يتغير حال الأمم بين القوة والضعف، وبين الغنى والفقر؛ لذلك فإن قوتها الآنية والتراكمية لا تقاس بعتادها العسكري وحده، ولكن بما تستطيع أن تحتفظ به من رصيد في ذاكرتها الجمعية. وذاكرة أي أمة من الأمم تملك قوة تجعلها تصل الحاضر بالماضي، وترسم خطوات المستقبل. وكان هذا الفهم راسخا في وجدان الأمم والشعوب؛ فلا تفرط فيه أبدا.
غير أن عصرنا هذا المتخم بالضجيج والتسارع جعل الذاكرة مثقوبة تتسرب منها الحكايات الكبرى قبل أن تترسخ في وجداننا، وقبل أن نستطيع مراكمتها لتشكل ذواتنا وواقعنا. ما إن يقع حدث حتى يُزاحمه آخر، فيختفي الأول وكأنه لم يكن، ويظل الوعي العام أسير اللحظة يتغذى على مشاهد عابرة تبدو وكأنها بلا سياق، أو أنها منزوعة منه.
والنسيان في ذاته ليس ظاهرة جديدة؛ فقد عرفته كل المجتمعات عبر التاريخ، لكنه اليوم يتخذ شكلا مختلفا؛ فهو لم يعد نتاج الزمن، ولكنه صار نتاج التدفق المستمر والمتسارع للمعلومات المبتورة والمشوهة التي يبتلع بعضها بعضًا، ويناقض بعضها بعضًا. وبهذا المعنى فإن هذا النوع من المعلومات المتسارعة والمتناقضة إذا لم تجد إطارا يحدها في سياق منظومة قيم، أو سردية وطنية، أو مشروع ثقافي؛ فإنها تتبدد سريعا في هذا الفضاء الرقمي الذي لا يبدو أن له ذاكرة قادرة على الرسوخ في الوعي البشري. وهذا في حد ذاته مشكلة كبيرة؛ حيث لا يمكن أن تكون المآسي صالحة لأن تعطينا دروسا وعبرا، ولا تصبح الإنجازات نماذج ملهمة، ولا الأخطاء قادرة على أن تحذرنا، ويتحول كل شيء إلى مجرد ومضات تضيء لحظة، وسرعان ما تنطفئ. وفقدان الذاكرة الجمعية يُفقد المجتمعات قدرتها على فهم ذاتها؛ فأمة لا تستطيع تذكر كيف تجاوزت الأزمات، ولا كيف شيدت منجزاتها لن تعرف كيف تحمي ما تملكه، أو تصنع ما تحتاجه! ومن دون ذاكرة حية وحاضرة في الوعي وفي السلوك يسهل إعادة إنتاج الأخطاء، وكأن التاريخ مجرد دائرة مفرغة تدور في الفراغ، وتتلاشى القدرة على استخلاص العبرة، ويصبح الحاضر كثير الهشاشة، أما المستقبل فإنه يغدو مفتوحا على احتمالات يقررها الآخرون لا نحن.
والحديث عن استعادة الذاكرة، وأهميتها في سياق البناء لا يفهم على أنه حنين إلى ماض ذهب وانتهى، ولكن من المهم أن يكون فهم الأمر على نحو مختلف يتمثل في أن الأمر هو وعي حقيقي بأن كل حاضر بلا جذور معرض للانهيار. إنها عملية وعي مستمرة تبدأ بالتعليم الذي يربط الوقائع بمنظومة القيم، وتستمر بالإعلام الذي لا يكتفي بتسجيل الأحداث، بل يضعها في سياقها الأخلاقي والتاريخي، وتزدهر في الفنون والآداب التي تحول الماضي إلى قوة روحية. فالذاكرة الحية إذن ليست صندوقا مغلقا نحتفظ فيه بالذكريات، ولكن يمكن أن نشبهه بالنهر المتجدد الذي يحمل إلينا منبع الهوية، ويجدد قدرتنا على الفعل.
إذن -والحال كذلك-لا يكفي أن نأسف لما يتبدد ويضيع، ولكن علينا أن نصنع لأنفسنا أدوات الحفظ والمراجعة. والأمر يبدأ من الفرد حين يتوقف أمام الأحداث؛ ليقرأ جذورها لا سطحها، ويسجلها في ذاكرته الخاصة قبل أن تصبح في سياق النسيان، ويمتد الأمر إلى الأسرة التي تروي تاريخها لأبنائها، وإلى المدرسة التي تعلّم وقائع التاريخ بوصفها دروسًا، وليست صفحات امتحان تنفر الطالب منها. ولا بد أن نعي أن الإمساك بالذاكرة هو أحد أهم شرط البقاء، ومقاومة صامتة ضد التلاشي، وبناء لجسر ممتد بين من كنّا، ومن نحن، ومن نريد أن نكون.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی سیاق
إقرأ أيضاً:
من بورسعيد إلى أسيوط .. الثقافة تحتفي بالوطن وتصنع الوعي في المحافظات
في الوقت الذي تتحول فيه الثقافة إلى جسر يربط بين الماضي والحاضر، ويجعل من الفن والمعرفة لغة مشتركة لبناء الإنسان، واصلت الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، تنفيذ أجندة ثقافية وفنية حافلة امتدت من بورسعيد إلى أسيوط والإسماعيلية والقليوبية ودمياط، لتؤكد أن الثقافة ليست مجرد فعاليات، بل مشروع وطني لترسيخ الهوية وتعزيز الوعي في مختلف ربوع مصر.
ففي بورسعيد، افتتحت الدورة التاسعة لمعرض بورسعيد للكتاب بأجواء احتفالية على أنغام السمسمية، حيث أحيت فرقة بورسعيد للآلات الشعبية بقيادة الفنان محمود غندر حفل الافتتاح، مقدمة باقة من الأغاني التراثية التي عكست الهوية الثقافية للمحافظة، فيما يشارك المعرض، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب، بمشاركة 60 دار نشر، إلى جانب قطاعات وزارة الثقافة وبرنامج ثقافي وفني متنوع.
وبالتزامن مع احتفالات الذكرى الرابعة والسبعين لثورة 23 يوليو، نظمت ثقافة أسيوط سلسلة من المحاضرات واللقاءات التثقيفية وورش الحكي والمسابقات والأنشطة الفنية للأطفال، تناولت أسباب الثورة ومبادئها وإنجازاتها، بهدف ترسيخ قيم الانتماء والوعي الوطني لدى الأجيال الجديدة.
وفي الإسماعيلية، احتفل قصر الثقافة بالذكرى نفسها من خلال محاضرة حول قانون الإصلاح الزراعي، إلى جانب عروض فنية لكورال الإسماعيلية، وفرقة الآلات الشعبية، وفرقة الطفل، واختتمت الاحتفالات بعروض فرقة الإسماعيلية للفنون الشعبية التي قدمت تابلوهات مستوحاة من التراث المصري وسط تفاعل جماهيري كبير.
أما في القليوبية، فقد ناقش صالون الثقافة الجماهيرية بمدينة طوخ دور القوة الناعمة في بناء الإنسان وتعزيز الوعي المجتمعي، بمشاركة نخبة من الأدباء والمثقفين، الذين أكدوا أهمية الفنون والتراث والدبلوماسية الثقافية في ترسيخ الهوية الوطنية. كما شهدت المحافظة محاضرات للأطفال عن ثورة يوليو، وورشا للتعريف باللغة المصرية القديمة، إلى جانب أنشطة فنية متنوعة وورش لتعليم الحرف والتفصيل.
وفي دمياط، شاركت ثقافة دمياط في احتفالية تكريم متطوعي العمل مع ذوي الهمم بحضور المحافظ، وقدمت عروضا فنية واستعراضية، كما نظمت محاضرات حول دمج ذوي الهمم، واحتفالات بذكرى ثورة يوليو، إضافة إلى صالون ثقافي عن الوعي البيئي، وأنشطة للتوعية بالتحول الرقمي، شملت محاضرات عن التوقيع الرقمي وورشًا فنية تناولت الثورة الرقمية.
وتعكس هذه الفعاليات تنوع برامج الهيئة العامة لقصور الثقافة، التي تجمع بين الاحتفاء بالتراث، وإحياء المناسبات الوطنية، وتنمية الوعي البيئي والرقمي، ورعاية الأطفال وذوي الهمم، في إطار رؤية وزارة الثقافة الهادفة إلى تحقيق العدالة الثقافية، والوصول بالخدمة الثقافية إلى مختلف المحافظات، وبناء الإنسان المصري بالمعرفة والإبداع.