إرث الطائفية.. سلاح يهدد مساعي السوريين لبناء دولتهم
تاريخ النشر: 9th, May 2025 GMT
بعد 6 عقود من حكم حزب البعث، وهيمنة عائلة الأسد على السلطة في سوريا، يتركز اهتمام السوريين على بناء دولة وطنية ديمقراطية، تتوفر فيها شروط الحياة الكريمة، على الرغم مما يواجهونه من تحديات، وواقع معيشي مثقل بالهموم والمصاعب.
وحذر خبراء من أن الطريق إلى هذا الهدف لا يزال يواجه عوائق كثيرة، فبالإضافة إلى إرث الرئيس المخلوع بشار الأسد وتداعياته على بلد خرج لتوه من الجحيم، ولا يزال يعاني من أزمة إنسانية متواصلة منذ 2011، تواجه سوريا هجمة مضادة، تسعى من خلالها فلول النظام السابق إلى جانب قوى محلية وجهات خارجية إلى تقويض ما أنجزته الثورة، وصبغ المرحلة الانتقالية بصبغة طائفية، تمهيدا لإنشاء كيانات تخدم مصالحها وتوجهاتها.
يوارى أحمد، خلفَ هدوئه، وهو يتحدث، أوجاع سنوات من القهر والعذاب، فقد فر مع عائلته إلى تركيا إثر تعرض أحياء مدينة حمص الثائرة وسط البلاد لقصف بري وجوي حوّلها إلى ركام.
وبعد سقوط الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، استفاد كغيره من السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة في تركيا، من تسهيلات قدمتها الحكومة التركية، سمحت لهم بزيارة مدنهم الأصلية، والاطمئنان على سلامة أوضاعها، قبل أن يقرروا العودة ومغادرة تركيا بشكل طوعي.
إعلانوتحدث أحمد للجزيرة نت عما شاهده قائلا "رأيت منزلي مجرد أطلال، الحياة شبه معدومة داخل الحي بسبب الخراب، وعلى مشارف أحياء أخرى تتمركز قوات الأمن العام تراقب بحذر حركة السيارات دون إزعاج، بعد أن تعرض بعض عناصرها لكمائن محكمة من قبل فلول النظام السابق، أسفرت عن مقتل العشرات".
وخلال الفترة التي قضاها، شنت تجمعات عسكرية لفلول النظام السابق في مدن مجاورة لمدينته هجمات مسلحة على عناصر الأمن العام ومقرات الحكومة، ما دعاه ليؤكد أن ما يجري لا يشكل تهديدا أمنيا فحسب، بل من شأنه تفكيك المجتمع، رغم هشاشة تماسكه متأثرا بإرث سياسة الأسد الطائفية.
وكانت مدن الساحل السوري إلى جانب أحياء في حمص يقطنها علويون قد شهدت خلال الأشهر الثلاثة الماضية، اشتباكات وتوترات طائفية على إثر هجمات مسلحة شنها موالون للأسد على قوات الأمن العام أدت إلى مقتل المئات.
وامتدت التوترات والصدامات مؤخرا إلى مناطق بريف دمشق تسيطر عليها مليشيات درزية إثر سجالات من التصريحات الطائفية، تخللها تدخل إسرائيلي.
طريق المستقبل ليس ممهدا بالكامل
بعد عقود من حكم الاستبداد، بات السوريون يأملون أن يشكل انهيار نظام الأسد فرصة ثمينة لتجسيد ما دعت إليه ثورتهم ضد النظام السابق، بالانتقال إلى دولة ديمقراطية، تضمن الحرية والكرامة للجميع، وتصون وحدة أراضيها.
ويخشى كثيرون -بحسب منشورات على منصات التواصل الاجتماعي- من أن يفسد الحراك الطائفي والمناطقي عليهم فرحتهم بسقوط الأسد، أو يحبط ما تبقى لديهم من طموحات وآمال بمستقبل أفضل.
وفي هذا الإطار، استبعد الخبير الحقوقي عبد الملك الأحدب أن تمتلك الحكومة المؤقتة حلا سحريا لمشكلات سوريا الراهنة في ظل استمرار العقوبات التي فرضها الغرب على النظام السابق.
وأشار الأحدب، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن الطريق نحو المستقبل ليس ممهدا بالكامل، إذ تعترضه تحديات، منها:
إعلان الوضع الحياتي، حيث يحتاج الاقتصاد إلى رافعة تمكن البلد من تلبية متطلبات نهوضه وإعادة إعماره، ومن ثم تهيئة الظروف لعودة ملايين اللاجئين. أزمة الأقليات، التي انحرف بعض من تصدروا لتمثيلها على خلفية انفصالية للاستقواء بدول أجنبية، من بينها إسرائيل. التحدي الخارجي، ويتصل بالعقوبات التي ما زال الغرب يفرضها، ويربط رفعها بمطالب قد تمس سيادة الدولة. إلى جانب ما تشكله هجمات إسرائيل العسكرية، واستثمارها الجانب الطائفي من الأزمة الداخلية، من خطر يهدد الأمن القومي السوري.وانتقد الأحدب السردية التي تروجها الأطراف المتضررة من سقوط الأسد، معتبرا أن "ما يتم تصويره كصراع طائفي أو مواجهة بين أغلبية سنية وأقليات المجتمع السوري، هو تضليل خطير، يراد منه توجيه رسالة للغرب مفادها أن الأقليات تتعرض لمذابح على يد الإسلاميين (النظام الجديد) وعلى المجتمع الدولي إنقاذها".
ويتفق ما طرحه الخبير الأحدب، مع ما ذهب إليه الباحث في معهد دراسات الحرب، رايان كارتر، حيث أوضح في تقرير أن السرديات الطائفية التي تنشرها جهات مناهضة لحكومة أحمد الشرع، تدعم أهداف المتمردين.
وحث الحكومات الغربية على توخي الحذر عند تقييم العنف الناشئ، لأن الجهات الفاعلة في سوريا والمنطقة تحاول دعم روايات المتمردين -عن قصد أو بغير قصد- المصممة لتقويض النظام الجديد.
كما كشف كارتر وجود حسابات شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي، بعضها باللغة الإنجليزية، تنشر محتوى يهدف إلى تأجيج هذا التوتر. ومن المرجح -بحسب رأيه- أن يكون هدفها هو نزع الشرعية عن الحكومة لدى الجمهور الأجنبي، وتعزيز مشاعر الخوف والحرمان الكامنة لدى العلويين.
إسرائيل في عمق المشهد
لطالما ادعت إسرائيل -التي ربطتها مع النظام المخلوع تفاهمات فرضت استقرارا يحفظ أمنها- وقوفها على الحياد من المذابح والمجازر التي كان يرتكبها الأسد بحق شعبه طوال الأعوام الماضية.
إعلاندفع سقوط النظام السابق المدوي على يد الثوار الإسلاميين، إسرائيل إلى العودة لسياسة كانت قد استخدمتها سابقا في العراق ولبنان، ترتكز في مبادئها على إضعاف خصومها، وشل قدراتهم، وتشجيع الأقليات على إنشاء كانتونات تخدم مصالحها.
وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، نقلا عن مصادر لم تسمها، أن تل أبيب تعمل حاليا على إقناع القوى العالمية بدعم فكرة تبني الدولة الناشئة في سوريا، نظاما اتحاديا، يضم مناطق عرقية مستقلة، مع جعل المناطق الحدودية الجنوبية منزوعة السلاح، معتبرة "سعي الإسلاميين لتوحيد سوريا إنما يشكل تهديدا لها".
وفي المقابل، ذهب يائير رافيد رافيتز، رئيس فرع عمليات الموساد في بيروت، إلى أبعد من ذلك، عندما طلب من حكومته التعاون مع الأقليات السورية لمواجهة من أسماهم أعداء اسرائيل.
وذكر لصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، وجود تنسيق يجرى على الأرض بين إسرائيل والدروز، شارحا، أنه رغم غياب المعلومات المؤكدة لديه، إلا أنه يقدّر، استنادا إلى معرفته، أن الأسلحة الإسرائيلية تنقَل بالفعل إلى محافظة السويداء.
واستعرض رافيتز خطط تل أبيب المستقبلية لاستخدام الأكراد والعلويين في تحقيق أهدافها، مؤكدا -وفق الصحيفة- أن الظروف مهيأة لدعم الحركة الكردية في سوريا سرّا، وحتى تزويدها بالسلاح. أما بالنسبة للعلويين، فيرى أنه من المناسب تقديم دعم سري لهم، وتزويدهم بالسلاح والمعدات "لاستنزاف دماء أعدائنا الرئيسين في سوريا حاليا، وهم السنة المنتمون لتنظيم القاعدة".
بَيد أن حدثا مهما كشف جانبا من الوضع السائد، وقدم صورة مغايرة للسردية الرائجة حول حقيقة الأوضاع في سوريا. ففي فبراير/شباط الماضي، التقت رئيسة الأمانة الدولية للحرية الدينية، نادين ماينزا، بطاركة وأساقفة وقساوسة مسيحيين أثناء زيارتها لدمشق برفقة وفد رسمي يمثل منظمات دولية.
إعلانونقلت ماينزا عن رجال الدين المسيحيين في سوريا قولهم "على الغرب أن يكف عن مناصرة وحماية الأقليات في سوريا، لأن من شأن ذلك أن يعزز الرواية الخطيرة التي استخدمها الأسد، وقسمت سوريا إلى أغلبية وأقلية. وبدلًا من ذلك، عليه السعي للاعتراف بهم كعناصر متساوية في المجتمع حتى ولو قلت أعدادهم".
وذكرت ماينزا في تقرير أعدته عن الزيارة، ونشره مركز ويلسون، الذي يقدم المشورة والرؤى حول الشؤون العالمية لصناع القرار في الولايات المتحدة، أنها استمعت لأغلب الحضور، وكان من جملة ما أكدوا عليه أن معظم جيرانهم المسلمين السنة يرفضون الطائفية والعنف، وأنه في فترة ما قبل حكم الأسد، عاشت الطوائف الدينية والعرقية المتنوعة في سوريا معًا في سلام نسبي، ويأملون استعادة هذا التاريخ.
وأكدوا كذلك أن تأجيج التوترات الطائفية الذي أثبت فشله في العراق بعد الإطاحة بصدام حسين، غذى عدم الاستقرار بدلًا من تعزيز التعافي، ودعوا إلى عدم تكرار نظام المحاصّة العراقي أو النظام الطائفي اللبناني، خشية أن يرسّخ الانقسامات الطائفية نفسها.
وأفادت ماينزا بأن هناك إجماعا على الحاجة الملحة لرفع العقوبات، إذ تنذر الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في سوريا بالتحول إلى مجاعة جماعية. وقالت "أعرب معظم الذين قابلتهم عن امتنانهم للرئيس أحمد الشرع الذي أطاح بالأسد، على الرغم من وجود مخاوف جدية لديهم بشأن صِلاته القديمة".
"ارفعوا أيديكم عن سوريا"
من وجهة نظر الكاتب البريطاني، سيمون تيسدال، الذي يرى في تدخل القوى الأجنبية بالشأن السوري أمرا قد يعرض ثورة السوريين للخطر، بدأت سخرية المواقف الحالية تخطف الأنفاس. فالأصدقاء والجيران تكالبوا كالذئاب المفترسة، على جثة نظام البعث المخلوع، التي لا تزال تنتفض، وإذا لم يتم كبح جماحهم -كما يرى- فقد يمزقون سوريا من جديد.
وأوضح في مقال، نشرته صحيفة غارديان البريطانية، أن على القوى الأجنبية أن تدع سوريا وشأنها، وترْكَ أمر مستقبل السوريين للسوريين.
إعلانوأضاف "ليس للمجتمع الدولي الحق بإبداء رأيه بعد 13 عاما من الفشل في سوريا، خصوصا أن "تدخلات الغرب الجبانة" أجّجت الحرب، وأمام القيادة الحالية العديد من المصاعب، من إعادة اللاجئين والتخلص من الألغام إلى إصلاح اقتصاد البلاد المتهالك والتعافي من السنوات السابقة.
وتساءل تيسدال "كم سيكون من المنعش أن يثق العالم ولو لمرة واحدة فقط بشعب تحرَّر للتوّ، كي يرسم طريقه نحو العدالة والمصالحة وإعادة الإعمار بعيدا عن التدخل الخارجي؟".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات النظام السابق الأمن العام فی سوریا
إقرأ أيضاً:
الأوقاف : ثورة يوليو لم تكن حدثًا عابرًا .. بل نقطة انطلاق لبناء الدولة المصرية الحديثة
أكدت وزارة الأوقاف، أن ثورة 23 يوليو شكَّلت نقطة تحول في بناء الدولة الوطنية، وتستمر مسيرتها اليوم عبر رؤية مصر ٢٠٣٠، التي ترتكز على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وتحقيق التنمية المستدامة، ومكانة مصر الإقليمية والدولية.
وقالت وزارة الأوقاف، في بيان، إن لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م دور رئيسي ومحوري في إعادة بناء الجيش، حيث بدأت أولى الخطوات بكسر احتكار السلاح عام ١٩٥٥م، وذلك بعقد صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا، ثم مع الاتحاد السوفيتي، وبدأت عملية تنظيم الجيش وتزويده بالأسلحة الحديثة، وشمل التطوير إنشاء وحدات حديثة خاصة، مثل وحدات المظلات، والصاعقة، وإدارة الحرب الكيميائية، وتحديث وسائل الاتصال، مع الارتقاء بمستوى التدريب، وإنشاء مدارس إعداد الفنيين العسكريين، والكلية الفنية العسكرية، والمدرسة الثانوية الجوية.
كما تم إنشاء المصانع الحربية لمد القوات المسلحة بما تحتاجه من ذخائر، وساهمت هذه المصانع في الوفاء بقدر كبير من بعض أنواع الأسلحة والذخائر لمصر، وبعض الدول العربية والإفريقية، كما برز الاهتمام بنظم التدريب، وإرسال البعثات إلى الدول الرئيسة التي يتم استيراد السلاح منها، واتبعت مصر سياسة تدريب العسكريين العرب والأفارقة في المعاهد والكليات العسكرية المصرية، وتم أيضًا تدعيم الدور المدني للقوات المسلحة في تقديم خدمات وأنشطة مدنية.
إقامة جيش وطني قويوتابعت: وكان الهدف الخامس لثورة يوليو هو إقامة جيش وطني قوي، وفي سبيل ذلك حددت مهمة القوات المسلحة، وهي حماية الوطن ضد أي اعتداء خارجي، ودعم الأمن القومي العربي والاستقرار الإقليمي وفقًا للثوابت الوطنية المصرية، وأن تتميز بالقدرة على الحركة السريعة وتمتلك الأسلحة الرادعة، وأن تساير التطور العلمي.
وقالت الوزارة، إن إقامة جيش وطني قوي وتجهيزه بأحدث الأسلحة، وحماية حدود الوطن لردع أي اعتداء خارجي، يتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الأوطان وإعداد أسباب القوة اللازمة لحمايتها، عن عقبة بن عامررضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» [صحيح مسلم: ( ١٩١٧)]، (الرَّمْيُ) في عصرنا الحالي يمثل سلاح الطيران، والمدفعية، والصواريخ، والأسلحة الرادعة الحديثة، تكرار النبي صلى الله عليه وسلم للكلمة يؤكد أن سلاح الردع عن بُعد هو أساس القوة في كل عصر بحسب تطوره العلمي.
وأضافت الأوقاف، أن إنشاء المصانع الحربية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الذخائر والأسلحة يدخل تحت القاعدة الفقهية الشرعية المستمدة من مقاصد الشريعة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، ولما كانت حماية الوطن والدفاع عنه واجبًا شرعيًا فإن السعي إلى امتلاك القدرات الدفاعية الوطنية ينسجم مع مقاصد الشريعة في حفظ الأوطان وتحقيق القدرة على الدفاع عنها.
وذكرت أن الملكية الخاصة والمصلحة العامة: "قانون الإصلاح الزراعي" وأقرَّ الإسلامُ أنَّ لكلِّ شخصٍ الحقَّ في تحصيلِ الثروةِ والتملُّكِ؛ تلبيةً للدوافعِ التي فُطِرَ الناسُ عليها، طالما أنه يؤدّي واجباتِه الدينيةَ والاجتماعيةَ، وطالما أنه لا يحصِّلُ ثروته وأملاكه من خلالِ وسائلَ غيرِ أخلاقيةٍ؛ كالاتجارِ في السلعِ الضارّةِ؛ إذْ توجدُ قواعدُ فقهيةٌ تفرضُ ضوابطَ وقيودًا على الملكيةِ إذا ما امتدّتْ لإحداثِ أضرارٍ بالناسِ أو المجتمعِ (لا ضررَ ولا ضرارَ).
وقد وضعَ الإسلامُ مبادئَ راسخةً لحمايةِ المجتمعِ، ومنعِ الضررِ، وتحقيقِ المصلحةِ العامةِ؛ فالضررُ بجميعِ أنواعِه منهيٌّ عنه في الإسلامِ، ويجبُ اتخاذُ التدابيرِ الوقائيةِ لمنعِ حدوثِه، وعلاجِ آثارِه إذا وقعَ، والإسلامُ لم يكتفِ بتحريمِ التصرفاتِ الضارّةِ، لكنه حرَّمَ التصرفاتِ المباحةَ أصلًا والتي تقترنُ بنيةِ الإضرارِ، وقد أقرَّ الإسلامُ الملكيةَ الخاصةَ، لكنه جعلَها مرتبطةً بالمسئوليةِ الاجتماعيةِ، وعدمِ الإضرارِ، وتحقيقِ المصلحةِ العامةِ.
وتابعت: ما زالت ثورة يوليو تشكل علامة بارزة في تاريخ الوطن، ونقطة تحول أساسية في مساره الوطني، بما قدمته من إنجازات مهمة، وما أحدثته من تحولات جذرية في جميع جوانب الحياة. مثلّت الثورة تحولًا اجتماعيًا مهمًا لصالح قطاعات واسعة من العمال والفلاحين، فقضت على الإقطاع، واتخذت مجموعة من السياسات الاقتصادية، من بينها التأميم، وإعادة تنظيم ملكية بعض القطاعات الاقتصادية، بهدف تحقيق أهدافها وبناء قاعدة صناعية وطنية.
وساعدت في إلغاء الفوارق الطبقية بين أبناء الشعب المصري، وأصبح الفقراء قضاة، وأساتذة جامعات، وسفراء، ووزراء، كما حررت الفلاح بإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وما زالت هذه الفترة الأساسية من تاريخ مصر الحديث مادةً أساسيةً في التاريخ العربي، ومرجعًا ثابتًا للحديث عن الدور الرائد للشعب المصري على مر العصور.
الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية
وأوضحت أن الاقتصاد المصري استطاع إتمام بناء السد العالي وتحقيق نهضة تنموية وصناعية شاملة تمثلت في بناء مجمع ألومنيوم نجع حمادي، والحفاظ على نمو اقتصادي، وتحقيق فائض في الميزان التجاري عام ١٩٦٩م، وتوفير منتجات محلية بالأسواق، إلى جانب زيادة الرقعة الزراعية وتوسيع ملكية صغار الفلاحين للأراضي، وتأسيس قاعدة صناعية كبيرة، فانعكست النهضة الاقتصادية في عهد الثورة على مستوى التعليم، بفضل مجانية التعليم في كل مراحل الدراسة.
ويمثل مسار الدولة المصرية الحديثة امتدادًا لفكرة بناء الدولة القادرة التي كانت أحد أهم أهداف ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م، حيث تواصل مصر اليوم جهودها في تعزيز مقومات الدولة الوطنية من خلال رؤية شاملة للتنمية ترتكز على بناء الإنسان المصري، وتطوير المؤسسات، وتحقيق التنمية المستدامة، ودعم الاقتصاد الوطني القائم على المعرفة والصناعة والتكنولوجيا.
فكما سعت الثورة إلى بناء قاعدة صناعية وتعليمية وتعزيز قدرات الدولة، تستكمل الدولة المصرية في الجمهورية الجديدة مسيرة التطوير عبر المشروعات القومية الكبرى، والتحول الصناعي، وتوسيع فرص الاستثمار، ورفع كفاءة البنية الأساسية، بما يحقق أهداف رؤية مصر ٢٠٣٠ في بناء دولة حديثة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا، مع الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز مكانة مصر ودورها الحضاري.
تعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية
ومثلما كان لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م سياستها الداخلية، التي انعكست فيما قامت به من إجراءات وخطوات لتوطيد وبناء أركان الدولة المصرية الحديثة سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، وثقافيًا، وأمنيًا... إلخ، فقد كان لها أيضًا سياستها الخارجية الطموحة، التي ارتكزت على ما تمتلكه مصر من تاريخ حضاري، وموقع جغرافي متميز، جعلها دولة رائدة في محيطها العربي، والإقليمي، والدولي.
وهو ما أكد عليه الرئيس جمال عبد الناصر في كتابه (فلسفة الثورة) عام ١٩٥٤م، بإشارته إلى حتمية ومسئولية مصر كفاعل جوهري في نطاق ثلاث دوائر، وهي: الدائرة العربية، والإفريقية، والإسلامية.
وقد ارتبطت الثورة في الأذهان بصورة الرئيس جمال عبد الناصر، الذي بات رمزًا لدعم حركات التحرر في مواجهة الاحتلال، واستمرت هذه الصورة حتى يومنا هذا، بعد مرور ما يقرب من سبعة عقود على قيام الثورة، وكانت الثورة بمثابة الركيزة الأساسية للدور الإقليمي الرائد لمصر على المستويين العربي والإفريقي، وهو الدور الذي استمرت آثاره الإيجابية حتى اليوم.
وبعد قيام ثورة يوليو ١٩٥٢م، عززت الثورة مفهوم السيادة الوطنية، والاستقلال في القرار المصري، بل صارت مصر صاحبة سيادة كاملة، وصاحبة مواقف مؤثرة في السياسة الدولية، حيث لعبت قيادة الثورة دورًا رائدًا مع يوغوسلافيا بقيادة الزعيم تيتو، ومع الهند بقيادة نهرو، في تأسيس حركة عدم الانحياز، مما جعل لها وزنًا ودورًا ملموسًا ومؤثرًا على المستوى العالمي.
فمنذ ثورة يوليو ١٩٥٢م، وطوال فترة حكمه، وضع الرئيس جمال عبد الناصر، لأول مرة، معالم واضحة للسياسة الخارجية لمصر، وبعد الثورة بدأت السياسة الخارجية المصرية تتجه نحو القومية العربية، ونحو إفريقيا، وساهمت في تأسيس حركة عدم الانحياز لدعم علاقات مصر الخارجية، وتبلورت دوائر اهتمام السياسة الخارجية المصرية في الدوائر العربية، والإفريقية، والإسلامية، علاوة على دائرة عدم الانحياز، بجانب إقامة علاقات متوازنة مع كافة دول العالم.
لم تكن ثورة يوليو مجرد حدث تاريخي، بل مثّلت لحظة وعيٍ شعبي وإرادة سياسية هدفت إلى تحقيق تحولات اجتماعية واقتصادية واسعة، وترسيخ مفهوم الدولة القوية، وهي المبادئ التي تستكملها مصر اليوم، بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، من خلال مشروعات قومية كبرى، وإصلاحات استراتيجية، تضع الإنسان في قلب عملية التنمية.
ستظل ثورة يوليو مصدر إلهام للمصريين، ودليلًا على أن الشعوب التي تحافظ على ذاكرتها الوطنية، وتؤمن بها، قادرة على مواصلة البناء، وتحقيق الانتصار، مهما كانت التحديات.
واختتمت البيان، بأن ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م تظل محطةً بارزةً في تاريخ مصر الحديث، بما أحدثته من تحولات أسهمت في بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز دورها الوطني والإقليمي، وتواصل مصر اليوم مسيرة البناء والتنمية في إطار رؤية مصر ٢٠٣٠، من خلال دولة حديثة ترتكز على قوة المؤسسات، وبناء الإنسان، وتحقيق التنمية المستدامة، وتؤكد هذه المسيرة أن حب الأوطان، وحمايتها، وبناء مؤسساتها، ليس مجرد واجب سياسي وتنموي، بل هو دينٌ يدين به الفرد لرب العالمين، تترجمه الجمهورية الجديدة اليوم في أبهى صور فقه بناء الدول، وتحقيق مقاصد الشريعة.