"قمة المنامة".. فرصة لترسيخ التكامل وتجديد الثقة
تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT
عبدالنبي الشعلة **
بعد يومين، تستقبل البحرين أصحابَ الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون الخليجي- حفظهم الله ورعاهم- ضيوفًا على صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البحرين- حفظه الله ورعاه- للمشاركة في الدورة السادسة والأربعين للمجلس الأعلى. والبحرين، قيادةً وحكومةً وشعبًا، ترحّب بالضيوف الكرام وتتمنى لهم كل النجاح والتوفيق في أعمالهم.
وحين تفتح المنامة أبوابها لقادة دول الخليج، فإنها لا تستقبل وفودًا رسمية رفيعة المستوى فحسب؛ بل تحتضن آمال شعوب، وتطلعات أجيال، ورغبة صادقة في أن يكون هذا الكيان الخليجي أكثر قوة وتماسكًا في مواجهة عالم شديد الاضطراب وسريع التغير. فالقمة القادمة ليست مناسبة بروتوكولية على جدول السياسة؛ بل محطة تُختبر فيها إرادتنا الجماعية، ويُقاس فيها مدى تصميم دول المجلس على المضي نحو المستقبل بثقة وشجاعة.
لقد باتت الأزمات العالمية والأحداث الإقليمية تتقاطر على منطقتنا بلا انقطاع. تقلبات أسعار الطاقة، والاضطرابات في الأسواق المالية، وتغير خرائط النفوذ، والتوترات الأمنية… كلها تفرض نفسها دفعة واحدة، وكأن الزمن قرر أن يختبر صلابة الخليج وقدرته على الصمود أمام العواصف. وعلى الرغم من ذلك، فقد أثبتت دولنا مرارًا قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، وعلى الوقوف صفًا واحدًا حين تشتد الأزمات.
وتقف دول الخليج اليوم أمام فرص نوعية لإعادة رسم مستقبلها الاقتصادي والسياسي. فمشروعات التحول الوطني والتنويع الاقتصادي تنطلق بوتيرة غير مسبوقة، وقطاعات جديدة تتبلور في مجالات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والصناعة والسياحة. فيما يبحث القطاع الخاص عن فضاء خليجي أوسع يساعده على التوسع والابتكار، وتتابع الأسواق العالمية باهتمام دور الخليج في قيادة التحولات الكبرى في الطاقة والاستثمار والاقتصاد الرقمي.
وفي هذا السياق، يصبح لزامًا على القمة القادمة أن تلتفت بجدية إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها الدول الأقل حظًا في المجموعة؛ فهذه الدول قدمت عبر عقود نموذجًا في الالتزام بوحدة الصف والمصلحة الخليجية المشتركة، إلّا أن التحديات المالية التي تواجهها اليوم تتطلب برامج دعم وإسناد سخية، راسخة، وبعيدة الأثر، تُعيد إليها القدرة الكاملة على المشاركة في مشاريع التطور والنمو التي تحتاجها المنطقة؛ إذ لا ينبغي- ولا يصب في مصلحة أحد- أن تتحول هذه الدول إلى حلقات ضعيفة في مسيرة التكامل.
إنَّ الاستثمار في استقرار هذه الدول وقوتها هو استثمار في أمن الخليج كله، كما فعل الاتحاد الأوروبي عندما دعم إسبانيا والبرتغال واليونان بسخاء عند انضمامهما، ثم كرر التجربة مع عدد من دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فقد أثبتت تلك التجارب أن التكامل الحقيقي لا يقوم إلا على مبدأ التوازن بين المركز والأطراف، وأن النهضة الشاملة لا تتحقق إلا حين ينهض الأقوى بالأضعف.
وهنا يبرز دور القمة في المنامة، من خلال الانتقال من مرحلة النوايا الطيبة إلى مرحلة القرارات الجريئة، وتحويل الآمال والطموحات إلى برامج عمل واضحة قابلة للتنفيذ والقياس. نحن بحاجة إلى منظومة اقتصادية خليجية أكثر ترابطًا، وإلى أمن مشترك أكثر صلابة، وإلى صوت إقليمي أكثر حضورًا وتأثيرًا في عالم لا يعترف إلا بالقوة الجماعية.
أما في الجانب الأمني، فقد أصبحت الحاجة إلى رؤية دفاعية مشتركة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالتحديات الأمنية الحديثة تتجاوز الحدود، وتفرض على دول المجلس تعزيز التعاون العسكري والأمني، وتطوير القدرات السيبرانية، وإنشاء منظومات إنذار مبكر، وتنسيقا أعمق في مجالات الاستخبارات والدفاع. إن حماية الخليج مسؤولية جماعية، وركن أساس من أركان المصير المشترك.
واستضافة البحرين لأعمال القمة، هو تأكيد لدورها في تعزيز أواصر التعاون الخليجي ودفع الحوار نحو حلول متوازنة. فقد أثبتت المنامة دائمًا أنها صوت الحكمة والاتزان، وأنها قادرة على صوغ مساحات مشتركة تلتقي عندها الرؤى وتتوحد عندها المواقف، بعيدًا عن كل ما يفرق الصف ويشتت الجهود.
ونحن على أعتاب القمة، تتجدد آمال شعوب الخليج في أن تكون هذه القمة قمة للفرص، وقمة لقرارات جريئة ترسخ الثقة وتدفع بمسيرة التعاون خطوات واسعة إلى الأمام. فدول الخليج تمتلك اليوم رصيدًا استثنائيًا من الموارد، ومشروعات كبرى، وقدرات مالية واستثمارية متنامية، وشعوبًا شابة تتمتع بالإبداع والطموح، وتطمح أن ترى غدًا أكثر إشراقًا وتقدمًا.
إنَّ المطلوب اليوم هو التمسك بروح المبادرة، والالتقاء عند نقاط القوة، وتعزيز التكامل في كل المجالات، حتى يصبح مجلس التعاون منصة حقيقية لصناعة المستقبل، لا مجرد إطار للتشاور وتبادل الآراء. فقمة المنامة ليست مجرد اجتماع؛ بل رسالة واضحة بأن الخليج، رغم كل التحديات، لا يزال موحدًا في رؤيته، ثابتًا في مواقفه، مؤمنًا بثوابته، ومُصمِّمًا على مواصلة دوره الفاعل في صياغة مستقبل المنطقة والعالم.
** كاتب بحريني
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
انطلاق القمة الروحية في دار طائفة الموحدين الدروز.. أبي المنى: لن ننقل السياسة إلى الطاولة
أكد شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، خلال القمة الروحية، تقديره للحضور، معرباً عن أمله في أن يترك "مشهد الأخوة" أثراً إيجابياً في ظل الظروف التي يمر بها لبنان.وقال أبي المنى إن المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع تحتاج إلى "نوايا طيبة وأيد عاملة قوية ترفع الركام وتبني من جديد"، داعياً إلى الاحتكام إلى الدستور واحترام الحقوق والتاريخ والتضحيات وهواجس العائلات اللبنانية ودماء الشهداء.
وشدد على الركون إلى الدولة لترعى الأمن، لافتاً إلى أن وجود تباينات بين القيادات السياسية أمر بديهي، لكن الواجب يفرض عدم نقل هذه التباينات إلى الطاولة الروحية.
وأكد أن دور القادة الروحيين ليس تبني المواقف السياسية أو الدفاع عنها، في وقت يعلّق الشعب آماله على وحدتهم، وينظر إليهم باعتبارهم عنواناً للتوجه الإنساني العقلاني.
وأضاف: "نلتقي اليوم على طاولة المحبة والأخوة، ونطلق رسالة أبوية، ونتعهد أمام الشعب بأننا لن نسمح بقطع حبل الود، ولن ندخل ملعب السياسة لأداء أدوار دفاعية أو هجومية".
واعتبر أبي المنى أن رسالة المرجعيات الروحية هي رسالة إنسانية وأخلاقية، تقوم على رفع الصوت بعقلانية ووعي وحكمة وأخوة، بعيداً من السجالات وشحن النفوس.
وختم بالتأكيد أن الشراكة الوطنية هي المظلة التي لا ينجح أي إصلاح من دونها، بعيداً من منطق الغلبة أو الإلغاء، وفي إطار دولة جامعة ومؤسسات ودستور، داعياً إلى العمل معاً لتسخير الإمكانات الوطنية وتقوية المجتمع. اضاف:" نناشد الاشقاء والدول المؤثرة لوضع حد للاعتداءات الاسرائيلية وابرام اتفاقات واقعية لانهاء الحرب اذ من غير المجدي المفاوضة من موقع استسلام، وعلينا التعامل بحكمة مع سبل الخلاص من دون الغرق بمواجهات غير محسوبة النتائج".
وأكد وجوب الالتفاف حول الدولة وتأمين عودة النازحين وضمان التزام اسرائيل بأي اتفاق. ولفت الى ان التعدد ليس طرفا يجب تخطيه بل شرف يجب ان نغنيه، على مساحة لبنان الكبير، حيث لا يمكن الغاء اي مكون لبناني. مواضيع ذات صلة شيخ عقل طائف الموحدين الدروز سامي ابي المنى خلال القمة الروحية: نقدر هذا الحضور الكريم ونأمل ان يكون لمشهد الاخوة الذي يجمعنا أي أثر خاصة في الوضع الذي يمر به لبنان Lebanon 24 شيخ عقل طائف الموحدين الدروز سامي ابي المنى خلال القمة الروحية: نقدر هذا الحضور الكريم ونأمل ان يكون لمشهد الاخوة الذي يجمعنا أي أثر خاصة في الوضع الذي يمر به لبنان