أهم تجاوزات ترامب التي تهز أمريكا فعلا
تاريخ النشر: 6th, November 2025 GMT
في الأيام الأخيرة، ومع اقتراب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من بلوغ يومه الثلاثمائة في ولايته الثانية، خاض ما يشبه الجولة الملكية عبر آسيا، مبرمًا صفقات تجارية ومتنعمًا بترف القصور المذهّبة. في كوريا الجنوبية، أهداه مضيفوه نسخة مطابقة من تاجٍ ذهبي قديم، فقال مبتسمًا: «أود أن أرتديه الآن». كانت تلك مزحة تحمل دلالات كثيرة، جاءت بعد أحد عشر يومًا فقط من خروج ملايين الأمريكيين في مظاهرات حاشدة ضد ما اعتبروه نزعة ملكية جديدة في سلطاته، تحت شعار «لا ملوك بعد اليوم» في مئات المسيرات التي عمّت البلاد.
وأثناء الرحلة نفسها، أعلن ترامب عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي استئناف التجارب النووية لأول مرة منذ عقود، وأمر بشن ضربة قاتلة أخرى على ما وُصف بأنه قارب لتهريب المخدرات، فيما يبدو أنه حرب غير معلنة تهدف إلى تغيير النظام في فنزويلا. كما هدد، خلال تجمع سياسي أمام حشد من الجيش الأمريكي الذي يُفترض أنه مؤسسة غير حزبية، بإرسال قواتٍ نظامية إلى المدن الأمريكية، وأقرّ بأنه «يودّ» البقاء في منصبه لولاية ثالثة، قبل أن يتراجع على مضض ليعترف بالقيود الصارمة التي يفرضها الدستور.
وفي واشنطن، كان الإغلاق الحكومي مستمرًا للأسبوع الرابع على التوالي، نتيجة جمودٍ سياسي مع الديمقراطيين في الكونغرس، بدا أن ترامب لا يفعل شيئًا لإنهائه، فيما آلاف الموظفين يعيشون بلا رواتب. كان ذلك، ببساطة، أسبوعًا آخر في «عصر ترامب». فالواقع الجديد في أمريكا بات قائمًا على نسيان فضائح الأمس لإفساح المجال لفضائح الغد.
هل تذكرون حين فرض ترامب رسومًا جمركية عقابية على كندا لمجرد أنه غضب من إعلان تلفزيوني؟ أو حين طالب وزارة العدل بدفع أكثر من مائتي مليون دولار كتعويض عن تكاليف التحقيقات التي أجرتها إدارة بايدن ضده؟ أو حين نشر مقطع فيديو مولّدًا بالذكاء الاصطناعي يُظهره وهو يفرغ القمامة على متظاهرين يحتجون عليه؟ كل ذلك كان «في الأسبوع الماضي» وفي عصر ترامب، يبدو الأسبوع الماضي كأنه مضى عليه دهر. الفجوة السوداء التي تبتلع فضائحنا السابقة لا حدود لها.
لذلك أثارت دهشتي موجة الغضب العارمة والدائمة التي أعقبت قرار ترامب هدم الجناح الشرقي من البيت الأبيض من دون أي جلسة علنية أو إذن رسمي. أحد كبار الجمهوريين، وهو ناخب صوّت لترامب أكثر من مرة، وصف الخطوة بأنها «مقززة» و«مريضة». وأظهرت استطلاعات الرأي أن أغلبية واسعة من الحزبين تعارض عملية الهدم. مرّ أكثر من أسبوع، ولا يزال الناس غاضبين ومحتجين. فهل حدث أخيرًا ما اخترق جدار اللامبالاة؟ وهل ما زال ذلك ممكنًا أصلًا؟
في مأدبة عشاء حضرتها هذا الأسبوع، سأل أحد الحاضرين: «ما أسوأ ما حدث منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض؟». جاءت الإجابات مرعبة بتنوّعها وكان من اللافت أن قلة فقط ذكرت مسألة هدم الجناح الشرقي. قال أحدهم: «تخيلوا لو استيقظ رئيس وزراء بريطانيا يومًا وقرر تدمير جناحٍ من قصر باكنغهام». أكثر ما لفتني هو تنوع الردود: من تسييس ترامب للجيش ووزارة العدل إلى إطلاق ثقافة «اجعلوا أمريكا عظيمة مجددًا» الجديدة، التي تمجّد القسوة وتحتفل بها.
قررت أن أواصل النقاش، فطلبت من بضع عشرات من المفكرين والمحللين إرسال آرائهم حول أكثر الأحداث إرباكًا وتأثيرًا ومفاجأة خلال الأشهر الأخيرة.
تدفّقت الإجابات، عميقة، متألمة، وبصيرة، تذكّرني بأن في تسمية المشكلة قيمة بحد ذاتها، حتى لو لم يكن بالإمكان في الوقت الراهن فعل شيء لإيقافها. فهي نوع من المقاومة، وإن كانت غير كاملة، أمام شعور العجز أمام الأحداث المتسارعة؛ دعوة إلى التوقف لحظة لتأملها وتقييمها، والتفكير فيما هو مهم حقًا وما الذي سيبقى من هذا الزمن المربك والتاريخي الذي نعيشه بلا شك.
بعض من تواصلتُ معهم أرسلوا قوائم طويلة من الوقائع الصادمة. فقد عدّد غاري باس، أستاذ السياسة العالمية في جامعة برينستون، سبعة عشر مثالًا قال إنها «مجرد ما خطر ببالي على عجل» من «العفو عن المتمردين المشاركين في أحداث السادس من يناير» إلى «محاولاته التلاعب بالانتخابات حتى لا تنتهي هذه الكابوسية أبدًا».
أما جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي في إدارة بايدن، فرأى أن الاستسلام المبكر لشركة المحاماة «بول وايس» لمطالب ترامب كان جرس إنذار حقيقيًا، مضيفًا أنه كان بمثابة «الكناري في منجم الفحم» في إشارة إلى الطائر الذي كان يُستخدم قديمًا لاكتشاف الغازات السامة قبل أن تقتل عمّال المناجم.
وكتبت جيل ليبور، زميلتي في مجلة ذا نيويوركر وأستاذة التاريخ الأمريكي في جامعة هارفارد، وهي أيضًا أستاذة قانون في كلية الحقوق هناك، تقول إنها كانت «مندهشة حقًا» عندما سُئل ترامب عمّا إذا كان يرى أنه ملزم بالدفاع عن الدستور، فأجاب ببساطة: «لا أدري». وأضافت: «كانت إجابة صادمة بالنظر إلى أنه أقسم مرتين أن «يصون ويحمي ويدافع عن الدستور».
وتعلّق ليبور قائلة: «يبدو الأمر تافهًا نوعًا ما، لكنه كشف لي ومضة من الصراحة، ذلك الإيماء الخفيف بكتفيه الذي بدا وكأنه يقول: «أوه، من يدري؟»».
وأشار عدة أشخاص إلى الحدث الاستثنائي في قاعدة كوانتيكو العسكرية، حين ألقى ترامب ومعه وزير حربه المعيّن ذاتيًا بيت هيغسِث محاضرة أمام كبار الضباط الأمريكيين عن ضرورة محاربة «العدو من الداخل» وأضاف هيغسِث مطالبًا الجنرالات «بمزيد من تمرينات الضغط».
وكتب جي. مايكل لَتِغ، القاضي المحافظ السابق في محكمة الاستئناف وأحد أبرز المنتقدين لترامب اليوم، قائلًا: «حين خاطب ترامب الجنرالات من مختلف دول العالم الذين استدعاهم إلى كوانتيكو، حوّل الجيش الأمريكي إلى مؤسسة سياسية في ساعة واحدة من تاريخ أمريكا. شتم رؤساءنا السابقين ووصف الديمقراطيين بأنهم «مجانين يساريون متطرفون»، وأعلن أنه، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، سيستخدم مدن أمريكا الليبرالية من الآن فصاعدًا كـ»ميادين تدريب» لخوض الحرب ضد خصومه السياسيين الذين سمّاهم «العدو من الداخل».»
كتب المؤرخ مايكل كازين من جامعة جورجتاون متأملًا في الطموح غير المسبوق لما يحاول ترامب إنجازه في ولايته الثانية: «أكثر ما فعله اضطرابًا هو أيضًا الأكثر أهمية. لقد سعى ترامب إلى تقويض أبرز المكاسب الثقافية والسياسية التي حققتها الحركات الليبرالية والتقدمية منذ ستينيات القرن الماضي: من برامج التمييز الإيجابي إلى شرعية نقابات موظفي القطاع العام، مرورًا بانفتاح أمريكا على المهاجرين من أنحاء العالم كافة. إن هذا المسعى يبرهن على أن ترامب أكثر الرؤساء جذرية، وإذا نجح إلى حد بعيد فسيُنظر إليه كأكثر رؤساء القرن الحادي والعشرين تأثيرًا، وربما كأحد أكثر الشخصيات السياسية نفوذًا في العالم.»
لكن المشكلة الوحيدة في قائمة كازين الطويلة، التي تضمّنت العديد من الأمثلة الأخرى، أنها ربما كانت ضيّقة جدًا بالمقارنة مع حجم المشهد. فشخصيات أخرى، مثل ريتشارد هاس الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، أضافت قائمة ممتدة من الاضطرابات العالمية أيضًا.
وعند جمع الإجابات كافة، بدت أشبه بتقرير «حصر أضرار المعركة»، كما لو أن الجميع يتحسس جسده بعد الانفجار ليتأكد أي الأعضاء نجا من الدمار. كاد جميع المشاركين يشيرون إلى الموضوعات الكبرى التي تظلل حقبة ترامب منها:
- تسييس مؤسساتٍ كانت في السابق محايدة
- توسّع السلطة التنفيذية إلى حدّ تبرير التجاوزات وحتى الخروج على القانون
- إعادة توجيه عقيدة الأمن القومي الأمريكي بعيدًا عن صراع القوى العظمى مثل روسيا والصين، باتجاه الحرب على «العدو من الداخل»
- الثراء الفاحش الصادم لعائلة ترامب، باستغلالهم سلطة الرئاسة لخدمة مصالحهم الخاصة
- وأخيرًا، انهيار من كان يمكنهم الوقوف في وجهه من الكونغرس إلى المحكمة العليا إلى قيادات المجتمع المدني.
هذا الأخير، في رأيي، كان الأكثر إذهالًا لكثيرين. فترامب لم يعد لغزًا لأحد؛ هو معروف تمامًا الآن. لكن ما يثير الدهشة أنه أصبح مرآة لأمريكا ذاتها، يعكس هشاشتها واستعدادها للاستسلام.
قال مايلز تايلور، المسؤول السابق في وزارة الأمن الداخلي، الذي كتب المقال الشهير المجهول من داخل إدارة ترامب الأولى وتعرّض للتحقيق في ولايته الثانية: «الأمر الأكثر إدهاشًا وكان ينبغي ألا يفاجئنا هو مدى فاعلية التخويف. قطاعات كاملة من المجتمع التي وقفت بوجهه في ولايته الأولى، سُحقت الآن وطرحت أرضًا كما تُرمى المناديل الورقية، ولم تعد تبدي سوى مقاومة واهنة أمام استيلائه على السلطة وحملته للانتقام. لم نكن مستعدين لذلك، وها هو واضح للعيان». وهذا ما يصيبني بالذهول أنا أيضًا. فكم من قرارات فردية صغيرة تراكمت لصنع «ملكٍ أمريكي». وربما هناك سبب وجيه يجعل رئيس كوريا الجنوبية يهديه تاجًا ذهبيًا، أو يجعل قادة شركات عملاقة مثل آبل وأمازون، التي نستخدم خدماتها يوميًا، يقدّمون ملايين الدولارات للمشاركة في هدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض. أما الجمهوريون في الكونغرس، الذين تقاعسوا عن أداء واجبهم الدستوري في حماية سلطتهم التشريعية، فقد يبررون صمتهم بأنه الثمن اللازم للاحتفاظ بمناصبهم داخل حزبٍ لا يتسامح مع أي معارض لزعيمه.
وهكذا جاءت كارثة عام 2025: ما بدا منطقيًا على مستوى الأفراد تحوّل إلى جنونٍ جماعي في الواقع. وسأترك الكلمة الأخيرة لصديقتي الجامعية روبي باكستر، مستشارة الأعمال الاستراتيجية ومؤلفة من وادي السيليكون، التي كتبت تقول: «أكثر ما يدهشني هو أن لا أحد يوقفه فعلًا».
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی ولایته
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.