مؤشرات رؤية عُمان ماذا تحقق منها؟
تاريخ النشر: 5th, November 2025 GMT
بصدور التقرير الرابع لرؤية عُمان (2040) في نهاية الشهر الماضي، الذي يستعرض مؤشرات الرؤية الموزعة على أربعة محاور رئيسة واثنتي عشرة أولوية وطنية، نكون قد اقتربنا من نهاية الربع الأول من زمن الرؤية. هذه الرؤية بدأ تنفيذها في ظل ظروف استثنائية من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والصحية؛ وبالتالي، ما وصلت إليه من ارتفاع في أغلب المؤشرات يعتبر إنجازًا استثنائيًا.
حسب التقرير الرابع الصادر عن وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان فإن أعداد المؤشرات التي ارتفعت أو أظهرت أداء إيجابيًا بلغت نسبتها (74%) مؤشرًا من إجمالي المؤشرات المضمنة بالتقرير، بعد استبعاد المؤشرات المتوقفة الصدور؛ هذا الارتفاع يعطي انطباعًا بأن الرؤية تتجه نحو تحقيق المستهدفات الواردة في الأولويات الوطنية. وقد يكون من الصعوبة استعراض جميع تلك المؤشرات في هذا المقال، ولكن سوف نحاول التركيز على بعض منها على سبيل الاستدلال.
تضمنت أولوية التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية في وثيقة الرؤية عشرة مؤشرات لقياس الأداء، ولكن ما ورد بنسخة المجتمع ستة منها، وقد يكون ذلك بسبب توقف بعضها عن الصدور. تلك الأولوية تنقسم إلى قطاعين رئيسيين هما: التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية.
ويلاحظ وجود تحسن في خمسة مؤشرات وتباطؤ في مؤشر التطوير الاقتصادي الذي شهد انخفاضًا خلال العام (2023) مقارنة بالعام السابق له. ويفسر البعض انخفاض مؤشر التطوير الاقتصادي بأنه يؤدي إلى جملة من التأثيرات السلبية على القوة الشرائية وقلة توفير فرص العمل، بيد أن الأرقام الإحصائية تشير إلى أن هناك ارتفاعًا سنويًا للعمالة بسوق العمل. الأرقام تشير إلى نتائج إيجابية لمتوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بعد تحديث خط الأساس عما هو مبين بوثيقة الرؤية. هذا المؤشر يقيس الزيادة السنوية من الناتج المحلي الإجمالي مقسوما على عداد السكان.
وإن كان هناك نمو إيجابي، ولكن يحتاج إلى وتيرة أسرع للوصول إلى القيم المستهدفة. الملاحظ بأن هذا المؤشر ورد ضمن أولوية الرفاه والحماية الاجتماعية، ولكن قد يكون من المناسب أن تتم مراجعته مستقبلا ليكون ضمن محور الاقتصاد والتنمية، لأنه في الأساس يندرج ضمن السياق الاقتصادي وإن كان أثره مكملًا ويخدم جوانب الرفاه الاجتماعي.
أيضا فإن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الذي يقيس حجم النمو في الاقتصاد خلال مدة زمنية محددة ارتفع بنسبة إيجابية، ومدلول الزيادة يكون في حجم الإنتاج والخدمات، أما في حال انخفاض النمو فإنه يعطي دلالة على الانكماش الاقتصادي؛ وهذا ما أظهرته قراءة المؤشر في العام (2024). قد يتم تفسير ذلك إلى التباطؤ في إنتاجية القطاع الخاص وأيضا انخفاض معدل الإنفاق الحكومي. المؤشر السابق ذكره، وأيضا مؤشر نسبة التضخم ومؤشر فائض أو عجز الميزانية إلى الناتج المحلي الإجمالي ليس من المناسب إدراج تلك المؤشرات، ضمن أولوية القيادة والإدارة الاقتصادية. تلك الأولوية تتحدث عن وجود كفاءات ديناميكية متجددة تعمل في الإطار المؤسسي. عليه، لقراءة تلك المؤشرات قراءة صحيحة فإنه ينبغي أن يكون هناك توافق بين مفهوم المؤشر والألوية الوطنية التي يعبر عنها.
كما تظهر الأرقام إنجازات استثنائية في جانب الاستدامة المالية؛ وهو انخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، بفعل الوفورات المالية المحققة خلال الأعوام السابقة. هذا التحسن يؤدي إلى تخفيض الفاتورة السنوية للدين العام وأيضا قدرة الحكومة على توجيه الفوائض المالية في زيادة الإنفاق الحكومي لتعزيز الاقتصاد والتنمية.
مؤشرات سوق العمل والتشغيل أخذت منحنيات غير متطابقة؛ فالعمالة في القطاع الخاص لا تزال في مستويات ثابتة خلال السنتين الماضيتين. هذا الثبات يعطي إشارة بأن العمالة الماهرة ومنهم أصحاب المهارات المهنية والفنيين لم يطرأ عليهم تغيير في تركيبة قوة العمل.
في الجانب الآخر فإن الزيادة في المعينين الجدد من العمالة في القطاع الخاص سواء من العمانيين والوافدين فإن أغلبهم من فئة - دون مؤهل وحتى مؤهل دبلوم التعليم العام - والذين بلغت نسبتهم (66%) خلال العام (2024) من إجمالي المعينين الجدد، وبالتالي، قد لا يتم احتسابهم ضمن العمالة الماهرة. عليه فإن التوجه الحكومي نحو استحداث المؤهلات الوطنية ذات المسارات المهنية والفنية والتكنولوجية خطوة في الاتجاه الصحيح نحو رفع مستوى العمالة الماهرة التي يحتاجها سوق العمل. أيضا يمكن تفسير الثبات في مؤشر نسبة العمالة الماهرة بالقطاع الخاص إلى غياب توفير البيانات، كما يظهر ذلك في مؤشر مستقبل النمو المضمن في تقرير تنافسية عمان (2024) في المؤشر الفرعي ـ عمالة كثيفة المعرفة ـ حيث لم يتم تضمين أية بيانات أو أرقام تقيس المؤشر.
على نفس السياق فإن مؤشر حصة العمانيين من إجمالي الوظائف المستحدثة في القطاع الخاص تسير في ارتفاع طفيف بوصولها إلى نسبة (11.8%)؛ هذا يعني بأنه على سبيل المثال، في كل مائة وظيفة مستحدثة يكون نصيب العمانيين منها اثنتي عشرة وظيفة، مع العلم بأن المستهدف هو الوصول بحصة العمانيين من الوظائف المستحدثة بالقطاع الخاص إلى نسبة (35%) في العام (2030).
وإن كان مناسبًا الطرح، فإن معرفة أعداد الباحثين عن العمل بشتى تخصصاتهم ومؤهلاتهم وتوزيعاتهم على المحافظات أصبح أمرًا ملحًًا؛ ولكن حسب ما يظهر فإن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أصبح يتحفظ في الإفصاح عن أعداد الباحثين عن العمل، وهذا لا يتوافق مع مبادئ الشفافية. كما أن التحفظ في نشر أعدادهم يعطي كل جهة أو فرد تخمين أعدادهم الفعلية. مع العلم بأن أعداد الباحثين عن العمل يعتبر من المؤشرات التي ينبغي أن يتم الإفصاح عنها بشكل شهري، وهذه من الممارسات الجيدة في أغلب الدول، حيث تساعد في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
في أولوية التشريع والقضاء والرقابة، تضمنت وثيقة الرؤية خمسة مؤشرات لقياس تلك الأولوية؛ ولكن تم تضمين التقرير الرابع للرؤية مؤشرين: الأول يتعلق بمدركات الفساد حيث شهد تحسنًا إيجابيًا يواكب الواقع من خلال الملاحظات والمخالفات التي ترد بالتقارير السنوية التي ينشرها جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة وتأثير رقابته الفاعلة في مكافحة الفساد. المؤشر الثاني يقيس حرية التعبير والمساءلة ـ ضمن مؤشرات الحوكمة العالمية ـ وأيضا شهد المؤشر تحسنًا طفيفًا، وإن كانت هناك فجوة كبيرة بين الترتيب الحالي (164) من ضمن الدول المدرجة بالمؤشر، بينما المستهدف في العام (2030) هو الوصول بترتيب سلطنة عُمان لتكون ضمن أفضل (50) دولة على المستوى العالمي في التعبير والمساءلة. ويتضح أيضا أنه لم يرد بتقرير نسخة المجتمع، أي مؤشر يقيس التشريع والقضاء، على الرغم من تضمين وثيقة الرؤية لثلاثة مؤشرات.
بالنسبة إلى أولوية حوكمة الجهاز الإداري للدولة والموارد والمشاريع تضمنت وثيقة الرؤية خمسة مؤشرات، ولكن ورد بنسخة المجتمع ثلاثة منها وأخذت منحنى التحسن الإيجابي. وحسب السرد التوضيحي لمؤشر الحوكمة العالمية ـ سيادة القانون ـ أتوقع بأنه من الأنسب الاستفادة منه في قياس التقدم في أولوية التشريع والقضاء، لأنه معني بالعدالة وثقة المواطنين في القوانين، وكفاءة أجهزة الشرطة والقضاء. وكما أسلفنا فالأولوية خلت من أية مؤشرات تقيس التقدم الحالي في التشريع والقضاء.
نختم بالقول بأن المرحلة القادمة من زمن الرؤية، تتطلب تضافرًا مجتمعيًا للوصول إلى التطلعات الوطنية التي ينشدها المواطن؛ وهذا لا يتم عن طريق وحدة متابعة تنفيذ رؤية عُمان وحدها، وإنما بمشاركة حقيقية من الجهات الحكومية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني ومن الأفراد كافة؛ والإيمان بأن الرؤية بنيت لخدمة الإنسان العماني، وبالتالي، نحتاج إلى مزيد من التفاؤل والنظر للمستقبل بطموحات عالية؛ لأن ما تم إنجازه حتى الآن يعتبر نقلة نوعية في ظروف زمنية استثنائية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الناتج المحلی الإجمالی العمالة الماهرة وثیقة الرؤیة القطاع الخاص مؤشر ا
إقرأ أيضاً:
«جلوبال ساوث يوتيليتيز» الإماراتية تطلق المرحلة الثانية من رؤية «بربرة الخضراء»
أعلنت «جلوبال ساوث يوتيليتيز» الإماراتية، التابعة لشركة «ريسورسز إنفستمنت» في أبوظبي بدء تنفيذ مشروع محطة طاقة شمسية كهروضوئية بقدرة 12 ميجاواط مع نظام تخزين طاقة بالبطاريات بسعة 70 ميجاواط ساعة في بربرة، كجزء من المرحلة الثانية من رؤية بربرة الخضراء.
يمثل هذا المشروع المرحلة الثانية من تحول بربرة من الاعتماد على الديزل إلى نظام طاقة أكثر مرونة مدعوم بمصادر الطاقة المتجددة، وذلك بعد تشغيل محطة الطاقة الشمسية التابعة لشركة «جلوبال ساوث يوتيليتيز» بقدرة 5 ميجاواط في المدينة في فبراير 2026.
شهدت المرحلة الأولى إنشاء بنية تحتية لنقل الطاقة بطول 11.2 كيلومتر وبجهد 33 كيلوفولط، وشكّلت بداية استراتيجية أوسع نطاقاً للتحول إلى الطاقة المتجددة، تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على توليد الطاقة بالديزل المستورد في المدينة الساحلية الاستراتيجية بربرة.
وتشهد المرحلة الثانية توسعاً كبيراً في قدرات توليد الطاقة المتجددة، من خلال إدخال نظام واسع النطاق لتخزين الطاقة بالبطاريات، صُمم لتعزيز موثوقية الشبكة وضمان استقرار إمدادات الكهرباء خلال فترات ذروة الطلب المسائية وساعات انخفاض إنتاج الطاقة الشمسية.
ومن المتوقع أن يُنتج هذا المشروع، المتوافق مع أهداف بربرة في قطاعي الطاقة والكهرباء، نحو 24,000 ميجاواط ساعة من الكهرباء النظيفة سنوياً، بما يكفي لتزويد نحو 67,000 منزل بالكهرباء.
وسيسهم المشروع في خفض الانبعاثات الكربونية من خلال الاستغناء التدريجي عن محطات توليد الكهرباء العاملة بالديزل ضمن شبكة كهرباء بربرة، ما سيؤدي إلى تجنب انبعاث ما يُقدّر بنحو 16,500 طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنوياً بما يعادل إزالة أكثر من 3,800 سيارة تعمل بالبنزين من الطرق سنوياً.
وعلى مدى العمر التشغيلي للمشروع، سيصل إجمالي الانبعاثات التي سيتم تفاديها إلى أكثر من 330,000 طن متري من ثاني أكسيد الكربون بما يعادل إزالة أكثر من 76,000 سيارة تعمل بالبنزين من الطرق سنوياً، في خطوة تمثل إسهاماً ملموساً في دعم الجهود العالمية الرامية إلى الحد من الانبعاثات الكربونية.
وستوفّر القدرة الإنتاجية للمرحلتين الأولى والثانية كهرباء تكفي لتلبية احتياجات نحو 95,000 منزل سنوياً، بما يُسهم في توسيع نطاق الوصول إلى الطاقة المتجددة في بربرة بصورة ملحوظة.
وبمجرد دخول المرحلة الثانية عند التشغيل، ستصبح بربرة من أوائل مدن القرن الأفريقي التي تُحقق تحولاً جذرياً بعيداً عن توليد الطاقة المعتمد على الوقود الأحفوري، بما يُرسّخ نموذجاً رائداً للتحول في قطاع الطاقة على مستوى المنطقة.
وقال علي الشمري، العضو المنتدب الرئيس التنفيذي لشركة جلوبال ساوث يوتيليتيز ونائب رئيس مجلس إدارة شركة بربرة للكهرباء: تمثل المرحلة الثانية استثماراً طويل الأمد في البنية التحتية والمرونة الاقتصادية لبربرة ويُعدّ توفر الكهرباء الموثوقة وبأسعار تنافسية عاملاً أساسياً لدعم نمو المدن، وتشغيل الموانئ، وتوسع الأنشطة الصناعية.
ومن خلال دمج إنتاج الطاقة الشمسية على نطاق واسع مع أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات، تعزز بربرة مكانتها مركزا اقتصاديا واستراتيجيا للموانئ في المنطقة، وتبرز كنموذج عملي للتنمية القائمة على الطاقة المتجددة في مختلف أنحاء القرن الأفريقي.
كان الشمري قد أعلن في فبراير 2026 إطلاق «رؤية بربرة الخضراء»، وهي خطة تحول متكاملة تهدف إلى نقل نظام الكهرباء في بربرة من الاعتماد على الديزل إلى منظومة تعتمد على الطاقة المتجددة، مدعومة بأنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية وتقنيات تخزين الطاقة بالبطاريات.
وتمتلك «جلوبال ساوث يوتيليتيز» حصة تبلغ 45% في شركة بربرة للكهرباء، المزود الوحيد للكهرباء في المدينة وتدير حالياً محفظة مشاريع تبلغ قدرتها 20.38 ميجاواط، إلى جانب نظام تخزين الطاقة بقدرة 2 ميجاواط /ساعة، مع خطط لمضاعفة قدرة الطاقة المتجددة بحلول عام 2027 ضمن إطار «رؤية بربرة الخضراء».
طاقة مستدامة ومزدهرة لمدينة بربرة.