الصورة، ويدرك أن المشهد، حين يُبنى بالجمال، يصبح فعلًا سياسيًا بامتياز.
جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي لتُثبت ذلك المعنى، إذ لم تكن خطابًا رسميًا بقدر ما كانت تأملًا وطنيًا في فلسفة الحضارة. تحدث عن مصر بوصفها «الحضارة الأولى التي علمت العالم معنى الخلق والبقاء»، وعن إرادة المصريين التي لا تعرف الانكسار، مؤكدًا أن مصر اليوم تكتب فصلًا جديدًا من فصول الريادة. لم يُطل الرئيس في كلمته، لكنه ترك المعنى يتردد بين الجدران: أن من يملك التاريخ لا يحتاج إلى الصراخ، وأن الأمة التي تعرف جذورها قادرة على بناء مستقبلها بثقةٍ وهدوء.
رمزية اللحظة بلغت ذروتها حين وضع الرئيس القطعة الأخيرة في نموذج رمزي للمتحف يحمل أسماء الدول المشاركة، كإشارة إلى أن الحضارة لا تُحتكر؛ بل تُشارك. ذلك الفعل البسيط كان أبلغ من أي خطاب دبلوماسي، لأنه اختصر رؤية مصر لنفسها: مركزًا جامعًا، لا قوةً معزولة.
في خلفية المشهد، كان الحفل أيضًا إعلانًا عن فلسفة إدارة جديدة؛ فالحكومة لم تتحمل تكلفة الفعالية كاملة، بل تولى الرعاة والمستثمرون تغطية النفقات، في إشارةٍ إلى أن الجمال يمكن أن يُدار بعقلٍ اقتصاديٍّ رشيد، وأن الوعي بالثقافة لا يتناقض مع الانضباط المالي.
لكن الأهم من كل ذلك أن الحفل قدّم نموذجًا نادرًا لدمج السياسي بالثقافي في توليفة واحدة، بلا افتعالٍ ولا مبالغة. فبين إيقاعات الموسيقى العالمية وأناقة الحضور وعمق الرؤية، بدا الافتتاح وكأنه يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والتاريخ، بين السُلطة والجمال، بين السياسة والروح.
في تلك الليلة، لم تكن مصر تحتفل بافتتاح بمتحفٍ فحسب؛ بل تحتفل بقدرتها على أن تُدهش من جديد، أن تُعلِّم العالم أن الجمال حين يُدار بالوعي يصبح سياسة، وأن الضوء حين يُصاغ بفلسفة يصبح لغة. كان الحفل درسًا في معنى "إدارة الصورة" و"إحياء الذاكرة"؛ حيث تحوّلت الأضواء والأنغام إلى خطابٍ وطنيٍّ ناعمٍ يقول للعالم: هذه مصر التي كانت، وهذه مصر التي ما زالت تمدّ يدها إلى المستقبل دون أن تُفلت من يد التاريخ.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..