ط م ب أ ح الاختصار الجديد المرعب الذي يستخدمه الأطباء للضحايا الصغار في غزة
تاريخ النشر: 20th, January 2024 GMT
في وقت مبكر من صباح يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 قصفت القوات الإسرائيلية منزل أسرة الطفلة جود يونس ابنة الأعوام التسعة في وسط غزة. وأدى الانفجار إلى قذف الفتاة الصغيرة من سريرها إلى الشارع.
وعندما حاول الأطباء الذين يعالجونها في مستشفى قريب الوصول إلى أسرتها، أدركوا حينها أنهم لا يستطيعون ذلك؛ لأنه لم ينجُ غيرها من أسرتها التي كانت مكونة من والدتها وأبيها وأخوتها الخمسة.
وهكذا أصبحت جود واحدة ضمن ما يُعرفون الآن في مستشفيات غزة اختصارا بـ "ط م ب أ ح"، أي "طفل مصاب بدون أسرة حية"، كما أورد تقرير لصحيفة "ديلي تلغراف" اليوم السبت من القدس.
وذكر تقرير الصحيفة البريطانية أن هذا الاختصار المرعب، الذي سُلط الضوء عليه في قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في لاهاي، يعكس الخسائر غير العادية التي خلّفتها الحرب على أطفال غزة.
وتقدّر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) نسبة الأطفال بـ 40% من 24 ألف شخص قُتلوا في الحرب، وفقا لوزارة الصحة في قطاع غزة.
واليوم تعيش جود مع خالتها دنيا البردويل التي صحبتها من المستشفى بعد الوصول إليها، وتماثلت للشفاء من الشظية التي أصابت إحدى قدميها.
وتحكي دنيا البردويل للصحيفة، بينما كانت جود جالسة متجهمة على أريكة قريبة، "كانت نائمة قرب النافذة وأدّت موجة الانفجار إلى إلقائها خارج البيت وهي نائمة. وأحاول الآن تعويضها ما فات بأن تعيش حياتها القديمة قبل الحادث".
مصطلح معترف به
وأشارت الصحيفة إلى نقاش الدكتور ألدو رودريغيز، جراح مكسيكي يعمل مع منظمة أطباء بلا حدود، في وقت سابق من هذا الأسبوع حول ظهور اختصار "ط م ب أ ح" في شهادة أصدرتها المنظمة.
حيث قال "بعض أصعب اللحظات بالنسبة لي في غزة كانت خلال العمليات الجراحية التي كنت أجريها كل يوم، التي يتراوح عددها ما بين 20 إلى 25 عملية. ونظرا لعدد الأطفال الكبير الذين يصلون وحدهم دون أي من أفراد الأسرة، بدأنا نستخدم هذا الاختصار".
وقال الدكتور عماد الهمص، الذي يعالج مرضى الإصابات الطفيفة في خيمة على أرض مستشفى الكويت في رفح، إن "ط م ب أ ح"، أصبح الآن مصطلحا معترفا به على نطاق واسع.
وقال "هذا هو الاختصار الذي نستخدمه وصادفناه كثيرا في الآونة الأخيرة. وهذه هي أول حرب نشهد فيها مثل هذه الضراوة والفظاعة، ولدينا العديد من الحالات التي أتت إلينا وقد فقدت أسرها بالكامل".
وختم تقرير تلغراف بما قاله الدكتور رودريغيز، الذي قضى 3 أسابيع في مستشفى غزة العام الماضي، إن العديد من الأطفال الذين أجرى لهم عمليات جراحية سُمح لهم بالبقاء في أرض المستشفى، وكأنهم في نوع من طي النسيان.
وقال "كل يوم كنت أرى هؤلاء الأطفال وحيدين ومدمرين. وهو وضع مأساوي؛ لأنها ليست مجرد عملية جراحية تُجرى، بل كل ما يتبعها بعد ذلك".
وأضاف "وحتى لو خرجوا من المستشفى، فسيهيمون على وجوههم؛ لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون ولا مكان أمامهم يذهبون إليه. ربما يتحسنون بدنيا، لكنهم مدمرون نفسيا".
المصدر
المصدر: الجزيرة
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود