د. نزار قبيلات يكتب: الشتاء عباءة السعادة في الإمارات
تاريخ النشر: 24th, November 2025 GMT
حين يحلّ الشتاء يُسامح الشتاءُ الصّيفَ ويعفو، ويستيقظ الفجر في الإمارات باكراً مهدياً الشطآن ريقه وعبق الشروق بلون الشمس القاني التي لا تخجل من انكسار صورتها على صفحة البحر المائج، في التشرين الإماراتي هذا، تتسلل إليك رائحة البخور الزكية من كل حدٍّب وصوب، وتهبّ من كل النّوافذ والمكاتب والشرفات التي خرجت للتو من عرين الصيف، في شتاء الإمارات يسطع القمر مبتسماً على صفحات خلجان الدولة وموانئها وفوق سارية العلَم ملقياً تحية الندى الشفيف على الطلبة والموظفين والزائرين الذين تعج بهم مطارات الدولة وشوارعها فاتحةً حضنَها لكل من نَشَدَ الدفء والتّحنان من صقيع بلدان الجليد والعواصف العاتية.
في الإمارات وفي الشتاء تحديداً تتجلى علاقة الحبّ وتُعلَن، لتشهد عليها مهرجانات الفرح والسرور وكرم الضيافة المنصوبة بدلال القهوة الساخنة والشاي السليماني ولذيذ التمور الفاخرة، فالقمر يغيب في كل البلدان التي يزورها الشتاء إلا هنا فإنه يسكن المساءات ويشارك السمّار وضيوفهم موسيقاهم وصَخبهم الذي يُطبع في ذاكرة كل من قصد السعادة والبهجة، في شتاء الإمارات تصبح رمال الصحراء واحة غنّاء يخالطُها الندى والشجن والمرح، في شتاء الإمارات أيضاً تتفتح الأزهار وتُورق الأشجار لتستضيف طيوراً مهاجرة تعرف أن في الإمارات عناوين كثيرة للمحبة والتسامح والأخوّة، فالشتاء عنوانٌ لا يخطئوه صائدو الصقور والحباري والحجل، ومحبو رياضات الصحراء ومغامراتها.
في شتاء الإمارات تُسمع بوضوح ضحكات الكبار والصغار وقد رحّبت بهم الحدائق الخضراء والأسواق والبيوت، وتسطع ليلاً أضوية البهجة والحفلات والمؤتمرات والفعاليات التي لا تهدأ وإن ألقى الليل ثوبه عليها ليغدو السّواد هنا لون المحبة والألفة لا الغياب والنسيان، في الإمارات فقط تمر الغيوم المتلبدة دون أن تثقل حركة الزائرين والعابرين في الطرقات، وفي الشتاء تحديداً تتلون الأثواب بألوان زاهية تتضوع منها رائحة العبق والعود والنّد، فتسمع أينما ولّيت وجهك عبارات الكرم الأصيل (إرحب واقرب وحيّاك). أخبار ذات صلة
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: نزار قبيلات فی شتاء الإمارات فی الإمارات
إقرأ أيضاً:
30 نوفمبر.. حين يكتب اليمنيون قدرَهم بأيديهم
لا يمر الثلاثون من نوفمبر في ذاكرة اليمنيين كاحتفال عابر، بل كجرس تاريخي يدوّي كُـلّ عام ليذكّر الجميع – في الداخل والخارج – أن هذا الشعب ليس مادة للاحتلال ولا ساحة للهيمنة.. إنه اليوم الذي طُرد فيه آخر جندي بريطاني من عدن عام 1967، معلنًا نهاية أطول وجود استعماري في الوطن، وبداية عهد جديد صنعته بنادق الثوار وصمود الإنسان اليمني الذي لم يقبل أن يعيش فوق أرضه غريبٌ يحمل راية الغزو.
حين انتزع اليمنيون استقلالهم، لم يكونوا يمتلكون أسلحة متطورة ولا جيوشًا نظامية ضخمة، بل امتلكوا شيئًا أعظم: إرادَة وطن لا ينكسر.
تلك الإرادَة وحدها هي التي أسقطت إمبراطورية كانت “لا تغيب عنها الشمس”، وأجبرت المستعمر البريطاني على الرحيل خائبًا أمام مقاومة شعبيّة متماسكة، قدمت الشهداء واحدًا تلو الآخر حتى انكسرت شوكة المحتلّ.
ولأن التاريخَ لا ينسى، فَــإنَّ جلاء 1967 لم يكن مُجَـرّد صفحة طُويت، بل أصبح منهجًا ثابتًا في الوعي اليمني: كُـلّ احتلال يرحل، وكل غزوٍ مآله الفشل، مهما تغيرت الرايات وتبدلت الوجوه.
قد يتبدل المحتلّ، لكن اليمني هو ذاته: صلب، عنيد، لا يساوم على وطنه ولا يهادن في سيادته.
وما فعله بالأمس مع المملكة البريطانية العجوز، يفعله اليوم مع كُـلّ قوة تسعى لفرض وصايتها أَو بسط سيطرتها على أي شبر من الأرض اليمنية.
ولذلك، فَــإنَّ30 نوفمبر اليوم ليست مُجَـرّد استعادة تاريخية، بل هي رسالة سياسية مباشرة: اليمن الذي طرد بريطانيا وهو أعزل، قادر على أن يطرد أي قوة مهما كانت إمْكَانياتها.
فالغزاة أقوياء فقط خارج اليمن، أما داخله فيتلاشى وهجهم وتتبدد قوتهم.
إن هذا اليوم لا يُقرأ كذكرى وطنية فحسب، بل كاختبار دائم لمدى وفاء اليمنيين لتضحيات الشهداء الذين رسموا طريق التحرير.
فالمعركة لم تنتهِ، والشعب الذي انتصر عام 1967 يخوض اليوم معارك أشد وطأة وتعقيدًا، لكنه يخوضها بروح أُخرى: روح المسيرة القرآنية، روح الحرية، ورفض الخضوع، والرغبة في الانتصار مهما كبرت التضحيات.
في 30 نوفمبر، يقول اليمنيون للعالم: “لا نسمح للاحتلال بالبقاء، ولا نقبل بالشراكة في السيادة، ولا نترك أرضنا ساحة مفتوحة لأطماع الطامعين.
الوطن لنا، والبندقية لنا، والقرار لنا”.
من عدن إلى صنعاء، ومن حضرموت إلى صعدة، يبقى عيد الجلاء يومًا تتجدد فيه وصية التحرّر: الأرض اليمنية لا تستقر إلا لأهلها، والراية لا يحملها إلا أبناؤها، والمستقبل لا يصنعه إلا شعب أثبت للعالم أن الاحتلال مهما طال، فَــإنَّ نهايته مكتوبة على أيدي اليمنيين.