إعلاميون خليجيون لـ"الرؤية": "قمة المنامة" تُرسِّخ جهود البحرين الداعمة لمسيرة التعاون
تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT
◄ الجبر: القمة الخليجية فرصة لإعادة تقييم الجهود القائمة في عدة مجالات اقتصادية وأمنية
◄ السليماني: "قمة المنامة" تسعى لإعادة تموضع "مجلس التعاون" بعد عامين من "التحولات العميقة"
◄ العكراوي: "قمة المنامة" تعكس المكانة المحورية للبحرين في تعزيز العمل الخليجي المشترك
◄ الجهني: تنويع مصادر الدخل وأمن الطاقة من أبرز الملفات الاقتصادية على طاولة "القمة"
الرؤية- مدرين المكتومية
أجمع إعلاميون خليجيون على أن استضافة مملكة البحرين لأعمال القمة الخليجية السادسة والأربعين، في العاصمة المنامة، تبرهن على دورها الريادي ضمن منظومة مجلس التعاون، وتعكس رؤية واضحة لتعزيز مسيرة العمل الخليجي المشترك، والتنمية والاستقرار في دول المجلس، وذلك وسط جهود مُكثَّفة وجاهزية عالية لتنظيم هذا الحدث الأبرز إقليميًا؛ بما يواكب طموحات المرحلة المقبلة.
وقالت نوال الجبر مديرة تحرير جريدة الرياض السعودية إن المنامة تستضيف القمة الخليجية وسط مرحلة دقيقة تستدعي قراءة متأنية للمشهد الإقليمي، وتتطلب تثبيتًا لأدوار مجلس التعاون، في ظل متغيرات تتسارع من حوله، مشيرةً إلى أن القضايا المطروحة في الوقت الراهن ليست جديدة في جوهرها، لكنها تتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا. وذكرت- في حديث خاص لـ"الرؤية"- أن التجربة الخليجية، خلال العقود الماضية، أثبتت أن العمل المشترك كان أحد أبرز عوامل استقرار المنطقة، رغم ما واجهته من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية. وأضافت: "في ظل التطورات الدولية وسرعة تحولات الطاقة وسلاسل الإمداد، تبرز الحاجة لتحديث آليات العمل وتعزيز التعاون في الملفات ذات البعد الاستراتيجي، بما يحول دون تأثر المصالح الخليجية بالتحولات العالمية المتلاحقة".
وأوضح الجبر أن القمة الخليجية تُمثِّل فرصةً لإعادة تقييم الجهود القائمة في مجالات الأمن البحري، وتطوير الرؤية الاقتصادية المشتركة، والانتقال إلى مستوى أوسع من التكامل الذي يواكب الطموحات المستقبلية لدول المجلس، خاصة في القطاعات الحيوية كالطاقة، والاستثمار، والتقنية، والاقتصاد الجديد. وأكدت مديرة تحرير جريدة الرياض السعودية أن استضافة البحرين لأعمال القمة تكتسب أهمية خاصة؛ لما توفره من بيئة سياسية داعمة للحوار، وما تعكسه من التزام ثابت بمسار العمل الخليجي، لافتةً إلى أن المنامة كانت دائمًا محطةً قادرةً على جمع المواقف وتسهيل النقاشات، وهو ما يمنح هذه الدورة مساحة أوسع لبحث الملفات العالقة واقتراح خطوات عملية أكثر قُربًا من الواقع.
وشدد الجبر على أن التحديات الإقليمية والدولية القائمة تجعل من قمة المنامة محطة مناسبة لإعادة بناء مقاربة خليجية أكثر تنسيقًا، تستند إلى رؤية واضحة وتفاهمات أعمق، وتعمل على صون استقرار المنطقة وترسيخ دور مجلس التعاون كفاعل رئيسي في محيطه.
جدول أعمال مزدحم
وقال الإعلامي الكويتي الدكتور غانم السليماني إنّ المنطقة تترقّب قمة البحرين التي تستعد لاستقبال قادة دول مجلس التعاون في ظرفٍ إقليمي بالغ الحساسية، تشهد فيه الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية تداخلات معقّدة. وأضاف- في تصريح لـ"الرؤية"- أن القمة تنعقد وسط أزماتٍ إقليمية متشابكة، أبرزها تداعيات الحرب في غزة على المنطقة، والضغوط الاقتصادية العالمية، وتحدّيات التحول في أسواق الطاقة.
وأشار السليماني إلى أنّ هذه المعطيات تضع القمة المقبلة أمام جدول أعمال مزدحم بالملفات الثقيلة التي تمسّ جوهر الأمن الخليجي ومصالحه الاستراتيجية، إلى جانب تعزيز والمضيّ في المشاريع الخليجية المشتركة لضمان نجاح القمة وتعزيز مسيرة مجلس التعاون الخليجي. وتشمل الأولويات توحيد المواقف إزاء التطورات الإقليمية، ومواصلة تنفيذ قرارات القمم السابقة، خصوصًا تلك المتعلقة بالسوق الخليجية المشتركة، واتحاد الجمارك، والمشاريع الصناعية المشتركة.
وأكد السليماني أنّ القمة الخليجية الـ45 التي استضافتها الكويت في ديسمبر 2024 حققت نجاحًا باهرًا ركّز على دعم مسيرة التكامل الاقتصادي وتطوير العمل الخليجي المشترك في مجالات الطاقة والأمن الغذائي والمناخ. وأشار إلى أن القمة السابقة في الكويت شهدت تطابقًا خليجيًا على توسيع استخدام الطاقة النظيفة وتعزيز استثمارات الصناديق السيادية الخليجية في قطاعات التكنولوجيا والتحول الأخضر، كما أقرت القمة السابقة خطة تنفيذية لمبادرات الرؤى الاقتصادية لدول المجلس وربطها بمشاريع النقل والربط الكهربائي والذكاء الاصطناعي، مع تأكيد الالتزام بالاستقرار المالي وتطوير سياسات موحّدة لجذب الاستثمار الأجنبي.
وأضاف السليماني أنّه من المتوقع أن تعمل قمة المنامة على البناء فوق ما تحقق من هذه القرارات، خصوصًا ما يتعلق بتفعيل السوق الخليجية المشتركة بشكل كبير وملفات البنية التحتية العابرة للحدود، إلى جانب مناقشة الملفات الإقليمية الثقيلة في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتعثر المساعي الدولية لتنفيذ وقفٍ فعلي لإطلاق النار. وأوضح أن من المرتقب أن تبحث القمة سُبُل دعم الجهود الإنسانية، وتنسيق المواقف الخليجية في المحافل الدولية؛ بما يعكس وحدة الموقف العربي إزاء التصعيد المستمر في الأراضي الفلسطينية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، ذكر السليماني أن من المرجّح أن تُعلن القمة عن إعطاء دفعٍ جديد لاستراتيجيات الطاقة، والتحول نحو الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة، في ظل التوجّه العالمي نحو الطاقة النظيفة، مؤكدًا أن الدول الأعضاء تسعى بقوة إلى تسريع تنفيذ مشاريع الربط الكهربائي وتقنيات الشبكات الذكية لتعزيز كفاءة الطاقة وتوفير التكلفة؛ استنادًا إلى توجهات القادة نحو التحول الاقتصادي في دول الخليج، إلى جانب تطوير التحول الرقمي والتكنولوجيا ضمن التعاون الاقتصادي الخليجي. ويتوقع السليماني أن تُطرح على جدول أعمال القمة مبادرات مشتركة لتعزيز الأمن الغذائي في دول الخليج، مع التركيز على زيادة الإنتاج المحلي والزراعة المشتركة استجابةً لتغير المناخ وضغوط سلاسل الإمداد.
وقال السليماني إنّ القمة الخليجية الـ46 تُشكِّل "إعادة تموضع لمجلس التعاون بعد عامين من التحولات الإقليمية العميقة"، مشيرًا إلى أنّ التوقع العام يتمثل في صدور بيان خليجي مُوحَّد يؤكد على وحدة الموقف وضرورة الانتقال من إدارة الأزمات في الإقليم إلى بناء سياسات استباقية.
وأوضح أنّ القادة الخليجيين سوف "يسعون في قمة المنامة إلى تثبيت التوازن بين التحديات الأمنية والاقتصادية"، مبينًا أنّ الأولوية ستكون لتأمين استقرار أسواق الطاقة والخطوط البحرية، بالتوازي مع استمرار الاستثمار في مشاريع التحول نحو الطاقة النظيفة.
وأشار إلى أنّ من المتوقَّع أن تُطلق القمة آلية متابعة للتكامل الاقتصادي تشمل مراجعة تنفيذ قرارات السوق الخليجية المشتركة وربطها بالمشاريع الصناعية العابرة للحدود، لافتًا إلى أنّ الدول الست باتت تدرك أن وحدة السوق الداخلية ضرورة أمنية واقتصادية.
وأكد السليماني أن ملف إعادة الإعمار في غزة قد يحضر في البيان الختامي ضمن مقاربة إنسانية واقتصادية، إلى جانب تأكيد دعم الاستقرار في سوريا، لافتًا إلى أن قمة البحرين، ورغم ثقل ملفاتها، يُنتظر أن تُكرِّس مسار الواقعية السياسية الخليجية، القائم على توحيد الرؤية تجاه التحولات الإقليمية والاقتصادية، مؤكدًا أن نجاحها "سيقاس بقدرتها على تحويل التنسيق السياسي إلى برامج اقتصادية وتنموية قابلة للتنفيذ تعيد رسم أولويات مجلس التعاون في مرحلة ما بعد الأزمات الاقتصادية".
التكامل الخليجي
وأكدت الإعلامية البحرينية مروة خميس العكراوي أن استضافة مملكة البحرين لأعمال القمة الخليجية السادسة والأربعين تُجسِّد المكانة المحورية التي تحتلها المملكة في تعزيز العمل الخليجي المشترك، وترسخ دورها الفاعل في قيادة مسيرة التكامل بين دول مجلس التعاون. وأشادت العكراوي- في حديث لـ"الرؤية"- بالجهود الاستثنائية التي يقودها جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البحرين، والتي أسهمت في ترسيخ حضور البحرين كوجهة دبلوماسية قادرة على احتضان الفعاليات الخليجية الكبرى، مؤكدة أن هذه الاستضافة ليست مجرد حدث سياسي فحسب؛ بل تأكيد على رؤية جلالته الحكيمة في دعم مسيرة الوحدة الخليجية وترسيخ الشراكات الاستراتيجية بين دول المجلس.
وأوضحت أن احتضان البحرين لهذا الحدث الاستراتيجي يأتي في ظل رؤية واضحة للارتقاء بمنظومة التعاون الخليجي في مختلف المجالات، وبما يعكس الدعم الكبير الذي تحظى به مسيرة المجلس من القيادة البحرينية، وما تُظهره المملكة من جاهزية عالية لتنظيم الفعاليات الكبرى وفق أعلى المعايير.
وأكدت أن القمة تحمل أهمية خاصة لما تتضمنه من ملفات حيوية تمس حياة المواطن الخليجي وتعزز استقرار وتنمية دول المجلس، معربةً عن تقديرها للجهود التي تبذلها المملكة لضمان نجاح هذا الحدث، وعن ثقتها بأن البحرين ستقود المرحلة المقبلة من العمل الخليجي المشترك بكل اقتدار.
قضايا حيوية
من جهته، أكد الصحفي السعودي أحمد الجهني أن القمة الخليجية في المنامة تُمثل محطة محورية في مسيرة مجلس التعاون الخليجي، وفرصة لتجديد الالتزام بالعمل المشترك وتعزيز مكانة المجلس كمنظومة قادرة على التكيف مع المتغيرات وصياغة رؤى جماعية متوازنة، تسعى دومًا إلى استقرارها ومناقشة كافة المستجدات على الساحة الدولية والإقليمية. وقال- في تصريح لـ"الرؤية"- إن من المتوقع أن تُركِّز القمة على تعزيز التنسيق السياسي بين دول المجلس؛ بما يشمل توحيد المواقف تجاه التطورات الإقليمية وبناء منظومة أكثر فاعلية للأمن الجماعي، كما يُنتظر أن تتناول مسألة حماية الملاحة البحرية وأمن خطوط الطاقة؛ باعتبارها من القضايا الحيوية التي ترتبط بأمن واستقرار المنطقة والعالم. وأضاف أن الجانب الاقتصادي لن يغيب عن طاولة القمة؛ إذ يُتوقّع أن تتواصل الجهود الرامية إلى دفع عجلة التكامل الاقتصادي عبر مشاريع الربط المختلفة، وتعزيز التجارة البينية، وتحفيز الاستثمارات المشتركة، ومناقشة خطط تنويع مصادر الدخل في ظل التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي.
وقال إن من الجوانب المهمة التي من المتوقع أن تحظى باهتمام القمة، ملف الطاقة والاستدامة؛ حيث تتطلع دول الخليج إلى المحافظة على دورها المحوري في أسواق الطاقة التقليدية، بالتوازي مع التوسع في مجالات الطاقة المتجددة والتقنيات المرتبطة بالهيدروجين والحياد الكربوني، كما يتوقع أن يُفتح المجال للنقاش حول قضايا التحول الرقمي والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، بما يعزز قدرة الدول الخليجية على مواجهة التحديات التقنية المتنامية والاستفادة من فرص الاقتصاد الرقمي.
وأعرب الجهني عن أمله في أن تُسهم في تعميق وحدة الصف الخليجي وتحصين الموقف المشترك في مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية، وأن تُطلق القمة خطوات عملية لتعزيز التكامل الاقتصادي، وبناء سوق خليجية أكثر ترابطًا، وتوفير بيئة تدعم الابتكار والتعليم وتمكين الشباب والمرأة. كما عبر عن تطلعه لأن تفتح القمة آفاقًا جديدة من التعاون في مشاريع التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة، وأن تضع أُطرًا مشتركة لمواجهة التحديات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية التي تتطلب تنسيقًا يتجاوز الجهود الفردية.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.